م. وائل عقيلان

 

كان من عادة العرب أن يتفاخروا بالصقر العربي، وأن يجعلوه شعارًا، وأن يحرصوا على تربيته وتدريبه والاعتناء به وتشبيه أنفسهم بالصقر, وكانوا يربُّون أنفسهم على صفات الصقر؛ من الشموخ والاعتماد على النفس إلى الترفُّع عن الصغائر وعدم الاهتمام بالجيف.

 

لكننا اليوم- وبحمد الله- تركنا تربية الصقور وأصبحنا من هواةِ تربية الحمام والعصافير, فلم نعد نحلِّق في السماء نطارد فرائسنا, بل أصبحنا نحن الفرائس, والأعجب من ذلك أننا سعداء بهذا, بل وأصبحنا نتزين لأعدائنا في مسعًى لإقناعهم أننا نستحق الافتراس قبل غيرنا!!.

 

أضحت بيوتنا تُهدم، وأعراضنا تُنتهك، ودماؤنا تُسفك ونحن لا ننظر حتى تحت أقدامنا، فنبصر أنهار دمائنا تجري من تحت أقدامنا.

 

أضحينا نضع الصقر شعارًا على أعلامنا وتصدح حناجرنا بهديل الحمام المسالم؛ خوفًا من جَرْح مشاعر أبناء عمومتنا الصقور, أدمنًّا التنديد والاستنكار، ونسينا من قاموسنا العمل والاجتهاد, نسينا قول رسولنا الكريم: "اعقلها وتوكَّل".

 

أمسينا ندعو الله ليلاً نهارًا أن يُفرِّج كربنا ونحن نعبد إلهًا غيره, أمسينا نعبد أصنامًا من لحم، وأمسينا نُقدِّم دماء أبنائنا قربانًا ليرضى عنا سادتنا من بني أمريكا وما حولها.

 

كان أهلنا يعلموننا مثلاً عربيًّا قديمًا يقول: "إن لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب"، مثلٌ علموه لنا كي نبقى أقوياء, مثلٌ علموه لنا كي يرسخ في أذهاننا أن الحق لا يؤخذ استجداءً بل قوةً وعِراكًا, لكننا اليوم نُردد مثلاً آخر يتفق مع واقعنا "إن لم تكن ذئبًا فأنت حيوان آخر"، علمونا مثلاً يقنعنا بأن الذئب مجرد حيوان، وأن التحضُّر في التفاوض حول حقوقنا، وأن نترك الأسلوب الهمجي في أخذ الحقِّ بالقوة, تعلمنا "ابعد عن الشر وغني له", فماذا لو بحث الشر عني؟!, فماذا لو سفك دم أخي على قارعة الطريق؟!, فماذا لو سلب وطني وحرق زرعي؟!.

 

غزة اليوم تُذبح، ومن قبلها الضفة والعراق، والشيشان وأفغانستان، والأغرب من ذلك: يتمسك المسلمون بقول الرسول الكريم "فمَن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".

 

أصبحنا نُقلِّد "الموضة" في كل شيء، حتى في قضايا أمتنا؛ فسرعان ما نهتمُّ بقضية ما، وتسير المظاهرات والتنديدات، ثم لا نلبث أن نتركها ونستكين، وهذا شيء جميلٌ وشيء رائعٌ مقارنةً بما نحن عليه اليوم!!؛ فلم تعد الأمة تهتم حتى بقضاياها ولو لفتراتٍ قليلةٍ!!.

 

فالأمة الآن تُذبح من الوريد إلى الوريد، وهي في حالةٍ من السكْر والنوم إلا من رحم ربي من أصحاب الهمم العالية والضمائر المستيقظة, و حتى علماء الأمة- أو من يجب أن يكونوا علماء الأمة- أصبحوا مرهقين ومشغولين في تعليمنا نواقض الوضوء وأحوال الحيض والنفاس!!.

 

كفى عبثًا.. كفى استخفافًا بنا وبالدين الذي تحملون, متى تعلمون أننا حفظنا هذه الدروس، وأننا بحاجةٍ إلى مَن يُعلمنا الكرامة؟!, متى تفهمون أننا مللنا دروسكم وخطبكم المكتوبة وأننا بحاجةٍ إلى قلوبكم أن تتحدث على المنابر؟!, متى تعلمون أننا نريد أن نرى فيكم سنَّة رسول الله وصحابته المجاهدين؟!, متى تعلمون أننا نريد أن نرى بيننا خالد بن الوليد وأسامة بن زيد؟!.

 

ما يجري في غزة هو وصمة عارٍ على جبين الكل، كل الأمة من أقصاها إلى أقصاها, ما يجري في غزة صفحاتٌ سوداء في سجلِّ كل مسلم ما زال فيه نبض الحياة، ما يجري في غزة يُذكِّرني بما جرى في حصار قلعة ميافارقين من قِبَل التتار، عندما تخلَّى عنها المسلمون جميعًا فسقطت، لكن سقطت معها كل بلاد الشام بما فيها الإمارات التي تحالفت مع التتار ضد ميافارقين.

 

نحن في زمنٍ ما عاد يُجدي فيه الكلام, نحن في زمنٍ لا بدَّ أن يُبذَل فيه الجهد والعرق، ويمتزج بالتضحية والدماء، ولا بد للمستيقظين من الأمة أن ينشطوا وأن يُوقظوا من حولهم.

 

فكفى غرقًا في وحل الضياع، وآن لنا أن نضع أرجلنا على أرضٍ صلبةٍ تثبت عليها أقدامنا عند لقاء أعدائنا, أرضٍ نبني عليها وطن الكرامة والحرية, وهذا لن يكون إلا بالجهد والعمل حتى لو كان بجهدٍ فردي, ولا يستهيننَّ أحدٌ بجهده وعمله؛ فلكل مجتهدٍ نصيبٌ، ولكل صاحبِ كرامةٍ وطنٌ عزيزٌ.

------------

* كاتب فلسطيني