![]() |
|
أ. د. حلمي محمد القاعود |
يظل الجانب الاقتصادي محور الواقع في مصر بامتداداته المتنوعة، والنجاح في هذا الجانب يُؤهل الدولة لمكانة مرموقة في شتى المجالات.
وقد أشار برنامج حزب الإخوان المسلمين المقترح والمستحيل إلى كثيرٍ من النقاط المهمة والفاعلة في إنشاء اقتصاد منتِجٍ وحيوي، يظلل المجتمع بفئاته المختلفة وطبقاته جميعًا، وهذه النقاط- بصفة عامة- تمثِّل انطلاقًا علميًّا قائمًا على ركائز موضوعية تعتمد التدرُّج نحو إقامة اقتصادٍ إسلامي خالص، ولا يضير هذا الاقتصاد ما وصفه به كاتبٌ شيوعي من أنه "اقتصادٌ ملتحٍ"؛ فهذا لا يعيبه على الإطلاق، ولا ينقص من قيمته العلمية والموضوعية، ومع ذلك فقد كنت أتمنى من البرنامج في المجال الاقتصادي أن يركِّز على بعض النقاط الأخرى المهمة، منها:
1- الاكتفاء الذاتي في إنتاج الطعام؛ وذلك بتوفير القمح والذرة، وتربية الحيوانات والطيور، وهو أمر ممكن لو خَلُصت النوايا، وتم التخطيط الجيد من خلال الاستفادة بالأبحاث الكثيرة التي ترقد في مخازن كليات الزراعة ومعاهدها، ومراكز البحوث الزراعية، فضلاً عن الاستفادة بالمساحات الصحراوية الشاسعة في زراعة القمح، ويمكن للدولة أن تتدخل باستخدام الطائرات في البذر والري والرش بالمناطق التي تكون مرشحةً للإنتاج الأفضل، وفي ظل الاستفادة بالأمطار، مع تشجيع الزراعة وشراء القمح بأسعار مجزية.
وفي الوقت نفسه يمكن استئجار بعض الجزر البحرية على شواطئ إثيوبيا وإريتريا والصومال، وإطلاق صغار الماشية فيها حتى تكبر وتنضج وتتكاثر؛ حيث تتغذى على المراعي الطبيعية، ولا تكلِّف الدولة شيئًا إلا ثمن الحيوانات الصغيرة، ويمكن أن تُنقَل منها بعدئذٍ الماشية الصالحة للذبح.
دولة الكيان النازي اليهودي تفعل ذلك، وتؤجر العديد من الجزر في المناطق المشار إليها؛ ولذلك تكتفي باللحوم الطبيعية الآمنة صحيًّا واقتصاديًّا.
ثم إن التفاهم مع السودان حول استخدام المساحات الكبيرة في منطقة الجزيرة ومناطق الغابات شبه الاستوائية لزراعة القمح والذرة وتربية الماشية، قد يكون أكثر فاعليةً في حسم قضية الاكتفاء الذاتي في إنتاج الطعام، ويخلصنا من قبضة الاستيراد الوحشية التي تتخذها الدول الكبرى سلاحًا سياسيًّا في فرض شروطها المتعسفة التي تنال من الكرامة الوطنية والاستقلال القومي.
2- كان حديث البرنامج عن استقلال البنك المركزي في وضع سياسة نقدية بعيدة عن الضغوط أمرًا محمودًا، بيد أني كنت آمل أن يصرَّ البرنامج على هيمنة الدولة على جميع البنوك القائمة وامتلاك أغلبيتها، وليس بعضها كما ورد في البرنامج.
لقد أدَّت عملية خصخصة البنوك إلى هيمنةٍ أجنبيةٍ على معظم بنوك الدولة، وصار معظم الاقتصاد المصري في قبضة مَن لا يرحم، ومَن يسعى إلى الكسب، ولو بعصر دماء المصريين إلى آخر قطرة فيها.
