يصرُّ الرئيس الأمريكي جورج بوش على أن يعترف العالم العربي بأن "إسرائيل" دولةٌ يهوديةٌ مغلقةٌ على يهوديتها, وهو يجب أن يدرك قطعًا الآثار القانونية والسياسية لهذا المطلب، ونحن نعتقد أن هذه الآثار بالغةُ الخطر على "إسرائيل" والولايات المتحدة والعالم العربي, وتُعدُّ هزيمةً كاملةً لكل المبادئ والسياسات والشعارات البرَّاقة.
من ناحيةٍ أخرى, فإن العالم العربي كان يميِّز دائمًا بين الصهيونية كحركةٍ سياسيةٍ تهدف إلى تجميع اليهود في دولةٍ خاصةٍ بهم على أرض فلسطين أو على كل فلسطين، تحلُّ محلَّ الفلسطينيين وفق المشروع الصهيوني، وبين اليهودية كدينٍ سماويٍّ يعترف به الإسلام والمسلمون.
وأهمية التمييز بين اليهودية والصهيونية واضحةٌ, وهي أنَّ مَن ينخرط في المشروع الصهيوني يمكن أن يكون يهوديًّا أو مسيحيًّا، المهم أن يؤمن بالعقيدة السياسية الصهيونية, حتى لو لم يكن يهوديًّا, ولذلك قبلت "إسرائيل" في جنسيتها الكثيرين ممن يُشَكُّ في يهوديتهم أو غير اليهود، ومن مزايا هذا التمييز أن بعض اليهود يرفضون الخلط بين الدين والسياسة, كما يرفضون الطابع الديني للدولة وكذلك الطابع العلماني.
في هذا السياق ظهر عددٌ كبيرٌ من القيادات اليهودية المناهضة للمشروع الصهيوني, وكانوا أصدقاء للحق العربي وحلفاء لضحايا المشروع الصهيوني، أي أن القضية الفلسطينية عندهم كانت هي نفسها القضية في الجانب العربي, وهي الدفاع عن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني, والمطالبة بالحقوق المغتصبة من جانب "إسرائيل"، في هذا السياق أيضًا ظهرت تحالفاتٌ واتصالاتٌ وصداقاتٌ بين الفلسطينيين وهؤلاء، حتى ممن ينتمون إلى "إسرائيل" بجنسيتها.
ويبدو أن التمييز كان ممكنًا بين اليهودية والصهيونية في هذا السياق, وعلى أساس أن قرار التقسيم الصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 عام 1947 قد أشار إلى قيام دولتين في فلسطين: إحداهما عبريةٌ، والأخرى عربيةٌ.
فالقرار يتحدَّث عن الصفة الأثنوجرافية، ولم يتنبه العرب في ذلك الوقت إلى هذه الصياغة, كما لم يتنبهوا إلى أن إعلان قيام "إسرائيل" قد شدَّد بشكلٍ واضحٍ على الطابع اليهودي للدولة, عندما أشار الإعلام إلى أن قرار التقسيم وثيقةُ اعترافٍ من جانب المجتمع الدولي باليهود كأمةٍ، وبحق هذه الأمة في تقرير مصيرها, وأن يتم ذلك على الأراضي التي طُردَت منها في فلسطين.
ويبدو أيضًا من سياق الخطاب السياسي "الإسرائيلي" أن فكرة الأمة- الدولة, أي الدولة القومية القائمة على القومية اليهودية التي تعتمد على الحركة الصهيونية كحركة تحررٍ وطني قد خفيت عن البعض في العالم العربي, ولكنها كانت الدافع لتصدي ست دول عربية لإنشاء "إسرائيل" بعد أن عجزت عن منع صدور قرار التقسيم.
ورغم أن هذه الحقائق لم تؤكَّد عليها "إسرائيل" طوال مرحلة الصراع مع العرب، إلا أن شارون كان أول من نبَّه إليها رسميًّا بعد أن استقام عود المشروع الصهيوني في عهده، عندما أعلن شارون في قمة العقبة عام 2005 أمام أبو مازن وبوش في أول زيارة لبوش للمنطقة أن "إسرائيل" يجب أن تكون دولةً يهوديةً خالصةً, وأكَّد بوش تأييده لذلك؛ مما لفت الأنظار إلى هذا التطور, ولكن دون أن يأخذ الكثيرون ذلك مأخذ الجد, حتى سيطر هذا الموضوع على الخطاب السياسي الأمريكي و"الإسرائيلي" الذي يلح على الفلسطينيين والعرب خاصةً في مؤتمر أنابوليس, ثم في زيارة بوش في يناير 2008م لفلسطين.
