كتب الكاتب الأمريكي جيمس بتراس مقالاً عن الصهيونية التوطينية والصهيونية الاستيطانية، والمقال يحمل العديد من القضايا المهمة التي يجب الإشارة إليها، ولكن مَن هو جيمس بتراس؟.

 

جيمس بتراس- مثله مثل كل المعارضين الجذريين للسياسة الخارجية الإمبريالية للولايات المتحدة الأمريكية- سنجد تناقضًا كبيرًا في رؤية المراقبين له؛ فبينما يراه اليسار والجذريون من مختلف أنحاء العالم مثالاً للمثقف العضوي الفاعل الذي يقول ما يفعل، ويضعونه في نفس مرتبة كبار المثقفين الجذريين الأمريكيين المعاصرين، مثل تشومسكي، وأنجيلا دافيز.

 

نجد أن اليمين ومن يُصنَّفون باعتبارهم لبراليين يرونه معادٍ لليهود، بل وفاشيًّا، ويصل البعض في الغلوِّ إلى اعتباره نازيًّا متخفيًا تحت رداءٍ شعبي.

 

بتراس- أستاذ علم اجتماع- متقاعدٌ حاليًا، وهو يصنِّف نفسه بوصفه جذريًّا معاديًا للسياسة الإمبريالية للولايات لمتحدة، وعمل كثيرًا في دول أمريكا اللاتينية مع حركات العمَّال واليسار، وخاصةً في البرازيل والأرجنتين.

 

له أكثر من 62 كتابًا في شتى مجالات علم الاجتماع السياسي، وما يهمُّنا هنا هو كتابه عن التأثير الصهيوني في السياسة الأمريكية والتأثير الصهيوني على الأقلية اليهودية في الولايات المتحدة.

 

وفحوى رأيه باختصار هي: أن اليهود يشكلون 2% من تعداد السكان في الولايات المتحدة، ولكن تأثيرهم يتجاوز هذا بكثير، وأن تأييدهم الأول يتمحور حول مصلحة "إسرائيل"، كما يرونها بصرف النظر حتى عن مصلحة "إسرائيل" الحقيقية التي قد تكون شيئًا آخر تمامًا.

 

المقال القادم ترجمةٌ لآخر مقالٍ كتبه حول هذا الموضوع، وموجود على موقعه الخاص.
المقال يتحدث عن اليهود الأمريكيين في الحرب والسلام، وعمَّا تقوله لنا استطلاعات الرأي وما لا تقوله.

 

مرةً أخرى أكَّد استطلاعٌ للرأي نشرته اللجنة اليهودية الأمريكية أن ثمة بونًا شاسعًا بين رأي جماهير اليهود الأمريكيين وبين رأي قادة المنظمات اليهودية الأمريكية الأساسية، وخاصةً فيما يتعلق بقضايا ذات أهمية عظمى.

 

مقدمة

يختلف رأي معظم اليهود الأمريكيين فيما يتعلق بمسائل مثل حرب العراق وتصعيد الحملات العسكرية الأمريكية في العراق وزيادة عدد القوات هناك، وأيضًا اتخاذ إجراءات عسكرية ضد إيران اختلافًا بيِّنًا عن رأي قادة المنظمات اليهودية الأمريكية الأساسية.

 

ويؤكِّد معظم المحللين التقدميين واللبراليين والراديكاليين اليهود هذه الفروق الكبيرة؛ وذلك دعمًا لحجتهم القائلة "إن اليهود الأمريكيين يرفضون بشدة عسكرة الشرق الأوسط والسياسة الخارجية للإدارة الأمريكية التي تروِّج لها القطاعات اليمينية في قيادات المنظمات اليهودية الأمريكية"، بيد أن هذا التفسير التقدمي يتجنب سؤالاً حاسمًا أصيلاً: كيف لم تحاول الغالبية العظمى من اليهود الأمريكيين تحديَ الموقف الرسمي السائد في تلك المنظمات؟!، وكيف أن هذه الغالبية لا تأثيرَ يُذكر لها على الكونجرس أو الإدارة أو على وسائل الإعلام مقارنةً بالتأثير الهائل للمنظمات اليهودية الأمريكية الرئيسة؟!.

