يقلِّل بعض المحللين والمعلقين السياسيين من أهمية زيارة الرئيس بوش للمنطقة، ومن نتائجها السياسية المحتملة أو المتوقعة.

 

وينقسم هؤلاء بدورهم إلى فريقين: أحدهما يرى في الزيارة مجرَّد حملة علاقات عامة موجَّهة للداخل الأمريكي، ولا تأثير لها على التفاعلات الإقليمية أو الدولية، أما الفريق الآخر فيرى أن الدوافع الشخصية لرئيسٍ مُتعَبٍ ومُحبَطٍ في نهاية فترة ولايته ترجِّح كثيرًا كفَّة الدوافع العامة أو الرسمية.

 

ولكل فريق حُجَجٌ لا تخلو من وجاهة؛ فالفريق الأول يرى أن هدف بوش الرئيسي من زيارةٍ يقوم بها لمنطقة الشرق الأوسط- بالتزامن مع انطلاقة الحملة الرسمية لانتخاباتٍ رئاسيةٍ عادةً ما تهيمن على الحياة السياسية طوال عام كامل- هو التأثير على الرأي العام الأمريكي وإقناعه بأنه ما زال يسيطر على زمام الأمور، وأن سياسته هناك تحقّق تقدُّمًا.

 

أما الفريق الثاني فيرى أن زيارةً طويلةً كهذه يقوم بها رئيس مأزومٌ إلى حدِّ الاكتئاب في وقت يقترب فيه من مغادرة البيت البيض، تبدو أقرب إلى الزيارات السياحية منها إلى أي شيءٍ آخر.

 

فخلال هذه الزيارة بدا بوش رجلاً "مكسور الجناح" يحتاج للترويح عن نفسه بالجري وراء الصقور الحقيقية في صحراء العرب، وتناول الوجبات "الخِرافية" في قصورهم، كما بدا رجلاً فاقدَ الثقة في نفسه، ويحتاج إلى تجديد إيمانه بالاغتسال في الأماكن المقدسة؛ أملاً في أن يتذكره المتدينون "حاجًّا" بعد أن فشل في أن يقتنع به الناس "رئيسًا".

 

وبصرف النظر عما تنطوي عليه هذه الحجة أو تلك من وجاهةٍ، فلا جدال في أن الرئيس بوش سعى من وراء زيارته لتحقيق مجموعة أهدافٍ متنوعةٍ ومتزامنةٍ؛ ولذلك فليس من المستبعد أن يكون قد سعى للتأثير على الرأي العام الأمريكي، من خلال رسائل تحمل دلالاتٍ ورموزًا معينةً، أراد أن يبعث بها من منطقة الشرق الأوسط تحديدًا، وأن يقوم في ذات الوقت بالترويح عن نفسه المتكدِّرة والمرهقة، بمداعبة الصقور في صحراء العرب الفسيحة والتهام ما لذَّ وطاب من طعامٍ على مآدب قصورهم العامرة.

 

غير أن ذلك كله لا ينبغي أن يطمس معالم حقيقة أخرى أساسية، وهي أن هذه الزيارة هي أيضًا سياسيةٌ بامتياز، سواءٌ نُظر إليها بمنظور الدوافع العامة الكامنة وراءها أو النتائج التي حقَّقتها، والتي تعدَّت في الواقع أكثر من مجرد محاولة التأثير على الداخل الأمريكي.

 

وفي تقديري أن إحدى النتائج المهمة التي تمخَّضت عنها الزيارة ضمن نتائج أخرى كثيرة لا يتَّسع المقام للخوض فيها هنا، هي تعمُّد الرئيس بوش وضْعَ النقاط بنفسه على حروف رؤيته لتسوية صراع الشرق الأوسط وأمام كل الأطراف المعنية بالصراع مباشرةً وعلى المستويين الرسمي والشعبي.

 

ولأن النظم الرسمية العربية كافةً- بما فيها النظام الفلسطيني- كانت قد وافقت بالإجماع في قمة بيروت على مبادرةٍ تؤكِّد استعدادها لإقامة علاقات عادية مع "إسرائيل" في حال موافقة هذه الأخيرة على قيام دولة فلسطينية مستقلة في حدود ٦٧؛ فقد كان من الطبيعي أن ترحِّب بـ"رؤية" بوش وترى فيها خطوةً على الطريق الصحيح.

