![]() |
|
محسن عبد الفتاح القويعي |
تجاوبًا مع الصيحة التي أطلقها السيد رئيس الجمهورية بطرح موضوع الدعم للحوار المجتمعي، بحيث تكون القرارات التي تُتَّخذ بشأن موضوع الدعم تكون تعبيرًا صادقًا عن رأي المواطنين بكافة شرائحهم وفئاتهم، نقول إن تعريف الدعم هو الفرق بين الدخل والأجر، أي الدخل يساوي الأجر زائد الدعم "دعم تمويني أو علاجي أو تعليمي... إلخ.
وقد أخذت الحكومة على عاتقها إلغاء الدعم الموجَّه إلى الخبز؛ حيث إن الدعم المقدَّم للتعليم والعلاج قد تآكل كثيرًا، وفوجئتُ الحكومة بارتفاع سعر طن القمح هذا العام عن العام السابق بحوالي 250 دولارًا للطن؛ حيث كان السعر في العام السابق 150 دولارًا، وأصبح في العام الحالي 400 دولار.
وعليه يكون الدعم تضاعف حوالي أكثر من مرتين تقريبًا، فإذا كانت الحكومة تدفع دعمًا للخبز حوالي 6 مليارات جنيه في العام السابق فإنها في هذا العام سوف تدفع حوالي 15 مليار جنيه، أي بزيادة مقدارها 9 مليارات جنيه.. فمن أين يتم تدبير هذا الفرق "9 مليارات جنيه" مع العلم بوجود عجزٍ في الميزان التجاري وعجزٍ في ميزان المدفوعات وعجزٍ في الموازنة العامة تحاول الحكومة تدبير هذا العجز بكل الطرق؟!.
هذا هو السبب الحقيقي لمطالبة الحكومة بتحويل الدعم العيني إلى دعمٍ نقدي؛ لكي تتحلل الحكومة من هذه المبالغ حيال الفقراء.
وفي نفس الوقت الذي أعلن فيه سيادة رئيس الجمهورية بأنه لا يمكن إلغاء الدعم، فإن الحكومة قد رفعت سعر الخبز من 5 قروش إلى 14 قرشًا وإلى 20 قرشًا؛ حيث إنها أخذت من حصة الخبز المُدعَّم الذي يصل ثمن الرغيف فيه إلى 5 قروش ووزنه 120 جرامًا، وحوَّلته إلى خبز طباقي وزنه 80 جرامًا بسعر 10 قروش، ومزمع إنتاج رغيف وزنه 140 جرامًا بسعر 20 قرشًا، وكأن صيحات رئيس الجمهورية بعدم إلغاء الدعم لا تسمع لها الحكومةُ ولا تستجيب لها.
ويرجع سبب ارتفاع ثمن سعر الحبوب عالميَّا- ومن ضمنها القمح- إلى أن الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا حوَّلت الحبوب إلى طاقةٍ تُسيِّر بها آلتها.
ويرجع السبب الآخر إلى ارتفاع مستوى المعيشة في كلٍّ من الصين والهند؛ حيث إن عدد سكانهما يصل إلى 2 مليار ونصف نسمة، وتحوَّلوا من مصدرين للحبوب إلى مستهلكين لها؛ حيث إنهما تحتاجان إلى كميات لحوم ضخمة تحتاج إلى حبوب؛ لإطعام الحيوانات التي يذبحونها.
وحيث إن مصر تراخت في سد الفجوة التي بين كميات القمح المستهلكة وكميات القمح الناتجة من زراعتها في مصر، والتي تصل إلى حوالي 6 ملايين طن قمح، ولم تضع خطةً طويلةَ الأمد لزراعة القمح، وكانت مصر تزرع "الفروالة" و"الكنتلوب" في عهد يوسف والي!! بدلاً من القمح، السلعة الإستراتيجية التي نحن في حاجةٍ إليها بدلاً من أن نمد أيدينا لدول العالم؛ كي نشتريَ منها القمح، مع العلم أن هناك دولاً كثيرةً سبقتنا في سد هذه الفجوة، مثل السعودية وسوريا والهند، وكثيرٌ من دول العالم.
والآن تطالب الحكومة بتحويل الدعم العيني إلى دعمٍ نقدي، وتريد أن تخفف العبء عن نفسها حتى لو سحقت الفقراء في مصر؛ حيث إنه من المعروف أن الدعم يسبب العجز في الموزانة العامة للدولة، ومن ثَمَّ ارتفاع الأسعار، وحيث إن السلع المدعمة أغلبها مستورد، فهذا يسبب العجز في ميزان المدفوعات.
وحيث إنه حاليًا يوجد سوء استخدام للسلع المدعمة، وعليه يكون زيادة الكميات المستهلكة؛ مما يزيد من رقم الدعم الذي تدفعه الحكومة، وكذلك نظام الدعم الحالي يسبب وجود السوق السوداء، ويجعل أناسًا متخصصةً في بيع وشراء هذه السلع.
أضف إلى ذلك ظهور ظاهرة "الطوابير الكبيرة"؛ مما يسبب تعطيل الموظفين عن أعمالهم؛ حيث إن الحكومة تشتري السلع عن طريق الهيئة العامة للسلع التمونية؛ مما يرفع من التكاليف الإدارية ويرفع من العمولات؛ مما يسبب ارتفاع أسعار السلع المستوردة.
