د. عبد المنعم أبو الفتوح

 

السيد الرئيس/ جورج دبليو بوش

أنبأتْنا كتبُ التاريخ عن الصراعات القديمة في القرون الأولى من الحياة على الأرض، والتي كانت تتصف بشراسةٍ وهمجيةٍ وعنفٍ، تتنافى مع إنسانية الإنسان، المطبوعة على التعايش والتراحم، وفي نفسه فطرة تميل إلى الأخلاقي من السلوك.

 

ومع تقادم الحضارات وترقِّيها في سلَّم الإيمان والعلم والمدنية، فقد كان من المتوقَّع أن يميل البشر إلى نزع بعض عوامل هذه الشراسة وهذه الدموية من صراعاتهم الطبيعية- والحق أن كثيرًا من مفكري وفلاسفة الشرق والغرب على السواء حاولوا ذلك كثيرًا ولا زالوا- أملاً في أن تنخفض حدَّة وشراسة هذه الصراعات، وعلى رأس هذه العوامل (العنصرية الدينية).

 

ولعل رصيد الحضارة الغربية من الصراعات الدينية والحضّ على الحروب الدينية أكثر من غيرها من الحضارات على ما يذكر المؤرخ (ديورانت) في (قصة الحضارة)، ومن هنا- سيادة الرئيس- فإن ما درجْتُم عليه من استخدام للأوصاف التي تحضُّ على (العنصرية الدينية) وتُؤجِّجها في نفوس الشعوب يتنافَى مع الأخلاق الإنسانية لابن حضارة القرن الحادي والعشرين.

 

لقد أفرطتم يا سيادة الرئيس في استخدام تعبيرات مثل: الحروب الصليبية، والخير والشر، ومن ليس معنا فهو ضدنا..، والتي أكثرتم في توجيهها تحديدًا للإسلام والمسلمين، ثم ها أنتم هنا في المنطقة الآن لتؤكدوا (يهوديةَ) دوله إسرائيل بلا أي خَجَل من الإعلان عن دولة دينية تمارس العنصرية والتمييز مع من يدينون بأديان أخرى في القرن الحادي والعشرين.

 

لقرون عديدة- يا سيادة الرئيس- بقي التسامح حلمًا من أحلام الإنسانية، عبَّر عنه الكثير من المصلحين والفلاسفة، لكن تلك الدعوات أمام فورات الغضب ونزعات التسلط والهيمنة ووساوس الانتقام والرغبات الإمبراطورية الجامحة، لم تصمد كثيرا للأسف الشديد أمام مطامع وأهواء أمثالكم من الحكام.

 

ولو وُجِدَ التسامحُ- كقانون أخلاقي- يتخلَّق به الناس في معاملاتهم وصراعاتهم، لَمَا اندلعت نار الحروب الدينية، ولَمَا قامت محاكم التفتيش في أوروبا، ولَمَا سالت دماءُ المسلمين واليهود أنهارًا في (القدس) إبَّان حروب الجشع التي توصف زورًا (بالصليبية)، ولَعَاش المسلمون والمسيحيون واليهود في فلسطين يجمعهم عهد المواطنة في وطن يسَعُ الجميع ويرعاه الجميع.

 

وإنه مما يدعو للأسى الشديد أن يكون ما فقدته البشريةُ في القرن الماضي فقط يتجاوزُ كلَّ ما فقدته طيلة تاريخها كله، من يوم أن بدأ الإنسان يؤرِّخ للحياة على الأرض، من ضحايا حربَين كونيَّتَين فرضَهما الغربُ على كوكب الأرض كله، ولن تنسى ذاكرةُ الإنسان ضحايا الستالينية والنازية وضحايا هيروشيما وفيتنام، وما تُباركوه وتَرعَوه في فلسطين وما تقومون به مما تخجل منه الإنسانيةُ كلُّها في أفغانستان والعراق.

 

ولعلكم تعلمون يا سيادة الرئيس أن إقرار مبدأ التسامح كقانون إنساني من أُولى الإنجازات التي نهضت عليها الأمم المعاصرة والدول الحديثة، وقد علَّمنا الإسلامُ العظيمُ أن نقول لمن يختلفون معنا في الدين ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)﴾ (البقرة).. أرأيت يا سيادة الرئيس إلى ما يدعو الإسلام العظيم أبناءه.

 

وقريب من معاني التسامح الإنساني هذه نجدها في وثيقة إعلان الاستقلال الأمريكي، الذي صاغه الرئيس الثالث للولايات المتحدة توماس جيفرسون (1776م)، والتي نصَّت على أن كافة البشر خُلقوا متساوين، ومنَحَهم الخالق سبحانه وتعالى حقوقًا غيرَ قابلة للتنازل، على رأسها حق الحياة والحرية والحق في طلب السعادة.

 

نريد للولايات المتحدة الأمريكية أن تلتزم بهذه القيم، بل وتبشِّر بها في العالم كله، لا قيم ومبادئ على شاكلة نظرية (الرجل المعتوه) التي بدعها الرئيس نيكسون، بأن تظل أمريكا دائمًا محافظةً على صورتها كدولة عنيفة، لا تتورَّع عن استخدام القوة فجأة بشكل مفاجئ للآخرين، وهي النظرية التي تفنَّنتم في تطبيقها بأشرس وأبشع الوسائل والأشكال.. الاحترام والسيادة والمكانة بين الأمم لا تتحقَّق بالسلوك الوحشي الذي يثير الخوف والرعب في العالم، كما وصف سياستكم المفكر الأمريكي ناعوم تشومسكي.

 

إن سياسة (الرعب الموهوم) التي تضلِّلون بها الشعب الأمريكي الطيب حتى تحققوا ما ترغبون فيه من أحلام إمبراطورية تجاوزَها التاريخُ، لن تسفر إلا عن مزيدٍ من التباعد بين أمريكا والعالم، ومزيدٍ من الكراهية بين الشعب الأمريكي وشعوب العالم، ومزيدٍ من العنف بين شعوب العالم، وسيحاسبكم الله ثم التاريخُ على كل ذلك حسابًا عسيرًا.

------------

* عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين