المتابع للأزمة التي بدأت ببحث البرلمان الأوروبي لأوضاع حقوق الإنسان في مصر يلحظ بشكلٍ واضحٍ ارتفاع نبرة رد الفعل المصري وإغفاله العديد من الحقائق، واستسلامه لحاسته الدفاعية واستثارته لعددٍ من المقولات القانونية والوطنية, فبدا وكأن الأزمة أساسها رد الفعل العنيف الذي تحرَّك بفعل عوامل لا يمكن إدراكها من مجرد نقدٍ لحالة حقوق الإنسان في مصر، والتي صارت مادةً للحديث والبيانات في كل الإعلام الدولي وتقارير هيئات ومنظمات حقوق الإنسان, وبدا وكأن بحث هذه الحالة كان مجرد سبب لانطلاق حملة شعواء على أوروبا وبرلمانها واتحادها وسياساتها!!.
وقبل مناقشة هذه الأبعاد للأزمة التي تتفاقم بين مصر والاتحاد الأوروبي، نقرر ابتداءً أن التعامل مع هذه الواقعة كشف عن دروسٍ كثيرة, وأغلب الظن أن الغضب العارم والجسارة الفائقة التي ظهرت في تصريحاتٍ مكثفة لكبار المسئولين في الدولة بدت وكأنه سباق بين هؤلاء على كسب رضا أحدٍ ما ممن أبدى سخطه من الواقعة، فتسابق القوم بالهجوم دون تدبُّرٍ وهم لا يهمهم أن تصاب مصر في مقتلٍ بقدر ما يهمهم أن يسجلوا أن ارتفاع الصوت بالقدْح في الاتحاد الأوروبي ومن أنشأه هو دليل ولاءٍ للوطن وقمة الوطنية في الذود عن حياض الوطن واستقلاله, فما أن أُخطرت مصر بأن البرلمان الأوروبي يعتزم إصدار قرارٍ ينتقد فيه حالة حقوق الإنسان فيها، حتى انطلقت أصواتٌ أربعةٌ، أعقبها بعد أيام صوتٌ خامسٌ مهم، هو د. بطرس غالي- رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان- بشهادته أن حالة حقوق الإنسان "ليست ضعيفةً"!!.
ولا أخفي أن متابعة هذا الملف أصابني بالقلق الشديد من طريقة تعامل القيادة السياسية مع ملفٍ خطيرٍ بهذا القدر, ومن شخصيات يُفترض فيها العلم بهذه الخطورة, وهو نمط يتكرر مع أزماتنا الداخلية والخارجية، والأخطر من أوضاع الشخصيات السياسية المصرية ما ورد بتصريحاتهم وقراراتهم، وسلوكهم وقيادتهم لمؤسسات بالغة الأهمية.
فالسيد وزير الخارجية, الذي قضى معظم خدمته في عواصم القرار الدولي وفي نيويورك ومكاتب السادة الوزراء, والذى اكتسب- قطعًا- حسًّا دوليًّا سياسيًّا قويًّا, يتهم البرلمان الأوروبي بـ"العنجهية" والجهل المعيب، ويعلن بأقصى قوةٍ رفضَ مصر تلقي دروسٍ من أحد، بل إنه استدعى سفراء دول الاتحاد الأوروبي ليعلن لهم موقفه؛ لعل هؤلاء السفراء يضغطون على حكوماتهم حتى "تأمر" البرلمان الأوروبي بوقف المضي في عملية إصدار القرار!!, وهو يعلم قطعًا أن البرلمان هو الذى يأمر الحكومات الأوروبية؛ لأنه يضم ممثلي الكتل البرلمانية في الدول الأعضاء المنتخبين انتخابًا حرًّا لا شبهةَ فيه لظلال التدخلات الحكومية كما هو الحال في بلادنا.
في نفس الوقت كان رئيس مجلس الشعب يتهم البرلمان بمخالفته لقرار الاتحاد البرلماني الدولي القاضي بعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى, وبقطع علاقة البرلمان المصري بمجلسيه بهذا البرلمان إن تجاسر على إصدار القرار!!, ووُصف القرار بأنه انتهاك لمبادئ العلاقات الدولية, وسبب الرفض المصري أنه بُنِي على غير الوثائق، كما اتهم رئيس مجلس الشورى القرار بعد صدوره بأنه يجافي الأعراف البرلمانية!!.