 

بل يمكن القول بأن طرحَ هذه الرؤية ربما يكون قد ساهم في إقناع الدول العربية بأن قيام دولة فلسطينية مستقلة لم يعُد مجرد "حلم عربي"، وإنما أصبح محلَّ إجماعٍ دولي، لم يبقَ غير العمل على وضعه موضع التطبيق؛ ولذلك فحين طرحت "خارطة الطريق" ظنّوا أن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة بات مسألةَ وقت.

 

والواقع أنه كان بوسع أي باحث مبتدئ أن يرصد منذ البداية- ومن خلال أقوال وممارسات الإدارة الأمريكية نفسها- وجودَ فجوة كبيرة بين الرؤيتين العربية والأمريكية للتسوية، خصوصًا بعد قيام الرئيس بوش بتسليم شارون خطابَ ضمانات، رأى فيه كثيرون- وأنا منهم- وعدَ بلفور جديدًا.

 

غير أن الأوساط الرسمية العربية- ومعها النخبة المروِّجة لسياساتها- تعمَّدت التقليلَ من شأن التصريحات الأمريكية المنحازة للكيان الصهيوني، والتأكيد على أن استئناف المفاوضات المباشرة كفيلٌ بتذليل كل العقبات والتوصل في النهاية إلى حلٍّ منشود على أساس "الدولتين"!!.

 

كان الجميع يدرك على وجه القطع واليقين أن الفجوة بين الرؤيتين الفلسطينية والصهيونية كبيرةٌ إلى الدرجة التي استحال معها ردمُها دون تدخل أمريكي مكثَّف وضاغط على الطرف الصهيوني، ومع ذلك فقد استماتت الأطراف الرسمية العربية والأوساط الإعلامية المروِّجة لسياساتها في المنطقة لتفسير بعض الغموض الذي يكتنف الموقف الأمريكي من قضايا الحل النهائي، ووصفه بالغموض "البنَّاء"!!.

 

غير أن زيارة بوش للمنطقة كشفت حقيقة ما تبقَّى من غموض، وأكَّدت للمستميتين في بيع الأوهام لشعوبهم أن هذا النوع من الغموض ليس سوى جزءٍ من عمليةٍ واعيةٍ لإدارة صراع يستحيل حسمه بمعزل عن موازين وعلاقات القوى الإقليمية والدولية.

 

ولأن هذه الموازين ظَّلت مختلةً وبشدة لصالح إسرائيل وعلاقاتها الخاصة جدًّا بالولايات المتحدة والتي تقوم على شراكة إستراتيجيةٍ حقيقيةٍ، وليس لصالح العرب وعلاقتهم بالولايات المتحدة والتي تقوم على تبعيةٍ مطلقةٍ؛ فمن الطبيعي أن يفسّر الغموض البنَّاء لصالح الطرف الأقوى وليس لصالح الطرف الأضعف.

 

المثير للتأمل هنا أن تفسير الغموض "البنَّاء"- والذي جاء كالعادة لغير صالح العرب- أخذ على لسان بوش خلال زيارته للمنطقة شكلَ الصفعة القاسية للعرب؛ فقد وقع في عقر دارهم وأمام سمعهم وأبصارهم، ولم تُجدِ معه مداعبة صقور أو مآدب قصور.

 

أكثر من ذلك.. لم يكن الرئيس بوش على استعداد- فيما يبدو- لمقايضة موقفه تجاه إسرائيل بصفقةٍ تضمن له تأييدًا لموقفه تجاه إيران!! ولن يكون بوسع أي طرف عربي ادِّعاء الجهل بحقيقة الموقف الأمريكي من قضايا الحل النهائي، بعد كل ما قاله بوش أثناء زيارته للمنطقة؛ فقد ثبت بالدليل القاطع أن الدولة الفلسطينية التي يقصدها بوش لن تقوم قبل استيفاء عددٍ من الشروط يستحيل التجاوب معها، منها:

١- القضاء على الإرهاب أولاً: وهو ما يعني تصفية حماس والجهاد وكل من يرفع السلاح في وجه "إسرائيل"، وكان استمرار "إسرائيل" في ارتكاب مجازرها ضد الشعب الفلسطيني أثناء زيارة بوش ودون أن يطلب منها هذا الأخير وقفها أبلغ من كل قول أو فعل أو سلوك.

