عصام عبد الرحمن

 

اتفقت كل الشرائع السماوية والأرضية والأعراف الإنسانية، والأنظمة والقوانين الدولية والتشريعات البشرية على محاسبة الجناة والمجرمين والقتلة والسُّرَّاق وكل من اقترف إثمًا في مجتمعه أينما كان؛ ولذلك سُنَّت قوانينُ ودساتيرُ، وتشكَّلت محاكمُ قضائيةٌ، وتأسَّست منظماتٌ عربيةٌ وعالميةٌ؛ للدفاع عن حقوق الإنسان وحمايته.

 

ومن خلال قراءتنا للتاريخ عرفنا أسماءً كثيرةً لخونةٍ وعملاءَ, كانوا يعملون بسريةٍ تامةٍ، ويخشون أن يعرفهم الناس؛ لئلا يصبحوا منبوذين من مجتمعهم وأمتهم.

 

خيانة وعِمالة جديدة من طراز جديد اختلفت عن سابقتها؛ فلقد أصبح الخائن يفتخر بخيانته ويجاهر بها، وكأنها وسامٌ يعلِّقه على صدره!!.

 

ماذا تقول لمن يصف إطلاق الصواريخ على العدو بالمجرمين، ويصف العمليات الاستشهادية أو العمليات القتالية بالحقيرة؟!، وماذا تقول لمن يرثي قتل الأعداء ويصف قاتليهم بالمجرمين؟!، وماذا تقول لمن يفتخر بأنه أفشل عملياتٍ ضد عدوِّ وطنه ومحتلَّهِ؟، وماذا تقول لمن يفتش عن السلاح ويتباهى بأنه صادَرَ أسلحةً كانت ستُوجَّه إلى صدر المحتل؟!.

 

هؤلاء العملاء والخونة مثلُهم مثل الذي يعرِّي نفسه في ساحةٍ عامةٍ مكتظَّةٍ بالناس ويدَّعي تمام العقل والأدب، ويتهم الناس بالظلام!!.. في منطق الخونة يصبح التنسيقُ مع العدو وتدريبُ عناصرهم حركةَ تحرُّرٍ وطني بل وثورة!!.

 

أن تكون خائنًا فتلك مصيبةٌ، وأن تجهر بذلك وتفتخر فأنت خائنٌ وغبيٌّ وسيحتقرك العدو قبل الصديق، ولن يثق بك البتة؛ فإذا ما أراد زيارتك فإنه سيُحضر معه عناصرَ حمايته, وسيترك لك مهمة قمع هذا الشعب الذي تبيعه كلامًا.

 

وآمالنا لا يصنعها إلا شرفاء.. هل سمع أحدٌ أن عصابةً من العملاء والتجار والمنتفعين حرَّرت وطنًا يومًا؟!.. ما الذي تغيَّر حتى أصبحنا نُقذَف كل يوم بوجوه عملاء، طار من وجوههم الحياء، في فلسطين وفي لبنان وفي العراق، وغيرها من بلداننا التي يحكمها نفس الوجوه ونفس الخيانات؟!.

 

سؤال يقتضي الإجابة، ولكن الإجابة غصّة في حلوقنا؛ لأن الخائنين من بني جلدتنا، وهم- كما نعلم ويعلم الجميع- سادتنا ورؤسائنا.

 

أيها الرؤساء الأفاضل.. لا مرحبًا بكم وببوش المجرم، لا مرحبًا بقاتل أطفالنا ونسائنا وشيوخنا الأطهار، لا مرحبًا بمجرم الحرب (بوش) الذي سحق- بدباباته وطائراته- العراق ولبنان وفلسطين وأفغانستان، لا مرحبًا بالقاتل الأفَّاك.

 

أيها السادة الأفاضل حكامَنا.. بدلاً من أن تحشدوا عشرات الآلاف من الشرطة لحماية مجرم حرب كان وما زال يذود عن "الإسرائيليين" في إمعانه في ذبحِ وحصارِ الشعب الفلسطيني!!، وبدلاً من أن تستقبلوه بالورد والمراقص والاستقبال الرسمي اقبضوا عليه لأنه مجرم حرب؛ ليحاكَم على ما فعله في فلسطين وعلى ما فعله في العراق.

 

أذكِّركم أم أنتم تذكرون سجن أبو غريب وأخواتنا هناك، ينتهك عرضهن على مسمع ومرأى منكم؟!، أتذكرون ماذا حدث في فلسطين وصبرا وشاتيلا وبيت حانون وغزة؟!، أتذكرون مذبحة الحرم الإبراهيمي؟!، أتذكرون مذابح أفغانستان ولبنان؟!.

 

وللأسف لا يُستقبل هذا المجرم بالورد والمراقص إلا في عالمنا العربي، وتحديدًا في مناطق المحميات الأمريكية الذي يدير شئونها المحلية وكلاء عرب يتقاضون رواتبهم ودعمهم من أمريكا!! ماذا سيكتب عنكم التاريخ غدًا؟!، بل وماذا سيكون موقف أبنائكم وأحفادكم غدًا عندما يعلمون أنكم خُنتكم بلادكم وسلَّمتم فلسطين والعراق إلى المجرم بوش وحلفائه؟!.

 

أنسيتم يا مستقبِلي المجرم أن المهمة التي سعى إليها في المنطقة العربية خلال زيارته أقل ما يمكن وصفها بالمهمة القذرة؟! فشيطان الصهيونية الذي استهوته طوال فترة ولايته وقادته إلى حروبه الفاشلة ما زالت تتنزل عليه تؤزُّه أزًّا في خريفه السياسي.

