كان يومًا مشهودًا في تاريخ المظلومين المقهورين، والصابرين المحتسبين حين أقدمت الجموع الطيبة للتوجُّه إلى التجمع الخامس بمدينة نصر لحضور يومٍ من أيام المحاكمات العسكرية الجائرة لثلةٍ من أعظم ما أنجبتها مصر المحروسة.. مجموعة بارزة من قيادات جماعة الإخوان المسلمين الأبية الصامدة، وعلى الرغم من أننا قطعنا مسافاتٍ طويلة منذ الصباح الباكر لحضور المحاكمات الظالمة، وأردنا أن تقر أعيننا برؤيةِ إخواننا وأحبتنا في الله، إلا أن العسكر رفضوا دخولنا لقاعة المحكمة بعد أن عزلونا في كافتيريا بعيدة عن القاعة، معلِّلين ذلك بأنه غير مسموحٍ بالدخول إلا للمحامين المعتمدين والأقارب من الدرجة الأولى.

 

وعندما سألناهم: لماذا لا ندخل لقاعة المحكمة كأي محكمةٍ؟ كانت المفاجأة المدوية، وهي أن هذه منطقة عسكرية محظور على المدنيين دخولها، وهنا كانت المفارقة، أليس إخوانُنا القابعون في تلك المحكمة العسكرية من المدنيين؟ فلماذا يُحاكَمون هناك؟ بل لماذا أصلاً دخلوا هذه المنطقة العسكرية المحظور على المدنيين دخولها؟!

 

إن إحالةَ رئيس الجمهورية لهؤلاء الشرفاء من خيرة أبناء الوطن هو إعلانُ براءة لهم وكتابة اعتراف ظاهر بمداد أسود بظلمهم؛ لأن السؤالَ الكبير المطروح بقوة هو: لو كان هؤلاء الشرفاء مدانين فلماذا لا يحاكَمون أمام قاضيهم الطبيعي، كما نصَّ الدستور ونصَّت الشرائع السماوية والأرضية بذلك؟ بل أفرجت عنهم محكمة مدنية أكثر من مرة.

 

إن الظالمين المستبدِّين وأعوانهم من الغرب الصليبي الذي صمت كصمت القبور، وهو الذي يدَّعي- زيفًا وزورًا- تمسُّكه بحقوق الإنسان أبَوا إلا المحكمة العسكرية حتى يضمنوا الأحكام القاسية الظالمة سلفًا لهؤلاء الأحرار الشرفاء.

 

دعك من الاتهامات الزائفة العفنة التي أزكمت الأنوفَ؛ من غسيل أموال وإرهاب وتمويل جماعة محظورة والانتماء لتنظيم محظور، وما إلى هنالك من الإسفاف البغيض.. إن القضيةَ أكبر من ذلك، إنه الزلزال الإسلامي الذي يخشاه الغرب والعدو الصهيوني، إن هذا الزلزال سيُعيد للأمة كرامتَها وعزتَها ونهوضَها الاقتصادي والثقافي والعسكري، إنه الخطر الداهم على العدو الصهيوني وبقائه والمنافس القوي والعملاق لنهضة الغرب.

 

قولوا لي بالله عليكم ما ذنب أشرف وأروع وأكرم من أنجبتهم مصر لكي يظلوا في "ماراثون" من المحاكمات العبثية منذ أكثر من عام؟!

 

ذنبهم أنهم إخوان مسلمون، عرفوا الله، وعرفوا الحق، وعرفوا كيف يخدمون وطنهم وأمتهم العربية والإسلامية..

 

ذنبهم أنهم سبب نهضة الأمة التي أراد لها أعداؤها أن تظل منكَّسةً لا تعلو أبدًا، منخفضةً لا ترتفع أبدًا..

 

ولكن هيهات هيهات!! فلن ينالوا منهم ولا منا بإذن الله، ولقد ذهبنا إلى تلك المحاكمات الظالمة لنرسل أكثر من رسالة.

