![]() |
|
م. هيثم أبو خليل |
في مثل هذه الأيام كانت أحداث 18 و19 يناير الشهيرة، وثمة تشابه كبير بين أجواء 1977م وأجواء 2008م، على الرغم من أن الفرق بينهم 31 عامًا بالتمام والكمال نهضت وتعملقت بلاد ودويلات هنا وهناك، منها من أصبح نمرًا آسيويًّا، ومنها من أصبح أسدًا أوروبيًّا حتى على المستوى العربي فالحالة الاقتصادية اختلفت جذريًّا وكليًّا لكثيرٍ من الدول على الرغم من إنهاك المنطقة في حرب الخليج الأولي والثانية.
ونحن في مصر ويا للصدفة المؤلمة ما زلنا نُفكِّر ونتكلم ونتحدث ونُصرِّح ونحلم ونتمنى ما كنا نتكلم عنه عام 77، تصوروا، على مشكلة رغيف العيش!!.
دول لم تكن لها قائمة، ولا صوت ولا وجود لها على الخارطة الاقتصادية، وبدأت في أوائل الثمانينيات، وأنظر إليها اليوم أين هي؟؟ وكيف يحيا ويعيش شعبها، ولنا في ماليزيا وتركيا خير مثال.
وأكرر ونحن ما زلنا نمر من أطول عنق زجاجة عرفه التاريخ!!
ونُفاجأ كل يومٍ بزيادةٍ في ضرائب، وفي الأسعار، ومعها زيادة أخرى وللأسف ليست في المرتبات، ولكن في المعاناة والفقر!!.
دعونا نستحضر أجواء يناير 1977م، وما حدث ولماذا حدث؟ وكيف حدث؟؟ وستجدون معي مفاجأةً مذهلةً، أدعوكم أن تكتشفوها بأنفسكم أثناء قراءة المقال، وقبل أن أُفصح عليها في نهايته.
بدأ الأمر بخطاب نائب رئيس الوزراء للشئون المالية والاقتصادية، الدكتور عبد المنعم القيسوني، أمام مجلس الشعب في 17/1 بمناسبة تقديم مشروع الميزانية عن 1977م؛ حيث أعلن إجراءاتٍ تقشفيةٍ لتخفيض العجز، ومنها تخفيض الدعم للحاجات الأساسية بصورة ترفع سعر الخبز بنسبة 50% والسكر 25%، والشاي 35% وأنابيب البوتاجاز 50 % وكذلك بعض السلع الأخرى، ومنها الأرز، وزيت الطهي والبنزين والسجائر، وربط هذا بضرورة الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي لتدبير الموارد المالية الإضافية اللازمة، وتبعه خطاب وزير المالية محمود صلاح الدين حامد يؤكد نفس الاتجاه.
ويلاحظ أن هذه القرارات خفضت الدعم للأغذية والسلع الضرورية المذكورة الأخرى من 554 مليونًا إلى 276 مليونًا، أي لم يُوفِّر توفيرًا كبيرًا في حدِّ ذاته.
ووصفت الصحف الحكومية (الأهرام 18/1/1977) هذا بأنه "اقتراح" من الوزارة في حين أنه كان قرارًا تنفيذيًّا، وقيل بعد ذلك إن عددًا من الوزراء لم يكونوا على علمٍ به، وقد بدأ التنفيذ الفعلي يومها أي قبل الإعلان أمام مجلس الشعب، ورفع التجار وبعض المحلات أسعار المواد الغذائية، وكذلك فعلت المطاعم الصغيرة على الفور، فأحسَّ الشعبُ بالكارثة مباشرةً، فضلاً عن إذاعة الخبر في الراديو والتليفزيون.
وكان من عناصر إثارة الغضب، الإدراك بالتواء السياسة الحكومية وكذبها، واستصغارها عقول الناس بإصدارها هذا القرار بعد قرار إعطاء المنح والعلاوات التي لم تكن لتغطي إثر زيادة الأسعار (كانت العلاوة بنسبة 22% في المتوسط في حين أن أقل زيادة في الأسعار كانت 25% (الأسعار تزيد الآن بدون علاوات!!).
وقد سبب القرار اعتراضات بعضها عنيف، من طرف عددٍ من النواب، وقامت تجمعاتٌ من الأهالي والعمال في بعض أحياء الإسكندرية والقاهرة ومنطقة حلوان الصناعية خاصةً منذ مساء يوم 17/1، وتوقفت المواصلات بين حلوان والقاهرة بعض الوقت.
وهذا مما يؤكد تلقائيًّا التحرك الشعبي بشكلٍ مبكرٍ ودون تحريضٍ منظم، ولكن المظاهرات اندلعت بصورةٍ هائلةٍ منذ صباح يوم 18/1، عندما فُوجئ الناس بشكلٍ ملموسٍ بالسعر المضاعف للرغيف ولساندويتشات الفول.