 

لا شك أن نذير الشؤم قد حطَّ رحاله في المنطقة العربية مع إعلان المجرم نيَّته لهذه الزيارة لتاريخه الدموي في هذه المنطقة.. تشاؤم وصل إلى ذروته حتى شارف على اليأس مع صمت القبور الذي لا يُنذر بأي عاصفة جرَّاء فرط الخنوع الذي يعيشه حكام المنطقة، والذي استكملت حلقاته بتوجه المجرم الشرِه مصاص دماء المسلمين والعرب إلى المنطقة واستقبله حكامنا- وليسوا بحكام- بكل حفاوةٍ وتقديرٍ، وقبل أن يصل تُقدَّم له القرابين فيذبح له من أهلنا من نساء بيت حانون وشيوخها وأطفالها، ومن عجائز نابلس وفتيانها وفتياتها، ومن غزة ومن شهدائها، ومن العراق النازف دمًا، ومن لبنان ومن أفغانستان ومن غيرها الكثير من العالم الإسلامي الذي يئنُّ تحت وطأة الظلم والاستعباد الصهيوأمريكي!!.

 

ويصل المجرم مصاص الدماء إلى مائدة الطعام بعد أن قبَّله حكام العرب قبلاتِ العاشق لعشيقته؛ ليقدِّموا له الطعام بأيديهم، ويقولوا له: "سيدي الرئيس.. بماذا تريد أن تبدأ الأكل؟! فالسفرة طويلة وكبيرة وعامرة بالأطباق الذهبية التي لا يمكن أن يقدِّمها له سوى حكامنا.. تفضَّل سيدي المجرم بطبق كتائب شهداء الأقصى؛ فقد سلَّم آخر مناضلٍ سلاحَه وسمّيت كتائب أوسلو، تفضل سيدي هذا طبق نابلس أشهى الأطباق على قلبك، أما هذا فهو أشهى الأطباق والذي كم انتظرته؛ فهو طبق حماس والمقاومة آخر معاقل المجاهدين في فلسطين، تذوقْه سيدي وقد صنعته لك بيديَّ هاتين، ولا داعي لعودة ملايين المشردين من الفلسطينيين في البلاد العربية، تفضل سيدي العراق وقطِّعها كما تشاء؛ فإنها الآن ملكٌ لك خلت من جميع أهلها، تفضل سيدي- وقلب أولمرت معك- هذا طبقٌ أجمل سيدي؛ إنه طبق الاعتراف بالقدس، كلِّ القدس شرقها وغربها، عاصمةً لدولة لإسرائيل، تفضل سيدي بألف صحةٍ وعافيةٍ، نحن حكام العرب نقدِّمها لك شهيةً بلا منازع"!!!.

 

أيها الحكام العرب.. ماذا دهاكم؟!! أنسيتم قاتلَ الأطفال المجرم السفاح الذي أعلن الحرب الصليبية على أمة الإسلام؟!, أنسيتم من المسئول عن قتل الملايين من المسلمين في العراق وأفغانستان؟!, أنسيتم من الذي عذَّب آلاف المسلمين في أبو غريب وجوانتنامو وغيرهما من المعتقلات؟!، أنسيتم أن هذا المجرم هو الذي أعدم الشيوخ وهدم المساجد في الفلوجة؟!، أنسيتم- بل تناسيتم- أن هذا المجرم وقواته هم الذين اغتصبوا الحرائر في العراق، هم الذين أشعلوا الحروب الطائفية بين المسلمين؟!.

 

تناسيتم هذا السفاح الأفَّاك القاتل الوالغ في دمائنا، فبأي وجه ستستقبلونه في ديارنا؟!, من كان يصدق أن مَن دنَّس جنودُه قرآنَنا وأعلن الحرب علينا, وقتل أبناءنا ورمَّل نساءنا، ونهب أرضنا وسرق ثرواتنا، سيحلُّ ضيفًا ويجد من يستقبله؟!! أليس من العار أن يُستقبَل بالورد واصطفاف حرس الشرف والبساط الأحمر, والعناق والقبلات والضحكات والابتسامات؟!!.

 

أيها الحكام.. بعد كل هذا تريدون منا أن نرحِّب بسيدكم ورئيسكم وكبيركم، الذي سوف يملأ الأرض عدلاً وحريةً، على زعمكم؟!!.

 

أيها الحكام.. أتستكثرون علينا أن نعترض أو نستنكر أن ندين هذه الزيارة التي سوف تنجِّس أراضيَنا وأنتم من يدَّعون حرية الرأي؟!، ولكن إذا لامست هذه الحرية أطراف ثوب سيدكم لتُظهره على حقيقته وتُظهر مدى كره هذه الشعوب له، فتحاولون أن تكذبوا علينا وتلووا عنق الحقيقة بحججٍ واهية لا تنطلي على أحد: "الديمقراطية والحرية والانفتاح"؟!!

 

أيها الحكام.. هل تثقَّفتم بالثقافة الغربية وانسلختم عن أمتكم، فواليتم أعداء الله، وعاديتم أولياءه، وقدَّستم مفاهيم الغرب وقيمه، واعتبرتم قيم الإسلام تأخُّرًا ورجعيةً؟!!

 

أيها الحكام.. غدًا سوف تدور الدائرة عليكم، وتنبذكم الأمة إن ظللتم جنودًا تأتمرون بأمر المجرمين وتجار الموت، يروِّجون البضاعة الفاسدة الخبيثة، وإن الأمة لن ترحم أمثال هؤلاء.

مرحبًا يا مَن أتانَا بالسَّلام   فوق أشلاء الضَّحايا والرُّكام

بين أشلاءِ حُكومَاتٍ تُراعي   حُرمة الخَصْم وَتَغتَال الكرام

وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.