لا أعتقد أن هناك اختلافاتٍ جذريةً في الكيفية التي تُجرى بها الانتخابات في كل دول العالم الثالث على السواء- باستثناء دولة أو دولتين- تتساوى في ذلك مصر وكينيا!!.
يبدأ الإعداد للانتخابات في تلك الدول مبكِّرًا بقراءة نتائج آخر انتخابات تم تزويرها؛ لاستخراج العبر والعظات، ثم البحث عن كافة السبل للتضييق على المعارضين؛ فبعضهم قد يصلح معه الاعتقال، والآخرون قد يجدي معهم التضييق، بينما الذين يتمتعون بقدرات جماهيرية فيبدأ "ترزية" القوانين في وضع لوغاريتمات سياسية وعوار دستوري لإقصائهم، بعد إذن الحلفاء المتحضرين، بزعم أن هؤلاء الشرذمة القليلين متمردون على احترام الذات الكبرى للدول العظمى.
ثم تبدأ الانتخابات بوابلٍ من الاعتقالات والحصار والتسويد والتزوير تحت سمع العالم وبصره وتفهُّمه.
يلي ذلك إعلان النتائج في أجواء احتفالية كاذبة تفوح منها رائحة العفن الرسمي والتواطؤ الدولي!!.
مصر وبدايات الفكر جديد
كانت الانتخابات الأخيرة في مصر أكبر من مجرد عملية تزوير لإرادة شعبٍ دون أن يلتفت ولو التفاتةً بسيطةً، هي خطيئة مجتمع وجناية أمة!.
هناك موظفون قاموا بالتزوير دون تأنيب ضمير، وموظفات شاركن فيه بلا خجل، وملتحون دُفعوا في اتجاهه، وشباب وفتيات في سنِّ الزهور أمَّنوا الطريق، وسائقون نقلوا المزورين من لجنةٍ لأخرى، وإعلامٌ غضَّ الطرف، وأكاديميون قنَّنوا، ومسئولون باركوا، ونظام ارتكب الجريمة بكيفيةٍ تفتقد كل معاني التحضر، خلَّفت ضحايا رجالاً ونساءً!!.
لم يُسمح لمندوبي أي مرشح بالدخول ما عدا مرشحي الوطني.. كل لجنة كان بها ستة أفراد نصفهم رجال أمن!! كان المصوتون- على قلتهم- يُمنعون من الدخول؛ فقد قال الحارس عند إحدى اللجان بعد خمس ساعات من بدء التصويت: "إن عدد الذين دخلوا من الجمهور 4 أفراد"، رغم ذلك قال الموظف الإداري الذي يرأس اللجنة: "لقد بلغ عدد المصوتين 416 شخصًا"، بعدها بقليل تم ملء الصندوق عن بكرة أبيه!!.
حينها كان أحد أفراد الأمن المركزي يمشي وأصابعه الأربعة مغموسةً في الحبر الفسفوري وهو يضحك ببلاهة!.
لم تكن هناك انتخاباتٌ على الإطلاق!!
المباراة كانت من طرف واحد، هو الحكم، والخصم، والمساعد، وحامل الراية، والمراقب، وحينما مُنع الفريق الآخر من الدخول كان الفريق البطل يتناقل الكرة بتثاقل ويسجل في المرمى "الخالي"، ثم يصفقون ويهللون، ويكبرون ويتبادلون التهاني على إنجازهم التاريخي!!.. "ألف خيبة".
وكتب البعض في الصحف مقالاتٍ تتناول الحدث التاريخي الذي اكفهرت بصدمته الديمقراطيات العريقة!!، وتحدثوا كثيرًا عن الإشراف القضائي- رغم أن القضاة أنفسهم نفوا ذلك بشدة- وتحدثوا بفخرٍ عن النزاهة والشفافية وقدرة الوطني على الحشد والفوز الكاسح!!.
لم تكن أبدًا الإشكالية في المقام الأول عزوفَ الشعب عن المشاركة، لا يجب أن نخدع أنفسنا، ما حدث قبل الانتخابات (من ترويعٍ، واعتقالاتٍ، وخطفٍ، وتضييقٍ، وإغلاقٍ، ورقابةٍ بشعةٍ وصلت إلى درجة أن أهالي إحدى قرى محافظة المنوفية استنجدوا بالأمم المتحدة لإرسال قوات حفظ سلام!!) يطرح سؤالاً مهمًّا عن مسئولية الشعب السياسية والأخلاقية تجاه ما يحدث!!.