 

والقول إنها الغالبية الصامتة مردودٌ عليه؛ حيث إن كلَّ المعلقين من يهودٍ أو غير يهودٍ يشيرون إلى ارتفاع معدلات الوعي والمشاركة السياسية لليهود الأمريكيين، بل وأحيانًا بدرجةٍ غير مناسبةٍ لحجمهم عدديًّا، وهم يشاركون في كل شيءٍ، ابتداءًا من الحملة الانتخابية للرئاسة وانتهاءً بجمعيات المجتمع المدني العديدة.

 

وليس من المقبول أيضًا القول بأن الغالبية العظمى التقدمية لا تمتلك المداخيل العالية التي تمتلكها القيادات الرجعية.

 

ثمة العديد من المليونيرات اليهود- بل وبعض البليونيرات- ممن يعارضون آراء قيادات المنظمات اليهودية الرئيسية في الولايات المتحدة، ثمة تفسيرات محتملة يمكنها أن تُوفِّر لنا تفسيرًا لقدرة القيادات اليهودية على تشكيل سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والعنَّة النسبية لغالبية اليهود الأمريكيين.

 

إعادة تحليل الاستطلاع

تشير نتائج الاستطلاع التي تركِّز على إبرازها تحليلات المراقبين التقدميين من اليهود الأمريكيين إلى وجود غالبية يهودية تُقدَّر بنسبةٍ تصل إلى 59% مقارنةً بأقلية لا تتعدى 31%، ترفض هذه الأغلبية طريقةَ معالجة الولايات المتحدة للأمور في الشرق الأوسط، وخاصةً فيما يُسمَّى بـ"الحملة ضد الإرهاب".

 

وتكمن مشكلة الإجابة عن هذا السؤال واستخدامها للتوكيد على وجود رأي عام تقدمي كبير في أن ثمة العديد من الأيديولوجيين الصهاينة وأتباعهم ممن يعارضون طريقةَ معالجة الولايات المتحدة للأمور في الشرق الأوسط؛ لأنها ببساطة ليست عنيفةً ولا سلطويةً بالقدر الكافي لقمع المقاومة أو إخماد الرأي الآخر.

 

من ضمن الإجابات الأخرى في الاستطلاع نجد أغلبيةً تصل إلى 76% مقارنةً بأقليةٍ لا تتجاوز 27% تعتقد الآن أنه كان على الولايات المتحدة ألا تتدخل في العراق، ونجد أيضًا أغلبيةً تصل إلى 76% في مقابل أقليةٍ لا تتجاوز 23% ترى أن الحرب تسير من سيئ إلى أسوأ، أو على الأقل لا تسير على ما يرام.

 

ونرى أيضًا أغلبيةً تتجاوز 68% مقابل أقليةٍ تصل بالكاد إلى 30% تعتقد أن تصعيد الحملة العسكرية في العراق لم يغيِّر شيئًا أو جعل الأمر أسوأ.

 

أهم الآراء هو أن ثمة أغلبيةً تصل إلى 57% من اليهود الأمريكيين الذين شملهم الاستطلاع تُعارض أي هجومٍ عسكري إجهاضي ضد إيران حتى لو كان بغرض "منع إيران من امتلاك السلاح النووي"، ثم يقتبس المحللون التقدميون من الاستطلاع النتائج التي تقول إن غالبية اليهود الأمريكيين يعرفون أنفسهم بوصفهم يفضلون اللبرالية بشكلٍ ما أو غير محافظين (42 إلى 25%)، وأن الغالبية تفضِّل الديمقراطيين على الجمهوريين (58% إلى 15%)، ويعتقد 61% أن الديمقراطيين سيتخذون القرار السليم بخصوص الحرب في العراق.

 

أخيرًا يرى اليهود التقدميون أن المرشحين الديمقراطيين الرئيسيين لمنصب الرئيس أفضل من الجمهوريين بكثير.

 

التحليل السطحي للنتائج يفترض أن اليهود الأمريكيين على شفا شن حربٍ في الكونجرس ضد الحرب، وأنهم على وشك أن يقرعوا طبول السلام لدفع اليهود في أمريكا للانضمام إلى حركة السلام المجهضة.. الواقع أن شيئًا من هذا لا يحدث.

