جمال ماضي

 

أعلن البيت الأبيض عن زيارة بوش لمنطقتنا لأول مرةٍ بعد زياراته خلسةً بالليل مناطق الدماء في العراق وأفغانستان, وقد جاء الإعلان تحت مسمى "إحياء السلام", وكأنَّ البيت الأبيض في عالمٍ أبيض ونحن يلفنا السواد ولا ندري, أو أن العالم الثالث الذي يزوره في دنيا أخرى لا تعي ولا تفهم!.

 

وقد شهد القاصي والداني في عالمنا موتَ السلام، وكان آخر المدفونين معه مؤتمر "أنابوليس" الذي وُلد ميتًا، وقد قدمنا آنذاك واجب العزاء في برقيةٍ أرسلناها لبوش.

 

فهل هذه الزيارة تحقق المعجزات في زمن التكنولوجيا وتحيي السلام وهو رميم؟!, أم تأتي الزيارة لأن بوش- وهو يستعد للرحيل عن البيت لأبيض- فوجئ بأن ألبوم صوره فيه صفحاتٌ فارغةٌ من عالم لم يُعره اهتمامًا, فأراد ملء الفراغ بصورٍ تذكاريةٍ والسلام؟!, وربما من هنا أعلن البيت الأبيض هدف الزيارة السلام!!.

 

أم أن الزيارة فرصةٌ كما سمَّاها أولمرت "العناية الإلهية", قائلاً: "العناية الإلهية حيث يتولى بوش رئاسة أمريكا، وساركوزي رئاسة فرنسا، وأنجيلا مستشارية ألمانيا، وبراون رئاسة بريطانيا".. فهل هي فرصةٌ لـ"إسرائيل" فعلاً؟!، أم أنها تكملةٌ لمأتم أنابوليس؛ حيث يحضر راعي السلام الميت بمباركة من أعضاء فرقته الجنائزية لعزف بعض المقطوعات الموسيقية والسلام؟!.

 

هل ستنجح الزيارة؟

حينما كانت رايس تزور الكيان الصهيوني، ويسأل الصحفيون الصهاينة: هل نجحت زيارة رايس؟, كانوا يقولون: الزيارة تنجح بمجرد وصول رايس إلى واشنطن سالمةً.

 

فهل تنجح زيارة بوش من وجهة النظر الصهيونية, خاصةً بعد حشد أكثر من 8000 جندي صهيوني ومثلهم فلسطيني, ناهيك عن إدارة المخابرات الأمريكية البلاد لإنجاح الزيارة؟.

 

أجندة بوش

وتحمل زيارة بوش- المعجزة أو "العناية الإلهية"- في أجندتها أربعة خوارق يبدأ بها بوش عامه الجديد، بعدما أكَّد السياسيون مأزق إدارته في عام 2007م الماضي, وبعد أفول النجم الأمريكي على يديه، على حدِّ قول المراقبين.

 

أول هذه الخوارق: الإصلاح والديمقراطية، وترجمتها باللغة العربية (الانصياع للمصالح الأمريكية و"الإسرائيلية" مدفوعة الثمن مقدمًا, بما يُعرف بالدول "العدلة" أي المعتدلة, في مواجهة الدول "العوجة", أي الشريرة التي تأكل الأطفال, وتهدد "إسرائيل" البريئة)، ولتذهب الشعوب إلى الجحيم, إلى محاكمات عسكرية, إلى تكميم الحريات, إلى المعتقلات, إلى التجويع والفقر, إلى المرض والغلاء, لا يهم ما دامت "إسرائيل" المدللة بخير!!.

 

وثاني هذه الخوارق: وقْف ما أسمته أمريكا بالإرهاب, وترجمتها باللغة العربية (وقف المقاومة المشروعة التي اختارتها الشعوب، وهي في كامل قواها العقلية, والتي أحدثت- وما زالت- بصواريخها الباسلة صداعًا داخل الكيان المعتدي المحتل), فلا بد من التنسيق لتصفية الإرهابيين, والحفاظ على صحة وعافية "إسرائيل" من الصداع غير المحسوب، وفق رأي بعض رؤسائنا النجباء.