وكان عمال حلوان هم الذين بدأوا التحرك، فقبل الساعة التاسعة صباحًا، خرج عمال شركة مصر حلوان للغزل والنسيج في مظاهراتٍ طافت الضاحية الصناعية، وانضمَّ إليهم عمال مصانع أخرى (منها المصانع الحربية)، وكانت الهتافات موجهةً ضد زيادة الأسعار، وبسقوط الحكومة وتحمل عداءً صريحًا للسادات وعائلته.
وكان بعض العمال "المعروفين بميولهم الماركسية" (طبقًا لتقارير الشرطة) يرددون هتافات مثل: "إحنا الطلبة مع العمال ضد تحالف رأس المال.. إحنا الطلبة مع العمال ضد الظلم والاستغلال.. يا أمريكا لمي فلوسك بكره الشعب العربي يدوسك)، وكان هناك هتاف جماعي موحد للمظاهرات يقولون فيه: (يا حكامنا من عابدين.. باسم الحق وباسم الدين.. فين الحق وفين الدين)!!.
لن أتوقف عند التعامل مع هذه المظاهرات بقسوةٍ مفرطةٍ لن يرحم التاريخ مرتكبيها، ويرحم الله ضحاياها الذين بلغوا 79 قتيلاً غير مئاتِ المصابين وآلاف المعتقلين، ولكن أتوقف عن سبب هذه الانتفاضة والأحداث، ولتوضيح سبب أحداث يناير 77 أنقل لكم ما قاله القطب اليساري الأستاذ حسين عبد الرازق:
(كان الأمر مفاجأةً كبيرةً لكل الشعب المصري؛ حيث إن الحكومة بدءًا من الرئيس السادات إلى ممدوح سالم، وعددٍ من الوزراء كانوا يُصرِّحون من منتصف ديسمبر 76 وحتى بداية يناير 77 بوعودٍ بعدم ارتفاع الأسعار وتثبيتها، ثم فُوجئ الناس بارتفاع الأسعار في 18 يناير صباحًا، فكان ذلك السبب المباشر للانتفاضة؛ حيث اندلعت المظاهرات التلقائية في وقتٍ واحد، وبدون أي ترتيباتٍ في كل أنحاء مصر، وانطلقت شرارتها من المصانع والجامعات.
ولم يكن هناك أي أعمالٍ تخريبيةٍ حتى نزول قوات الأمن المركزي لمحاولة فضِّ المظاهرة بالقوة، فتفرقت الجماهير وابتدأ التخريب في أقسام الشرطة، وانتهت الانتفاضة بنزول الجيش إلى الشوارع، وفُرِضَ حظر التجول لأول مرةٍ بعد ثورة يوليو، وأمسك الجيش زمام الأمور بشكلٍ فعلي، كانت قوات الجيش تُوقف سيارة الشرطة بعد كل فترة، ويُظهر ضابطُ الشرطة لهم بطاقته، وتصريح الحركة الخاص به!!.
كان ارتفاع الأسعار هو السبب المباشر، وبالإضافة إلى ذلك كانت هناك أسباب سابقة تبلورت ابتداءً من عام 1970 وحتى عام 1977، فكانت هناك أزمة ديمقراطية، وأزمة اقتصادية خاصة بعد سياسة الانفتاح الاقتصادي، لم يشهدها الشعب المصري حتى أثناء الحرب، فبعد نكسة 67 وجه النظام المصري بقيادة عبد الناصر كل الطاقات للحرب، ومع ذلك لم تحدث أزمة اقتصادية مثل تلك التي حدثت بعد الانفتاح، بالإضافة إلى ذلك كانت الأزمة الوطنية وغضب الجماهير من عدم ترجمة النظام المصري للانتصار العسكري في حرب أكتوبر إلى انتصارٍ سياسي).
نعود لعام 2008، ونتساءل ماذا تغير؟
نفس الوعود، ولكن أُضيف لها من بداية التسعينيات بألفاظٍ جديدةٍ مثل (لا مساس، همنا محدودو الدخل.. الدعم باقٍ.. علاوات جديدة، المرحلة القادمة رخاء ونماء على الشعب المصري!!).
وعلى أرض الواقع نفس الفقر، لا أعتقد!!
فلقد توحَّش الفقر ووصل لمعدلاتٍ غير مسبوقة، ومَن يراجع تقرير التنمية البشرية لمصر لعام 2005 و2006 يرَ العجب!! صرَّحت وزيرة الشئون الاجتماعية (أهرام 26 أبريل 2005م) أنه يوجد مليون شخص يحصلون على معاش الضمان الاجتماعي الذي يبلغ 50 جنيهًا شهريًّا أي حوالي 8 دولارات، وبفرض أن متوسط الإعالة 4 أفراد للأسرة، إذن نحن أمام 4 ملايين مواطن متوسط دخل الفرد منهم 2 دولار شهريًّا).