أما د. مفيد شهاب- الفقيه القانوني المعروف ووزير الشئون القانونية والبرلمانية- فقد اعتبر القرار تدخلاً مرفوضًا في الشئون الداخلية، ورغم كل ذلك صدر القرار في 16/1/2008م بأغلبيةٍ ساحقةٍ (52 من 59 صوتًا)، ولم يعترض عليه أحد، وقال "بعض العالمين" إن ردَّ الفعل المصري الغاضب المسبق قد دفع أعضاء البرلمان الأوروبي إلى عدم حضور الجلسة, فلم يحضرها سوى 59 من إجمالي العدد البالغ حوالى 750 عضوًا, فصار القرار فى نظرهم رمزيًّا.
ولما كان مقررًا بحث هذه المسألة في اللجنة السياسية الفرعية في مصر يوم 23/1 فقد طلبت مصر إرجاء هذا الاجتماع إلى موعد لاحق؛ مما أضاف إلى تفاقم الأزمة, خاصةً أن القرار قد طلب من أجهزة الاتحاد الأوروبي أن تقدِّم تقريرًا عنها للبرلمان، وأن يدخل بعمق في مراجعة حالة حقوق الإنسان في مصر.
لقد تضمَّن قرار البرلمان الأوروبي وصفًا لحالة حقوق الإنسان في مصر بالتفصيل، شاملاً لقضايا الحريات والمحاكمات العسكرية والقيود المفروضة على المحتجِّين والصحفيين وسجنهم، وحالة الطوارئ وعدم استقلال القضاء وغيرها، وطالب الحكومة المصرية باتخاذ عددٍ من الإجراءات لتحسين سجل حقوق الإنسان فيها, بما في ذلك التعاون مع اللجنة الدولية المطالبة بإعادة التحقيق في مقتل عدد من طالبي اللجوء السودانيين عام 2007م في القاهرة!!.
وهذا المشهد يثير عددًا من الملاحظات:
الملاحظة الأولى: هي أن قرار البرلمان الأوروبي تضمَّن وصفًا واقعيًّا لحالة حقوق الإنسان في مصر, وكان رقيقًا جدًّا في وصف تفاصيل الحالة, وكان يجب أن يضيف إليها الكثير، بما في ذلك أسباب الهجرة غير الشرعية التي تعود إلى اليأس من تحسُّن الأحوال الاقتصادية وتفاقم البطالة والعجز والفساد في إدارة البلاد وإهدار مواردها؛ فالقرار لا يستحقُّ كل هذا الفزع, وليس فيه سوى إشارته في الفقرة العاشرة خارج السياق إلى عملية تهريب السلاح إلى غزة, وحتى في هذه الفقرة فإن فيها إشادةً بجهود مصر بما انطوى عليه ذلك من نصرة مصر على "إسرائيل" في الجدل الذي أثارته "إسرائيل" ضد مصر, وهذه الإشارة الخارجة عن السياق- وفي صالح مصر- لا تبرر اتهام مصر رسميًّا للبرلمان بأن "إسرائيل" وراء هذا القرار ضمن حملتها ضد مصر في كل مكان, رغم أن "إسرائيل" لا تتورَّع عن ارتكاب أي شيء من شأنه أن يضرَّ بمصر!!.
الملاحظة الثانية: هي أن الدافع لاستدعاء وزير الخارجية سفراءَ الاتحاد الأوروبي يناقض الواقع، وهو أن هذا البرلمان هو الذي يحاسب الحكومات, وقد سبق له أن كشف فضيحة السجون السرية وتواطؤ الحكومات الأوروبية مع المخابرات الأمريكية لتعذيب سجناء جوانتانامو على الأراضي الأوروبية!!.، وهذا البرلمان يستطيع أن يضرَّ ضررًا بليغًا بمصالح مصر لدى كل الدول الأعضاء!!.