 

أحد الأسباب التي تؤدي لهذه الفجوة بين نتائج الاستطلاع "التقدمية" والسلوك الواقعي المؤيد للحرب الذي تنتهجه المنظمات الرئيسة لليهود في أمريكا هو ما نجده في الآراء التي لا يذكرها المحللون التقدميون، والتي تؤكَّدها المنظمات المحلية لليهود وقياداتها الرجعية (ديلي الرت 13/12/2007م)؛ حيث يتفق 82% من يهود الولايات المتحدة على أن هدف العرب جميعًا ليس استعادة الأرض المحتلة، ولكن هو في الواقع تدمير "إسرائيل"، ولا تتجاوز نسبة اليهود الذين يرفضون هذا الرأي 12%!!.

 

ويعتقد 55% مقارنةً بنسبةٍ لا تتجاوز 37% أن "إسرائيل" لن تصل إلى سلامٍ مع جيرانها العرب، ولن يحلُّوا خلافاتهم أبدًا.

 

وفيما يتعلق بقضية القدس المحورية، يعتقد 58% من يهود أمريكا مقارنةً بنسبة 36% أنه لا يجب على "إسرائيل" أن تتنازل فيما يتعلق بقضية القدس لضمان إطار سلامٍ دائمٍ.

 

وبالنظر إلى أن الغالبية العظمى من اليهود في الولايات المتحدة تؤيد "إسرائيل" تأييدًا أعمى متعصبًا، وأن هويتهم تنبثق أساسًا من ولائهم لـ"إسرائيل" وليس من تمسكهم بالتلمود أو الأساطير أو المعتقدات الدينية، ولا من ممارستهم للشرائع والطقوس، فسنجد أنه من الواضح أن الأغلبية اليهودية التقدمية والأقلية الرجعية من رؤساء المنظمات اليهودية الرئيسية تتفقان على نقطة محورية، ألا وهي تأييد "إسرائيل" وكل تحيُّزاتها ضد العرب، وتأييد نزعتها التوسعية واحتلالها للأراضي الفلسطينية.

 

هذا التمحور حول نقطة الارتكاز تلك يتيح للقيادات الرجعية في المنظمات اليهودية الأساسية في أمريكا أن تتكلم باسم المجتمع اليهودي ككل، وبدون معارضةٍ تقريبًا من الأغلبية التقدمية، سواءٌ داخل المنظمات أو خارجها.

 

يكفي أن ترفع علم "إسرائيل" وتكرر في بلاهة "الأكليشيهات" الخاصة حول تهديد الوجود والقضاء على اليهود... إلخ حتى تجد الأغلبية راضخةً خاضعةً مستكينةً، وتتوارى في خجل كل الآراء التقدمية التي يعتنقونها، وتجدهم يؤيدون في حماسٍ تلك القيادات الرجعية وتعينها في "إسرائيل"، واعتبار أنها المتحدث الرسمي باسم الدولة العبرية.

 

فرفْع تلك القيادات للافتة "أنا مؤيد لإسرائيل" تنهي النقاش بصدد أي أمر آخر، وتخيف أي شخصٍ يظن أنه ينتمي إلى القوى التقدمية اليهودية.

 

ومن ثَمَّ تخضع الأخيرة ككل، وتلتزم بالخط الرسمي، ألا وهو "إن إسرائيل تعرف ما هو أفضل لها"، وبالتالي فهي تعرف ما هو أفضل بالنسبة ليهود أمريكا الذين يجدون هويتهم من خلالها، ومن ثَمَّ من خلال تلك القيادات.

 

العنصر المهم الثاني في تقويض النشاط المحتمل لليهود التقدميين في أمريكا ضد السياسات العدوانية العنيفة التي تنتهجها الولايات المتحدة و"إسرائيل" في الشرق الأوسط- لبنان، فلسطين، إيران، العراق- هو تأثير الرأي العام الإسرائيلي.