يا سادة.. هناك الملايين من أبناء هذا الشعب العريق لا يجدون مكانًا يؤويهم (كشف تقرير للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن 12 مليون مصري يعيشون في العراء بلا مأوى، وأوضح التقرير أن هؤلاء يعيشون في المقابر والعشش والجراجات والمساجد وتحت السلالم، وأشار التقرير إلى أن 1.5 مليون مصري يعيشون بالقاهرة في مقابر البساتين والتونسي والإمام الشافعي، وباب الوزير والغفير والمجاورين والإمام الليثي، وجبانات عين شمس، ومدينة نصر ومصر الجديدة).
أكيد تتساءلون: ما هي المفاجأة التي قلتُ لكم إنكم ستجدونها عند قراءة الموضوع لنهايته؟.
المفاجأة يا سادة، أن الليلة ليست أشبه بالبارحة، ولكن أصعب وأسوأ؛ فأجواء 2008م وإن كانت تتشابه مع أجواء 77 في كثيرٍ من الأمور من فقرٍ وقحطٍ على الشعب المصري، ومن ضحكٍ وخداعٍ وتخديرٍ لنا بأنه لا مساس، والحالة في ازدهار، فإنها تختلف عن أجواء 1977م في:
(1) فرض ضرائب كثيرة وجديدة لم تكن موجودةً في السبعينيات حاصرت الشعب المصري في كل مناحي الحياة من ضرائب مبيعات، وعلى الدخل وضرائب عقارية نوعية وغيرها.
(2) ارتفاع الأسعار يتم الآن بجرأةٍ أكبر وبنسب 50% فما فوق وحتى يصل لنسبة 100% ويتعداها.
(3) انهيار القيمة والقوة الشرائية للجنيه المصري داخل وخارج مصر؛ حيث كانت قيمة الجنيه المصري تساوي دولارًا وأكثر وتساوي عدة ريالات سعودية وغيرها من العملات؛ وأصبحت الآن قوته في شراء ساندويتش فول!!.
(4) اختفاء الطوابير نهائيًّا ما عدا رغيف العيش، وهي ظاهرة يتم تفسيرها في مصر ليس من قبيل الرفاهية، ولكن لرفع الحكومة يدها من توفير السلع، والخامات لطبقة محدودي الدخل بالمجمعات الاستهلاكية ونتيجة للتحول الرأسمالي الاقتصادي بدلاً من الاشتراكي (في هذه الجزئية فقط!!).
(5) اختفاء كلمة مجانية التعليم، وأصبح التعليم الآن لمن يدفع، وليس لمن يتفوق، فالأماكن في كليات القمة في الجامعات الخاصة أصبحت حكرًا على طبقة معينة، في حين الوصول للجامعات الحكومية لا بد أن يمر من بوابة الدروس الخصوصية ومَن يقدر عليها؟!!
(6) نسبة عنوسة غير مسبوقة موجودة في ملايين البيوت المصرية.
(7) تفشي ظاهرة الفقراء المعدمين والمهمشين والعشوائيات بنسبٍ مرعبة لم تكن من قبل.
(8) انتشار البلطجة والمواد المخدرة بصورةٍ غير مسبوقة جعلت الكيف يصل لجميع مستحقيه، وبخدمة التوصيل للمنازل!!
(9) انهيار الخدمات، ومنها على سبيل المثال دخول القطار والمترو للمواطنين داخل منازلهم (وهل ننسى قطار كفر الدوار ومترو حلوان)!! وكوارث العبَّارات وسقوط العمارات... إلخ.
(10) تفشي الفساد بصورةٍ غير مسبوقة، وتهريب مئات المليارات خارج البلاد (كان يطلق عليهم في السبعينيات "فاسدين" أما الآن "متعثرين" ويتم التفاوض معهم!!!
أخيرًا، تناولنا جزءًا من مقارنة الأحوال في أواخر السبعينيات بأيامنا الآن من الجانب الاقتصادي، ولم نتناول الجوانب الأخرى وفيها يكثر الكلام والحديث.
وللأسف وبمنتهي اللامبالاة، وبدم بارد نسمع عن من يحدثنا عن عصر الرخاء والنماء والعبور للألفية الثالثة، وعن النهضة والتنمية وعن البلد التي تتقدم بينا!!! ولا أدري عن أي بلدٍ يتحدثون، أو عن أي تقدم يكذبون؟؟!!
وأتساءل ويتساءل معي كل من:
- يقف في طابور عيش من أجل عدة أرغفة له ولأولاده.
وكل من:
- يجاهد من أجل اللقمة الحلال في مصر.
وكل من:
- يحلم أن يرى أيامًا سهلةً وسعيدةً في مصر: متى نَمرُّ من عنق الزجاجة ونحيا حياةً كريمةً يستحقها هذا الشعب العريق؟!!.
--------------------------