أعتقد أنه قبل أن نُشجِّع الشعب على المشاركة في العملية الانتخابية، لا بد أن نطرح رؤيةً لتحسين الواقع السياسي بما يضمن ممارسةً ديمقراطيةً سليمةً في أجواءٍ إنسانية.
بالتأكيد الشعب يتحمل جزءًا من المسئولية؛ لأنه لم يحاول انتزاع بعض هذه الحقوق، وكأنَّ الانتخابات لا تهمه من قريبٍ أو بعيد، وكأنها في دولة أخرى؛ لذا كثيرًا لا يلتفت، ولا يشارك، وربما لا يسأل عن النتائج!!.
كما تتحمل النُّخب المسئوليةَ الكبرى بعدم امتلاكها خطابًا جماهيريًّا واعيًا يحرك الشارع حركةً منضبطةً للمحافظة على حقوقه بعيدًا عن الموازنات والموائمات.
كيباكي: "كينيا بتتقدم بينا"
حاول كيباكي أن يقلِّد هذه الممارسات السابقة، لكن أعين الشعب الكيني- الأكثر تحضُّرًا- كانت مفتوحةً على مصراعيها.. رفضوا الاعتراف بالنتائج، واتهموا الرئيس بالتزوير!!.
الولايات المتحدة- المصابة بالعمى التاريخي والشطط المستطير- أسرعت بالإعلان عن اعترافها بالنتائج، بينما الاتحاد الأوروبي رفضها؛ لوجود شبهة "أن الرئيس كيباكي قام بتعيين لجنة انتخابات مهمتها الوحيدة تزوير نتائج الاقتراع"، ثم سحبت الولايات المتحدة اعترافها وسجَّلت اعتراضها!!.
وأدَّت الإضرابات التي أعقبت نتائج الانتخابات إلى مقتل مئات الأشخاص حتى كتابة هذه السطور؛ بعضهم قضى نحبه في حرق كنيسة بمَن في داخلها، كما أسفرت أعمال العنف عن تشريد 100 ألف مواطن كيني.
وفي كلمته بمناسبة العام الجديد، تعهَّد كيباكي بإنهاء أعمال العنف ونشر السيطرة الأمنية في ربوع كينيا، وقال إن حكومته ستتعامل بحزمٍ مع مَن وصفهم بمثيري الشغب!!.
جماهير الاستبداد!
في مصر وقف أحد نواب الحزب الوطني يدافع عن حقه في 225 ألف جنيه أعطتهم إياه الحكومة من أموال الشعب قائلاً: "الجماهير معنا"!!.
بينما المعارضون كانوا يعتبرونها رِشوةً مقننةً من الحزب للسيطرة على نوابه، ويسود اعتقادٌ أن الجماهير في دائرة النائب لم تعرف أن هناك أموالاً تُصرَف!!.
كما لم تعرف عن وظائف الفرصة الوحيدة التي مُنحَت للنواب، أو المائة ألف جنيه التي صُرفَت العام الماضي "نظير موافقتهم على التعديلات الدستورية"، ولم تسمع عن تأشيرات الحج، كما أنها لم تسمع عن النائب أيضًا!!.
التوصيف
النظم الاستبدادية على اختلاف هوياتها أدمنت الكذب، وفقدت الحياء والخجل؛ فهي لا تحترم الشعب، وتعتقد أنها وحدها لها حقُّ التصرف في أرواحه وصحته وأمواله، ولها الوصاية على أبنائه ونسائه ودمائه!!.
لأنها تعتقد بوضاعة الشعب وتفاهة قضاياه، وتعتقد أنها وحدها تمتلك السلطة والحقيقة؛ لذا فهي أكبر من الاستماع لرأيه أو الانصياع لخياراته.
فماذا يساوي شعبٌ لم يتدخل في العملية السياسية على مدار نصف قرن؟!.
كلهم في الحقيقة فرز صندوقًا واحدًا لم يحمل في جعبته سوى بطاقات سوداء مغلفةٍ بالكراهية (في غياب الشارع) لنظمٍ لا تجيد- في المنافسة- سوى التسويد والمكر والتزوير، وفي الواقع لا تجني سوى الفوضى والأزمات!!.