 

يوضح تقرير نُشر في صحيفة "هآرتس" الصهيونية (9-12-2007) عن تقرير حقوق الإنسان السنوي في "إسرائيل" أن ثمة ارتفاع ملحوظ في الحوادث المعادية للعرب بنسبة 26%، ويؤكِّد التقرير أن عدد اليهود الذين يعبِّرون عن كراهيتهم المكشوفة وحقدهم على العرب قد تضاعف مرتين، ويرفض 50% من اليهود "الإسرائيليين" منح حقوق مواطنة مساوية للعرب.

 

ووفقًا لدراسة أجرتها جامعة حيفا، فإن 74% من الشباب اليهودي في "إسرائيل" يعتقد أن العرب قذرون.

 

يعاني اليهود التقدميون الأمريكيون الموجودون في دولةٍ عنصرية استعمارية من تناقضٍ وجدانيٍّ عنيف.

 

هل يتفاعلون مع الواقع وفقًا لآرائهم التقدمية، وبالتالي ضد هويتهم الأولية؟، أو أن يؤيدوا "إسرائيل" وسيخضعون لمن يمتلكون التوكيل الخاص بها- وهم أولئك القادة- وهنا يتخلون عن آرائهم التقدمية؟.

 

بالنظر لهذه المعضلة سيفرِّق المحلل الجاد بوضوح بين الآراء و الالتزامات، بينما يمكن أن تعبر غالبيةٌ ضخمةٌ من اليهود الأمريكيين عن آراء تقدمية يظل التزامهم الأساسي قائمًا على هويتهم بوصفهم يهود، وبالتالي على تعيينهم في "إسرائيل" كدولة عبرية، وبالتالي خضوعهم للأبواق المتحدثة باسمها في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

وربما يفسر لنا هذا لماذا يأبى اليهود التقدميون في أمريكا نقدَ القيادات اليهودية الرجعية في التنظيمات الرئيسة لليهود في أمريكا، وبالطبع لا يجرؤ أي فرد من هؤلاء التقدميين على نقد أو مهاجمة الشخصيات السلطوية المؤيدة لـ"إسرائيل".

 

لقد تنازل اليهود التقدميون عن أي رأي تقدمي يعتنقونه لمصلحة ولاءٍ مطلقٍ لـ"إسرائيل" وتعيين كاملٍ فيها.

 

وهذا يعني- على المستوى التنظيمي- أن تظل المنظمات اليهودية الأمريكية تحت قيادة الديناصورات المؤيدة لـ"إسرائيل" والمؤيدة للحرب، وتظل المنظمات اليهودية التقدمية على هامش الخريطة التنظيمية، ولا تأثيرَ يذكر لها سواءٌ على صناعة القرار أو الرئاسة أو الكونجرس أو وسائل الإعلام، وبالطبع لا يأبه لها مؤيدو الحرب في الكونجرس من الحزبين الرئيسيين.

 

ويقع المحللون الأمريكيون التقدميون الذين يذكرون أن ثمة دعمًا يهوديًّا كاسحًا للحزب الديمقراطي ومرشحيه الرئيسيين الثلاثة، وأن اليهود يفضلون اللبرالية على المحافظة، وبالتالي يصلون إلى استنتاجٍ مفادُه أن اليهود يرفضون رؤية القيادات الرجعية للمنظمات اليهودية الأمريكية الرئيسة في خطأٍ منهجي رهيب.

 

علينا أن نتذكر أن اللبراليين- مثل عائلة كلينتون- كانوا من مؤيدي الحرب على العراق، وهم من أشد مؤيدي اتخاذ خطوات صارمة ضد إيران قد تصل إلى شن هجوم إجهاضي.
ولقد دعَّمت الغالبية الديمقراطية في الكونجرس كل تصعيد عسكري ممكن طلبته الإدارة الجمهورية في العراق.

 

إن القول "إني أؤيد الديمقراطيين اللبراليين" ليس مؤشرًا على كوني تقدميًّا بصدد القضايا الخارجية، بدءًا من حروب الشرق الأوسط وانتهاءً بمحاولات تقويض النظام في فنزويلا.

 

التناقض الواضح الذي يعاني منه اليهود التقدميون المعادون للحرب، والذين يتبرعون بأموال كثيرة للديمقراطيين المؤيدين للحرب ينبع أساسًا من تأييد الأخيرين غير المشروط لـ"إسرائيل"؛ مما يقطع الطريق تمامًا على أي خلافٍ آخر في الرأي، وهو ما لا يراه النشطاء السياسيون التقدميون من اليهود.

