هيثم أبو خليل

 

دخلنا في عام 2008م، ولا زالت مصر بلا منظمات مجتمع مدني.. تعالوا ننظر سويًّا لحال أكثر منظمات المجتمع المدني فاعليةً في مصر مع بداية العام جديد:

 

(1) الأحزاب: تم كبتها وعمل سياج حديدي تدور حوله، ومَن يحاول الخروج عن الخط المرسوم له يتم تفجير الحزب من الداخل عن طريق أذنابٍ للنظام يتحركون بـ"الريموت كنترول".

 

وبنظرةٍ سريعةٍ لحال الأحزاب المصرية الآن تجد العجب؛ فلكل حزبٍ رئاسةٌ منافسةٌ يتم التلويح بها لو تم سماع نَفَسٍ للرئاسة الحالية، حتى صحف الأحزاب لم تسْلم من الكيد لها؛ فتم تحييدها وتمييعها عن طريق افتعال صراعاتٍ مع أجنحة مختلفةٍ من هذه الأحزاب.

 

حتى الحزب الوليد (حزب الجبهة الديمقراطية)، فقد تلقَّى صدمةً كهربائيةً عاتيةً في أول ممارسةٍ فعليةٍ له في انتخابات دائرة المنيل، وكان يتصوَّر خطأًً أن النظام لا يزور إلا عند وجود مرشح الإخوان، فإذا به يرى وجه النظام الحقيقي الذي يزور على نفسه بعد أن أُصيب بسلس تزويري مزمن!!.

 

(2) النقابات: تم تجميدها منذ 13 عامًا، وأصبحت أجيالٌ متتاليةٌ من الخريجين لا يعرفون معنى كلمة نقابة إلا من "كارنيه" يحملونه ممهورًا بتوقيع حارس قضائي من الممكن ألا يكون من أبناء مهنته ونقابته!!.

 

فبعد أن كانت هذه النقابات تقدِّم خدماتٍ بلا حدود لأعضائها، من مشاريعِ إسكان ورعاية صحية حقيقية، ومعارض سلع معمرة متميزة قدَّمت سلعًا ضروريةً ومهمةً لأعضائها بالتقسيط وبأقل نسب مرابحة، كذلك توفير السيارات والأثاث، وتجهيز المشروعات الصغيرة للمهندسين، وتجهيز العيادات للأطباء أيضًا بالتقسيط، وعمل ندوات علمية وورش عمل لقضايا كل مهنة والعمل على النهوض بالمهنة وأصحابه، خلاف نشاط اجتماعي رائع من ندواتٍ تغطي جميع مناحي الجوانب الاجتماعية للأعضاء، واهتمام مميز بأبناء الأعضاء في كل مهنة، وكذلك الزوجات اللاتي تم تخصيص لجنة نشاط نسائي لهن.

 

إلى رحلات تجوب جميع محافظات مصر، وكذلك رحلات العمرة والحج، ورحلاتٍ للدول الأوربية، ورحلات لحضور المؤتمرات العلمية خارج مصر، هذا بالإضافة إلى إنشاء نوادٍ اجتماعية نقابية رائدة للأعضاء، ومصايف في الإسكندرية ومطروح.

 

ولا ننسى الدور المهم والفعَّال الذي حملته النقابات على عاتقها في الجانب السياسي، بتبنِّي قضايا مصر الداخلية، وتعدى دورُها خارج مصر.

 

وهل ننسى قضية البوسنة والهرسك وقضايا فلسطين وتفاعل النقابات الرائع معها، وكذلك ملف العراق، والمجهودات الجبارة التي بُذلت في إرسال معونات وجمع تبرعات، بل ووصل الأمر إلى إرسال أطباء ومهندسين للمساهمة في الإعمار وفي تضميد الجراح.

 

فجأةً انقلبت هذه الملحمة في عام 1996م، وأثَّر تمرير ( قانون 100) المشبوه للنقابات، والذي وضع شروطًا خياليةً وتعجيزية لإجراء الانتخابات في أي نقابة، وجعل من رئيس محكمة مسئولاً عن الدعوة لإجراء الانتخابات بدلاً من أعضائها!!.

 

(3) النوادي الرياضية: لم تسلم من التحييد، وأصبحت منغلقةً على روَّادها، ولا يظهر لها أثرٌ ممتدٌ خارج أسوارها، وتفاعلها مع مشاكل المجتمع أصبح شكليًّا ومظهريًّا، وعند عقد ندوة أو مؤتمر بها تجده لمناقشة أبطال مسلسل أو فيلم!!.

 

وحتى دورها الرياضي لم تنجح فيه، ولم يكن لها أثرٌ على شباب الأمة بأسره؛ فدورها انتقائي كما أسلفنا لأصحابها ولروادها، فلم تخدم الرياضة ولم تخدم المجتمع المحيط بها.

 

والعجيب والمذهل أن اسم أكبر نادٍ في مصر (الأهلي)، ولا أعلم عن أي "أهلي" يتحدثون؟؟. 

 

 (4) الاتحادات: ونتناول هنا الطلابية منها، ونعلم جميعًا الجريمةَ الشنعاءَ الذي ارتُكبت في حقهم، من تزويرٍ فاضحٍ فاجرٍ، أو إقصاءٍ غير مبرَّرٍ، ولن نطنطن مرةً أخرى بكلماتٍ مثل: أن استبعاد ممارسة السياسة داخل الجامعة من شأنه زيادة الاحتقان، بل انسداد الحياة السياسية في مصر، ولن نزايد ونقول إن النظام المصري يبدع في الاستهانة حتى بشباب الجامعات، القوى الفاعلة للتغيير في أي مجتمع؛ فالأمر قد بدا أنه لا يوجد فرقٌ كثيرٌ!!.