فوضع العالم العربي أمام خيار صعب: بين الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية وما يترتب عليها من نتائج, أو مواجهة غضب الولايات المتحدة و"إسرائيل" وتحميلهما مسئولية فشل عملية السلام الوهمية التي تُستخدَم ستارًا لتمرير المشروع الصهيوني.
فإذا كان التمييز بين اليهودية والصهيونية في الماضي متصوَّرًا على أساس ما قدَّمناه، كما أنه كان مفيدًا لكل الأطراف، فإن هذا التمييز كان التزامًا قانونيًّا على "إسرائيل"، ويؤدِّي إلى التعايش بين اليهود وغيرهم داخل "إسرائيل" بقطع النظر عن التمييز الفعلي الذي مارسته "إسرائيل" ضد غير اليهود.
يكفي الإشارة في هذا الصدد إلى أن قرار الجمعية العامة رقم 273 الذي قبلت بموجبه "إسرائيل" عضوًا في الأمم المتحدة قد اشترط لقبول "إسرائيل" أن تُصدِر دستورًا يتضمن حماية الأقليات غير اليهودية؛ مما يعني أن صفة الدولة العبرية في قرار التقسيم لا تعني دولةً يهوديةً خالصةً، كما لا يعني مطلقًا أن تقوم الدولة العبرية على كل فلسطين كما هو واضحٌ في قرار التقسيم الذي خُصِّص لها 56.5% فقط, رغم أن نسبة اليهود إلى مجموع السكان في فلسطين عام 1947 لم يصل إلى 30%.
ويترتب على الاعتراف بيهودية الدولة في "إسرائيل" عددٌ من الآثار، نُوجز أهمها في ما يلي:
أولاً- أن "إسرائيل" اليهودية الخالصة لم تتحدد حدودها, وتم الترميز للخط الفاصل بينها وبين فلسطين بالخط الأخضر في فلسطين، وبينها وبين لبنان بالخط الأزرق, ولم يتم تحديد حدود دولية لـ"إسرائيل"، إلا في اتفاقيتي السلام المصرية والأردنية مع "إسرائيل".
ومعنى ذلك أن الحدود قد تُركَت لما تسفر عنه الجهود الصهيونية باستخدام القوة على الأرض، وإذا أتمَّت "إسرائيل" الجدارَ العازلَ الذي سيصبح هو خط الحدود الجديد المؤقت والذي أنجزت "إسرائيل" منه نسبةً عاليةً، وضمَّت المستوطنات الكبيرة في الضفة الغربية, فإن "إسرائيل" قد التهمت 90% من أراضي فلسطين, وبقي لها الجزء الأخير، ونحن نعتقد أن إعلان يهودية الدولة كمذهبٍ رسميٍّ في "إسرائيل" دليلٌ على ثقة "إسرائيل" في قدرتها على ضمِّ ما تبقى من فلسطين؛ لكي تصبح فلسطين كلها يهوديةً.
ولعل بعض الإشارات على الساحة الصهيونية لا يجب أن تخفى على المراقبين, وهي تلك الحرب التي تشنُّها المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة لتعديل عشر مواد من ميثاق حركة فتح, وهي محاولةٌ في الواقع لإخفاء اسم فلسطين وما يترتب عليه من صفات.
ثانيًا- أن "إسرائيل" اليهودية لم تحتمل سكانها العرب والنقد الموجَّه لها من التمييز المستمر ضدها؛ مما جعل المسافة واضحةً بين حقوق الجنسية وحقوق المواطنة، وهو ما يدفع "إسرائيل" إلى البحث لحوالي مليون ونصف من السكان عن مأوًى جديدٍ ليلحقوا بالموجة الأولى من لاجئي 1948، وبذلك تتخلص "إسرائيل" من الأدلة المادية على جريمة اغتصاب فلسطين.
ثالثًا- ما دامت "إسرائيل" اليهودية تسعى إلى النقاء الديني والعرقي المزعوم, فإنه لا مكانَ فيها من جديد للاجئين الذين فروا من ديارهم أمام المذابح الصهيونية عام 1948م, والذين يلحُّون على حقهم في العودة, والذين تعهَّد الرئيس بوش بتعويضهم بدلاً من عودتهم؛ وبذلك يتم إسقاط البنود الأساسية التي تُثير جدلاً بين "إسرائيل" والفلسطينيين, ما دامت بنود اللاجئين والحدود والاستيطان قد تمَّ تسويتها بالموافقة على المواقف "الإسرائيلية".