 

وثالث هذه الخوارق: وقْف التهديد النووي الإيراني، حتى ولو جاءت التقارير الاستخباراتية الأمريكية نفسها بالعكس؛ فهو "تهديد نووي"، حتى ولو حضر الرئيس الإيراني مجلس التعاون الخليجي مع أشقائه العرب؛ فهو "تهديد نووي", وترجمته باللغة العربية (تهديد لأمن "إسرائيل" مغلف بتهديدٍ لدول الخليج التي أعلنت أنها راضية وغير مهددة).

 

وقد دعت السعودية رئيس إيران للحج ولم يُفجِّر الحجاج، ولكنها- رغمًا عن آبائها بني قحطان وبني عدنان وقبائل شيبة- هو تهديد إيراني!!.

 

ورابع هذه الخوارق: الدعم لـ"إسرائيل", وقد بحثتُ في قواميس العقلاء عن ترجمة هذه العبارة, فلم أجد لها ترجمةً, وبحثتُ في أمهات الكتب وآبائها عن معنى هذه العبارة فلم أجد لها معنى, أي دعم لـ"إسرائيل" التي تستقبل الزيارة؛ دفاعًا عن نفسها بالاجتياح والاعتقال، والقتل والتدمير وسرقة الأراضي, بعد 412 شهيدًا و1500 جريح، وأكثر من 4600 تعرضوا للاعتقال خلال العام الماضي فقط؟!.

 

الفرصة الأخيرة

وكعادة "الإسرائيليين" يفرضون واقعًا جديدًا حتى يربكوا حسابات الأطراف الأخرى, فلا تدري بأي شيء تطالب؟.. بإصلاح الأوضاع القديمة؟، أم بإزالة الواقع الجديد؟, وكل ذلك كفيلٌ بوصول القضية الفلسطينية إلى كل الطرق المسدودة؛ فورقة المستوطنات كانت قبل أنابوليس، وبعدها الورقة الجديدة والتي أوقفت مهزلة وعبث ما أطلقوا عليه المفاوضات.

 

أولمرت يقول: "لقد أعلنَّا أننا لن نبنيَ مستوطنات جديدة وفي داخلي أريد الالتزام بهذا الوعد, ولكن يجب عليَّ الإقرار بأن بناء المستوطنات مستمرٌ حتى الآن"!! يهودي والله.

 

واليوم يطلقون الفرصة الأخيرة ليسيل اللعاب العربي الذي إن تحمل عليه يلهث، وإن تتركه يلهث.. فهل تعني زيارة بوش الفرصة الأخيرة فعلاً قبل رحيله من البيت الأبيض؟.

 

ترجماتٌ لمَن يهمه الأمر

لقد حذَّر خالد مشعل مؤخرًا مما أسماه "الخط السياسي الجديد", والذي بالفعل رأيناه اليوم يتحرك كالثعبان السام؛ ولذلك نقدم هذه الترجمات لمَن يهمه الأمر:

1 - سياسة الجلوس على مائدة المفاوضات لأكل ما لذَّ وطاب, يعني ذبيحة على مائدة اللئام.

 

2 - سياسة عدم الحوار مع حماس للخروج من التصدع الداخلي، يعني تقديم الشاة الشاردة إلى الذئاب.

 

3- سياسة مفاوضات رغم المذابح والمجازر هي المزيد من الاجتياحات والتنازلات، والاعتقالات والدماء، والاغتصاب للأرض والكرامة.

 

4- سياسة القضاء على المقاومة والتضييق عليها واعتقال المقاومين هي هوانٌ وتسليم ما تبقى من فلسطين لـ"إسرائيل".

 

5- سياسة الحزن والبكاء والخوف على مقتل الجنود الصهاينة والتنديد بالبطولات الاستشهادية جنونٌ وخبلٌ وخللٌ عقلي.

 

وهكذا تأتي زيارة بوش وتحمل معها عنواناً يقول: "الرعاة باتوا ذئابًا".. فهل يفيق عباس ورفاقه؟!.

------------

* gamalmady@yahoo.com