 

وبينما تقود السلطة المؤيدة لـ"إسرائيل" في أمريكا الطريق نحو التكتم على تقرير المخابرات الذي يشير في ديسمبر 2007م إلى عدم وجود برنامج نووي حربي إيراني، نجد أن الرأي العام اليهودي يصمت أو يتوارى في تواطؤ، والأسوأ أن اليهود التقدميين من النشطاء في حركات السلام قد عملوا دائمًا على أن يكونوا حراسَ البوابة في حركة معارضة الحرب؛ وذلك لمنع أي انتقاد قد يوجَّه إلى "إسرائيل" وإلباس يافطة "معادٍ لليهود" (ANTI SEMITE) لكل فردٍ أو مواطن من النشطاء الناقدين للوبي الصهيوني المؤيد للحرب.

 

الحقيقة هي أن استطلاع الرأي الذي أجراه "ل. ي. أ" سيلقى ترحيبًا أكبر لو تحوَّل من مجرد شقشقات مجالس فردية إلى فعلٍ حقيقي لا تهدده فكرة الالتزام بالتعيين في "إسرائيل".

 

تحليل المقال

قد يبدو المقال للوهلة الأولى معادٍ لليهود، وهو ما يحرص الكثير من النقاد الراديكاليين أيضًا على إلباسه لبتراس.

 

في تقديري إن هذا غيرُ صحيح؛ ففهم المقال كأطروحة معارضة للصهيونية وللسياسات العدوانية للإدارة الأمريكية و"إسرائيل" يزداد أساسًا عبر استخدامنا لمفهومين أساسيين قدَّمهما الدكتور عبد الوهاب المسيري لتحليل الصهيونية، هما: مفهوم الصهيونية الاستيطانية المعبِّر عن الحركة الاستيطانية لليهود الصهاينة على أرض فلسطين، والذي يتسم بصبغة تاريخية اجتماعية.

 

بمعنى أنه يفسر الدور الذي لعبته حركاتٌ مثل "الهاجاناه" و"شتيرن" و"اليهودية العمالية"... إلخ، وأيضًا يفسِّر- على المستوى الاجتماعي- دور اليهود السوفييت، وهجرة اليهود من دول الستار الحديدي إلى "إسرائيل"، وفكرة المستوطن الخمس نجوم... إلخ؛ مما يساعد على فهم الواقع الاجتماعي المتشابك والمركب في "إسرائيل"، ويساعد على فهم طبيعتها العنصرية حتى ضد اليهود.

 

والمفهوم الآخر هو مفهوم الصهيونية التوطينية، وهو مفهومٌ تاريخي سياسي أكثر منه اجتماعي، بمعنى أنه يفسِّر أكثر الدور الذي يلعبه أساسًا يهود الولايات المتحدة الأمريكية في دعم "إسرائيل" بدون أدنى رغبة في الهجرة إليها، بل وأحيانًا انتهاج سياسات تزايد على سياسات الحكومة "الإسرائيلية".

 

مثلما نرى مثلاً في موضوع القدس وفقًا لتصريحات أولمرت الأخيرة، سنجد أن هناك اتجاهًا متزايدًا نحو التخلي عن القدس القديمة، بينما سنجد أن الغالبية العظمى من يهود أمريكا ترفض حتى أي مساومة في هذا الصدد.

 

أتصور أيضًا أن تكريس الخطاب الانتحاري الزاعق في المنطقة العربية وسيادته يؤدي إلى تزايد الدور الذي تلعبه الصهيونية التوطينية في السياسات الخارجية الأمريكية؛ حيث يحدث نوعٌ من التماهي الكامل بين سياسات عدوانية إمبريالية وبين سياسات عنصرية إمبريالية تهدف إلى إحداث نوعٍ من التطهير الذاتي عند المواطن اليهودي الأمريكي؛ خشيةَ اتهامه بكراهية الذات، وهي التهمة التي تُلصَق بكل يهودي يتجرأ على نقد سياسات "إسرائيل"، بما في ذلك مفكرون عظام مثل تشومسكي أو فنانون كبار مثل وودي آلان.