٢- التخلِّي عن مطلب عودة اللاجئين الفلسطينيين وقبول خيارات أخرى تقوم على تعويضهم أو توطينهم في الدول المضيفة أو داخل حدود الدولة الفلسطينية بعد قيامها.

٣- الاعتراف بـ"إسرائيل" دولةً يهوديةً؛ وهو ما يعترف ضمنًا- على الأقل- بحق "إسرائيل" في طرد العرب منها متى تشاء!!.

٤- تشكيل مؤسسات فلسطينية موثوق بها "إسرائيليًّا"؛ للنهوض بأعباء ووظائف الدولة الفلسطينية كما تحدّدها "إسرائيل"، بصرف النظر عن التفويض الصادر لها من الشعب الذي يفترض أن تستمد منه هذه المؤسسات شرعيتها!!.

 

 الصورة غير متاحة

 جورج بوش

كما اتضح- من خلال ما قاله بوش- أيضًا أن الدولة الفلسطينية التي يسعى لقيامها لن تكون على كل الأراضي المحتلة عام ٦٧، وستكون منزوعةَ السلاح، وليس لديها سيطرةٌ أو سيادةٌ حقيقيةٌ على القدس الشرقية أو حتى على القدس القديمة، وخاصةً المسجد الأقصى وقبة الصخرة.

 

وليس للموقف الذي عبَّر عنه بوش أثناء زيارته للمنطقة سوى معنى واحد، وهو رفض تسوية على أساس المبادرة العربية، والقبول بتسوية على أساس الشروط "الإسرائيلية" وحدها.

 

في سياقٍ كهذا، لم يعد أمام النُّظُم الرسمية في الدول العربية سوى اختيار واحدٍ من بديلين:
الأول: أن تعلن بشجاعةٍ قبولَها الشروط "الإسرائيلية"- الأمريكية كأساسٍ للتسوية، مع مصارحة شعوبها بأن المطروح هو أقصى ما تستطيع الحصول عليه في ظل الأوضاع الدولية والإقليمية الراهنة، والاستعداد لتحمُّل كل ما يمكن أن يترتب على تلك المصارحة، حتى ولو أخذ شكلَ مواجهةٍ مع القوى الرافضة للتسوية بهذه الشروط.

 

الثاني: أن تعلن بنفس القدر من الشجاعة رفضَها التسوية المطروحة، مع تحمُّل كل ما يمكن أن يترتب على هذه المصارحة من نتائج، بما في ذلك الاستعداد لسحب مبادرة بيروت ووقف التفاوض والتطبيع مع "إسرائيل".

 

أما استمرار التفاوض في ظل الخلل الراهن، فأقل ما يقال فيه إنه موقف ينطوي على خداعٍ للنفس، لا بد أن يدفع الجميعُ ثمنَه باهظًا، إن آجلاً أو عاجلاً.

 

إذا كانت زيارة بوش قد أسفرت عن شيء فهو- في تقديري- التأكيد على انسداد أفق الحل على أساس الدولتين في ظل استمرار الأوضاع المحلية والإقليمية الحالية؛ مما يفرض على القوى الحية في العالم العربي إسقاطه من حسابها، والبحث عن إستراتيجية بديلة أكثر مواءمةً لاستخلاص الحقوق الفلسطينية والعربية المشروعة.

 

وربما تكون العودة إلى فكرة الدولة الديمقراطية الواحدة التي يتساوى فيها الجميع على أساس المواطنة الكاملة هي الخيار الأكثر عقلانيةً.

--------

* نقلاً عن جريدة (المصري اليوم)- عدد الأحد 20/1/2008.