أتمنى أن يكون هدف البرنامج هو تحرير هذه البنوك من قبضة الأجانب واستعادتها إلى أحضان الشعب المصري، والإصرار على شراء أسهمها كلما أمكن، عن طريق التوعية القومية بخطورة السيطرة الأجنبية على النقد في البلاد.
ولعل الاهتمام بإنشاء البنوك الوطنية الأهلية المساهمة (واستدعاء تجربة محمد طلعت حرب مسألةٌ ضروريةٌ يجب الإلحاح عليها كما أشرنا من قبل)، يُؤصل لاقتصاد وطني حقيقي، لا يكتفي بالمضاربة في البورصة، أو وضع الأموال في البنوك الأجنبية، بل يأخذ زمام المبادرة في إقامة المشروعات الزراعية والصناعية والتجارية، وتمويل المشروعات الصغيرة، وكلها تصب في خانة الاكتفاء الذاتي، وتصدير الفائض، ومواجهة الشركات الاحتكارية، وخاصةً تلك التي يمتلكها الأجانب نتيجة الخصخصة!!.
وقد أشار البرنامج إلى تقوية الجنيه المصري وربطه بسلة عملات، وهذا أمر جيدٌ ومطلوبٌ، ولكن الحكومة الحالية تصرُّ على الارتباط بالدولار، والارتهان للاقتصاد الأمريكي؛ مما يقتضي ضرورة الكف عن الاستدانة بفوائدها الربوية المركبة الباهظة، والارتباط بالعملات الآسيوية والأوروبية بالدرجة الأولى، مع الاسترشاد بتجربة "العدالة والتنمية" التركي، الذي كان جسورًا في حذف ستة أرقام (أصفار) من قيمة الليرة التركية، وأعاد إليها الاعتبار.
3- تكلَّم البرنامج عن التعاون العربي الذي يبدأ بالسوق العربية المشتركة إلى الوحدة الاقتصادية العربية، وهذا لا بأس به، ولكن الواقع الراهن يؤكِّد أن كثيرًا من الدول العربية خاضعةٌ للإرادة الأجنبية اقتصاديًّا، فضلاً عن الخضوع السياسي الذي يلمسه الناس جميعًا ببساطة شديدة.
وهنا تجب الإشارة إلى نقطتين: الأولى هي إعطاء الأولوية للتعاون الثنائي، خاصةً بين المناطق المتجاورة بالدرجة الأولى وفي الحدود المتاحة، على أن يكون التعاون الاقتصادي قائمًا على أسس عملية، وليست إنشائيةً؛ تتبخَّر وتتلاشى بعد توقيع الاتفاقيات!!.
وأعتقد أن البداية الفعَّالة سوف تشجِّع على قيام السوق المشتركة التي تكلَّم عنها العرب قبل الأوروبيين، ولكن العرب لم يصنعوا شيئًا ذا قيمة من أجلها، أما الآخرون فقد اقتربوا من الوحدة الاقتصادية.
النقطة الأخرى هي أهمية التعاون الاقتصادي مع الدول الإسلامية المتطورة نسبيًّا، مثل ماليزيا وإيران وباكستان وتركيا، وأعتقد أن المنطقة الصناعية المشتركة التي وضع حجرَ أساسها الرئيس التركي عبد الله جول في زيارته لمصر مؤخرًا (يناير 2008م)، تُمثِّل خطوةً مهمةً في اتجاه تقوية الاقتصاد المصري وتشغيل جزء من العمالة وإكسابها خبرة ومهارة متنوعة، فضلاً عن تعمير منطقة جديدة.
ويبقى "الاقتصاد الملتحي"- كناية عن الاقتصاد الإسلامي كما سِخَر كاتب شيوعي- ضرورةً إنسانيةً وقوميةً لتحرير الاقتصاد المصري من التبعية وبناء اقتصاد منتِجٍ يحقق الاكتفاء الذاتي، ويخرج الدولة من قبضة "شايلوك" الصليبي الاستعماري المتوحش!!.
ونواصل بإذن الله.
---------------------