الملاحظة الثالثة: صحيحٌ أن لأوروبا سياساتٍ تجاه الأقليات الأجنبية نختلف عليها, لكن المخالفات الأوروبية لحقوق الإنسان لا يمكن أن تبعث الرعب في أوروبا إذا هدَّدت مصر بكشفها؛ لأنها مجتمعاتٌ مكشوفةٌ, ولعلنا نذكر بأن أحداث وفضائح سجن أبو غريب لم تكشف عنها الصحافة والحكومات العربية, بل الإعلام الغربي، وأن قدر الديمقراطية في أوروبا يسمح بمحاسبة حكوماتها وعدم توحشها, رغم أنها ليست ديمقراطيةً مثاليةً.
الملاحظة الرابعة: أن نقد الحالة في مصر أمرٌ تحكمه الأطر القانونية التي وافقت عليها مصر, خاصةً اتفاقية الشراكة المصرية الأوروبية, وخطة العمل المشترك في إطار الجوار اليورومتوسطي، وهو ما أشار إليه القرار في ديباجته.
يترتَّب على ذلك أنه لا يجوز الدفع في مواجهة هذا الموقف بأن نقد حالة حقوق الإنسان في مصر يعد تدخُّلاً في الشئون الداخلية، أو أنه انتهاكٌ لقواعد العلاقات الدولية ما دام متَّفقًا عليه بين الطرفين.
وفضلاً عن ذلك، فإن تطور القانون الدولي قد وصل إلى أن قضايا حقوق الإنسان لم تعد حكرًا على الحكومات الوطنية بعد أن تحصَّنت بالسيادة والشئون الداخلية للتستر على بطشها وانتهاكاتها للدستور والمعاهدات الدولية التي انضمت إليها!!.
ولعل طالب القانون والعلوم السياسية يدرك أن قضايا حقوق الإنسان قد أصبحت جزءًا من القانون الدولى العرفي، تجيز للقاضي في بعض الدول أن ينتصر لحقوق الإنسان فيما يعرض أمامه من أنزعة، استنادًا إلى معاهدات دولية، حتى لو لم تكن دولته قد انضمت إليها, كما أنه من المعلوم بالضرورة أنه منذ خمسينيات القرن الماضي استقرَّ العمل الدولي على خروج قضايا حقوق الإنسان من دائرة الاختصاص الداخلي للدول في مفهوم المادة 2/7 من ميثاق الأمم المتحدة، على الأقل بحكم أن الدول المنضمة إلى مواثيق حقوق الإنسان قد قبلت هذه الحقيقة في صلب هذه المواثيق, رغم تسليمنا بأن قضايا حقوق الإنسان تُستَغل لأغراض سياسية في العلاقات الدولية, ولكنَّ هناك فرقًا بين اصطناع المخالفات وبين تقرير مخالفات موثَّقة!!.
الملاحظة الخامسة: إذا كان مرذولاً أن تستعين المعارضة الوطنية بالخارج, فلا بأس أن تشعر بالرضا إذا ناصر هذا الخارج قضاياها الوطنية العادلة في مواجهة حكم اطمأن في قمعه لمواطنيه، واشتدَّ عليهم بضوء أخضر من الخارج ما دام الحكم يحقق مصالح هذا الخارج, فلا يجوز أن يتهوَّر أحدهم بطعن الوطنيين الحق في وطنيتهم، والوطنية منه بريئةٌ براءةَ الذئب من دم ابن يعقوب!!.
الملاحظة السادسة: أن ما ورد بالقرار يُشكِّل جريمةً دوليةً في حق الحكم؛ لأنه يعيق الشعب عن تمتعه بالحقوق الطبيعية، ويعبث بمصيره ويسد أمامه طرق تقرير مصيره.
فلماذا إذن هذه العصبية في رد الفعل رغم كل هذه الحقائق؟! ولماذا نُقل الملف إلى الإعلام ولم يُناقَش بالطرق الدبلوماسية؟! ولماذا لا تُسخَّر طاقة الغضب والعنفوان في الردِّ وتخريب المصالح نحو الاعتراف بالخطأ وإصلاح ما فسد؛ حتى يتحقق رضا الشعب ورضا الآخرين؟!.