ونجد أن بعض الذين يشتغلون في السلع التمونية يتوقف نشاطهم على بيعها كما هو حادثٌ في المخابز؛ حيث يتم بيع الدقيق وعدم خبزه حتى يحصل أصحاب المخابز على أموال هائلة، وبهذا لا يصل الدعم إلى مستحقيه، ويصل إلى صاحب المخبز والجهات التي تراقب المخابز في إنتاجها، سواءٌ الجهات التابعة للوزارات المختلفة، أو جهات الإدارة المحلية الذين يتستَّرون على أصحاب هذه المخابز المخالفة.
إن الحكومة تدَّعي أن الدعم يمثل 65 مليار جنيه من موازنة الحكومة، ونحن نقول إن خدمة الدَّين العام هي التي تمثل 65 مليار جنيه من الموزانة العامة، وعليه يجب أن نتخلَّص- وبسرعة- من هذا الدَّين، سواءٌ كان دينًا خارجيًّا أو داخليًّا، وهذا المبلغ وحده يغطي تكاليف الدعم ويزيد، مع العلم أن 40 مليار جنيه من المبلغ التي تدَّعي الحكومة أنه ضمن الدعم يأتي من فرْق سعر البترول المصري عن السعر العالمي، وكأنها تريد أن تبيع منتجاتنا لنا بالسعر العالمي ولا تُعطينا مرتباتنا بالسعر العالمي!!.
وحيث إن مرتبات الموظفين في الباب الأول حوالي 60 مليار جنيه، منهم 15 مليار جنيه رواتب ثابتة للموظفين، إذن يكون 45 مليار جنيه يذهب مكافآت وبدلات للسادة أصحاب المناصب الكبيرة في البلد؛ حيث إن النسبة بين الحد الأدنى للأجور والحد الأعلى للأجور في مصر 1: 1000، وهذه نسبةٌ عاليةٌ جدًّا وغير موجودة في العالم، ونحن نريد أن نهبط بهذه النسبة إلى 1: 100 الآن.
ونحن نريد أن نرفع شريحة الضرائب العليا التي هي الآن 40 ألف جنيه في السنة؛ إذ يتساوى من كان دخله 40 ألف جنيه مع مَن يبلغ دخله 5 مليارات جنيه، وهذا ظلمٌ فادح.. نريد ضريبةً تصاعديةً على هذه الدخول العالية.
وكذلك نحن نريد رفع الجمارك عن جميع مستلزمات الإنتاج التي تدخل إلى مصر؛ لأن أصحابها يبيعون منتجاتهم من السلع بالسعر العالمي، وإذا كان لا بد من الدعم على السلع فنريد أن يكون على المنتج النهائي.
وعليه يمكن عمل صندوق للدعم يدخل في أمواله خدمة الدَّين العام، وأموال البدلات، وأموال الضرائب، وأموال الجمارك، وكل ما يمكن إضافته إلى هذا الصندوق من أموالٍ لكي نرفع مستوى معيشة الفرد في مصر ونهبط بنسبة الفقر في مصر من 60% إلى حدودها الدنيا، ونستطيع أن نصلح حال العشوائيات المنتشرة في مصر وكذلك حال سكان القبور.
ولا نقول إن الدولة الرأسمالية لا تقدِّم دعمًا لمواطنيها؛ حيث إنها تقدِّمه في صورة علاج وتعليم وبدلات بطالة، ولا نريد أن نصل إلى التقلصات الاجتماعية التي حدثت في العام السابق للعمَّال والموظفين التي تبدأ بالمطالبة ثم الإلحاح ثم الإضراب ثم الاعتصام ثم استجابة الدولة، مع العلم أن هذه مطالب فئويةٌ محدودةٌ لا تؤثِّر على شكل الدولة ولا شكل النظام، والخوف أن تتحول إلى مطلبٍ مجتمعي عام (انفجار يهدد المجتمع).
وعليه إذا أرادت الدولة أن تحوِّل الدعم إلى دعمٍ نقدي، فلا يتحيز النظام للأغنياء، ويجب أن يصل الدعم إلى الفئات المُهمَّشة والعاطلين ويسعى جديًّا إلى استقرار الأسعار ومعرفة مَن هم المستحقون؟، وعمل دراسة اجتماعية لهم.
ويجب على الدولة أن تفعل الآتي:
1- تقلِّل من النفقات الحكومية الترفيهية.
2- زيادة الإدارات العامة والشرائح العليا للضرائب التي هي فوق الـ 40 ألف جنيه والجمارك كما سبق وقلنا.
3- بيع الخدمات التي تقدِّمها الدولة بسعرها الحقيقي للقادرين.
4- العناية بعدالة التوزيع، بحيث يظهر معدل النمو الذي تدَّعيه الدولة على المواطنين تحت خط الفقر، وهو حوالي 7%.
5- زيادة معدل النمو إلى 10% مثل الهند والصين لمدة عقدين على الأقل في مصر.
ومن هنا يظهر أن المشكلة ليست في الدعم، ولكن في عجز الموازنة العامة للدولة، ويجب تقليله كنسبةٍ من الناتج المحلي الإجمالي.