أما القدس, فليست محلَّ جدلٍ ما دامت ستئول إلى "إسرائيل"، وطبيعيٌّ أن "إسرائيل" لا تعترف بحدود 1967م, بل لا تعترف بأي حدود إلا الحدود الدولية مع الدول المجاورة؛ ولذلك فإن مفاوضات الوضع النهائي قد أصبحت ميسَّرةً بعد أن تخفَّفت من الملفات الكبرى الشائكة, وسوف تتفرغ للقضايا الحياتية كالمياه والأمن والتعاون في جميع المجالات.
رابعًا- أن اعتراف العالم العربي بعد إثارة الصفة اليهودية لـ"إسرائيل" سوف يعني اعتراف العالم العربي, وموافقته على هذه الآثار, ومشاركته في إنهاء القضية الفلسطينية, واستكمال المشروع الصهيوني، وقد يتم التساؤل حول أثر إعلان يهودية الدولة على الدول المعترفة أصلاً بـ"إسرائيل".
في هذا الخصوص, نرى أن الاعتراف السابق قد تمَّ على أساس أن "إسرائيل" نشأت بقرار الجمعية العامة على رقعةٍ محددةٍ, وأنها دولةٌ ديمقراطيةٌ لا عنصريةٌ, ولكنها في الواقع دولةٌ ديمقراطيةٌ ولها سياساتٌ عنصريةٌ قابلةٌ للنقد والتقييم, ولا يمكن أن ينسحب المبدأ الجديد على الاعتراف القديم لسببين:
الأول يتعلق بظروف الاعتراف القديم، والثاني يتعلق بعدم مشروعية الاتفاق على ما يناقض القواعد الأساسية في القانون الدولي أو القواعد الآمرة في هذا القانون.
ومعنى ذلك أن الدول تنشأ على أساسٍ مشروعٍ, أما يهودية الدولة فليس لها أساسٌ من المشروعية, بل إن هذه الصفة تجعلها دولةً عنصريةً؛ مما يناقض مبادئ الأمم المتحدة وأهدافها.
خامسًا- أنه لم يعد هناك مبررٌ للتمييز بين اليهودية والصهيونية ما دام الطابع اليهودي للدولة لم يعد مانعًا من ممارسة الخط الصهيوني للدولة, أي الدمج بين اليهودية والصهيونية.
سادسًا- أن هذا التطور يجعل "إسرائيل" دولةً عنصريةً؛ بسبب قيامها على أساس الدين والآثار المترتبة عليه بالنسبة لغير اليهود، وهذا يؤدي إلى المساواة بين اليهودية والصهيونية والعنصرية, ويؤدي إلى إحياء قرار الجمعية العامة الصادر عام 1975 بشأن التسوية بين العنصرية والصهيونية, ويجب أن يعتبر أن يهودية الدولة شكلٌ مؤكدٌ من أشكال العنصرية, دون أن يضع اليهودية كدين مقابل العنصرية كسلوكٍ مستهجن ومجرَّم.
سابعًا- أن الدولة الصهيونية الخالصة لا يمكن أن تكون عضوًا في أسرة الدول المتمدينة, بل يؤدي ذلك إلى إبطال عضوية "إسرائيل" في الأمم المتحدة؛ لأن الدولة العنصرية تتعارض بحكم تكوينها مع أهداف المنظمة الدولية في مكافحة العنصرية, وكل أشكال التمييز بين البشر على أي أساس يجعل "إسرائيل" دولةً منبوذةً بجدارة، ولا شك أن كل هذه الآثار سوف تُشكِّل عبئًا ثقيلاً على الولايات المتحدة, لا تستطيع أن تنهض به في مواجهة العالم أجمع.
ثامنًا- يتعين على الدول العربية- بدلاً من تكريس الدعاوى الأمريكية والصهيونية للتقرب من "إسرائيل"- أن تبادر إلى طلب رأيٍ استشاريٍّ من محكمة العدل الدولية, وأساس هذا الطلب هو أن يهودية الدولة يؤدي إلى إنكار كل الحقوق الفلسطينية, كما يعتَبر مناقضًا لوصف الدولة المُحبَّة للسلام وفق المادة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة.
كذلك يتعين على الدول العربية أن تطالب بإبطال عضوية "إسرائيل" في الأمم المتحدة والدخول معها ومع الولايات المتحدة في معركةٍ قانونيةٍ حاسمةٍ؛ لهزيمة المشروع الصهيوني.
تاسعًا- أن يهودية الدولة المؤدية إلى عنصريتها يؤدي إلى تجريم مؤسسات الدولة "الإسرائيلية" وأفعالها، ويبطل التعامل معها ما دام هذا التعامل يؤدي إلى تكريس الطابع العنصري، طبقًا لاتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بمكافحة العنصرية لعام 1973م, ويسقط نظرية معاداة السامية التي استخدمتها "إسرائيل" لابتزاز العالم.