 

1- ذهبنا لنتضامن مع إخواننا المظلومين الذين أحببناهم وربما لا نعرف أكثرهم معرفةً شخصيةً، وربما لم نرَ أغلبهم في الأحوال العادية؛ وذلك لنُطبِّق إسلامنا الجميل في حبٍّ صادقٍ وأخوَّةٍ متينة.. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: من الآية 10)، والأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، ولنعلن حبَّنا وأخوَّتنا لهم ونقف إلى جانبهم في محنتهم، وندعو لهم أن يفكَّ اللهُ أَسرَهم وينصرَهم على أعدائهم، ولن تحُول القيود والسجون من حبِّنا وتآلفِنا مع إخواننا، وهذه هي القوة الثانية قوة الأخوَّة، وتأتي بعد القوة الأولى قوة العقيدة.

 

2- إن الإجراءات التي اتخذها الظالمون وأعوانهم- برغم قسوتها- لن تفتَّ في عضدنا، وستزيدنا إصرارًا وعزيمةً على المضيِّ قدمًا في طريق دعوة الله؛ حتى ينتصر الحق أو نهلك دونه.

 

3- هؤلاء هم قادتنا وأحباؤنا قدموا القدوةَ والمثل في التضحية والفداء لأجل ديننا ودعوتنا ولرفعة أوطاننا، وها هم يقدِّمون ضريبةً غاليةً من أموالهم وأنفسهم والبعد عن أهلهم وذويهم قُربانًا لله تعالى.

 

4- إنَّ بروزهم للشعب والعالم سيجعل منهم قادةً وأئمةً يُقتدى بهم.. ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾ (القصص)، وهذه المحاكمة الجائرة إحدى حلقات الاستعلاء والتمكين للمؤمنين بإذن الله.

 

5- أرادوا أن ينالوا من الأهل والأولاد والأصحاب والأقارب، فوجدناهم صابرين محتسبين أوفياء أقوياء بالحق لم تلن لهم قناة، ولم تضعُف لهم عزيمة، راضين محتسبين، صابرين على ما أصابهم من فراق الأهل والأحباب والأصحاب، وعلى الرغم من نهب أموالهم وضياع تعب عمرهم.

 

جلسنا ندعو لإخواننا ونتواصَى بالصبر والحق، وأنشدنا أحدُ إخواننا بصوتٍ نديٍّ ولحن عذب جميل: "مسلمون مسلمون مسلمون.. حيث كان الحق والعدل نكون"، وكذلك الأنشودة الجميلة "في حماك ربنا.. في سبيل ديننا، لا يروعنا الفنا.. فتولى أمرنا، واهدنا إلى السنن".

 

لم نعبأ بحرٍّ ولا زمهريرٍ، بل شَغلنا أنفسَنا بالذكر والدعاء، وكأننا نرى إخواننا وأحبَّتنا في المحكمة رأي العين.

 

وعندما مال قرصُ الشمس في قلبِ الصحراء وحلَّ المساء وبعد تلاوة أذكار المساء لم أحسّ بطعم هذا الدعاء الرائع من قبل، كما أحسستُ به مساء هذا اليوم "اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعتْ على محبتك، والتقت على طاعتك، وتوحَّدت على دعوتك، وتعاهدتْ على نصرةِ شريعتك، فوثِّق اللهم رابطتها، وأدِم ودَّها، واهدها سبلها، واملأها بنورك الذي لا يخبو، واشرح صدورها بفيض الإيمانِ بك وجميل التوكل عليك، وأحيِها بمعرفتك، وأمِتها على الشهادة في سبيلك، إنك نعم المولى ونعم النصير".. اللهم آمين.

 

وعندما أسدل الليل سكونه عُدنا أدراجَنا إلى بيوتنا، وعلمنا من إخواننا المحامين كيف فنَّد الدفاع بسهولة وقوة الاتهامات الباطلة الموجَّهة لأحبابنا، وتحدَّث عن تاريخ الجماعة الرائدة الصامدة، وسعدنا وابتهجنا بفرجِ الله القادم، ولأنَّ سلامنا قد وصل إلى أحبابنا في تواصُلٍ دائمٍ لا تحدُّه حدود، ولا تقف أمامه سدود.