 

نقف ننظر أين طلاب مصر مما يحدث على أرض مصر؟!.

فلم يكفهم إلغاءُ لائحة 77 والعمل بلائحة 79؛ فهم يريدون الأسوأ ما دام الجميع في صمت مطبق؛ فلا بد أن يغرق الصمت في صمت مغرق؛ لكي تمر ملفات أخرى بعد أن مر "الكويز" والخصخصة وبيع البلد، فلا بد ألا يكون هناك صوت ولو داخل المدرج أو حتى "السيكشن"!!.

 

(5) الغرف التجارية: ولقد كان تدخل النظام في انتخاباتها الأخيرة صريحًا بلا حياء أو مواربة؛ فلا مجالَ عنده لتسلل مَن يقول لا لتطبيع اقتصادي، أو مَن ينحاز للفقراء، أو يمنع احتكارًا أو يعترض على قراراتٍ عشوائيةً أو سياساتٍ متسرعةٍ غير مدروسة.

 

فانقلب دور الغرف من دور تجميعٍ للمواقف وتنسيقٍ للمصلحة العامة إلى "بيزنس" آخر يحتكره الكبار، ولو نظرت لبعض السلع الاقتصادية المهمة المستوردة، مثل الزبد الأصفر- على سبيل المثال- وتعجبتُ من ارتفاع سعرها الجنوني، فستجد أن مَن يحتكرها ويتحكم في سعرها عضوٌ في رئاسة مجلس إدارة إحدى هذه الغرف!!.

 

(6) الجمعيات الأهلية: ولها العديد من الأشكال، وللأسف أصبح ملفها أمنيًّا بدلاً من أن يكون مدنيًّا صِرفًا؛ فالتصريح لها لا بد أن يكون بموافقة الأمن وأنشطتها المختلفة، ولو كانت حفلَ شاي لا بد أن يكون بعلم الأمن، فانعزلت عن مشاكل الأهل والجماهير لما يرضى عنه الأمن، وأصبح العمل في غالبيته "سبوبة على ما قُسم"، ولا ننكر دورَ الكثير من العاملين المخلصين في هذه الجمعيات.

 

(7) منظمات حقوق الإنسان: وهي عديدةٌ ومتنوعةٌ، والفعَّال منها يكون بتمويلٍ أجنبي يفرض أجندةً بعينها ذات أهداف وأنشطة تخدم المموِّل ولا تخدم الوطن، وليس هناك أي مشكلة أن يُترك للعديد منها أن يدندن حول مناطق معينة مسموحٍ لها بها، وباتفاق "جنتلمان" غير مكتوب!!.

 

وهناك مناطق أخرى لا يمكن لهذه المنظمات أن تقترب منها، وهي ما تهتم بالوطن فعليًّا، فعندها سينقلب السحر على الساحر، واتهامات العمالة والتخابر جاهزةٌ "للتخين فيهم"!!.

 

مما سبق نجد أننا كمصريين أصبحنا بلا غطاءٍ شعبيٍّ؛ فجميع منظمات المجتمع المدني محاصرةٌ أو مجمدةٌ.

 

ونتج عن ذلك أحداثٌ مرعبةٌ ومخيفةٌ؛ فلا أحد يحاسب شعبيًّا (طبعًا نعلم حصار المعارضة في مجلس الشعب)، وأصبح تحرك النظام في سهولة ويسر، وبأريحية عالية.. تركنا له إصبعًا واحدًا فألتهم ذراعنا وذراع البلد كلها!!، فباع المصانع والشركات، وأنشأ الجامعات الخاصة، ومرر العشرات من المشاريع الوهمية وعلى رأسها مشروع توشكى، ورفع يده عن بناء المدارس وتشغيل الشباب وبناء المساكن، وأصبح دورهُ الفعالُ والوحيد هو الجباية.

 

فمن سيقف في وجهه ويقول له "قف.. ما كل هذه الرسوم والضرائب، وكل هذا الفساد والنهب، والبيع والشراء؟!"، وتبقى كلمة.

 

لماذا يغط الجميع في نومٍ عميقٍ ضاعت فيه البلاد، وشُلَّت فيه جميع منظمات المجتمع المدني ولم نحرِّك ساكنًا؟!.

 

أتعجب لماذا يضحِّي المصري بنفسه ويجود بها طواعيةً في رحلةٍ غير مأمونةٍ لشواطئ أوروبا!!، ويُضحِّي ببلده ودينه، ويذهب يعمل في إسرائيل!!، ولا يُضحِّي لاستعادة بلده ممن جوَّعوه وأوجعوه!!.

 

يا سادة.. من يَهُنْ يسهل الهوان عليه، ونظامنا لن يتوقف عن المضي في مصِّ دمائنا لآخر قطرة؛ فجسدنا الشهي العاري المترهل المكشوف له يغريه، ولا يريد أن يترك فيه حتى العظم، ومَن يقاوم ويعتصم أو يقوم بإضراب ويطالب بحقه من عمَّال في مصانع أو موظفين في شركات يأخذ حقَّه فورًا!!

 

فالنظام مذعورٌ، وفي حالة شبقٍ لالتهامنا تجعله يُسكت أي صوتٍ يزعجه، ويقوم بتلبية مطالبه؛ فهو يريد أن "يمزمز" فينا بدون إزعاج!!!.

--------

haythamabokhalil@hotmail.com