![]() |
|
م. هيثم أبو خليل |
في بلادنا العربية والتي كانت مهد الأديان وينعم غالبيةُ أبنائها بالإسلام.. تجد الظلم متوفرًا بكثرة، هذا الظلم الذي ينهانا عنه الإسلام حتى ولو مع كافر، بل مع الحيوان؛ فالإسلام يأمرنا بحسن التعامل مع الحيوانات، وهي حيَّة، وحتى أثناء ذبحها، لما يؤكل لحمها.
تنزل سورةٌ كاملةٌ من القرآن لمنع الظلم والتطفيف في الميزان، ويؤكد سيد المرسلين سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- أن الدين معاملة وخلق وآداب، ويؤكد الإسلام تحريمَ جميع أنواع الظلم بكافة أنواعه ومسمياته، بل إن سيدنا النبي يوضح لنا أن امرأةً دخلت النار في قطة ظلمتها ولم ترفق بها ومنعت عنها الطعام والشراب حتى ماتت، وأن بغيًّا دخلت الجنة في كلب عطشان رَقَّ قلبُها إليه فسقته، وقصَّ علينا سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- قصة امرأة كثيرة الصلاة والصيام، إلا أنها تؤذي جيرانها بلسانها (وهذا ظلم باللسان فقط)، فقال: "هي في النار".
ولو نظرنا إلى بلادنا سنجد الظلم أنواعًا، منه القِطَع الصغيرة، ومنه الكتل الضخمة مثل الجبال.. منه الصريح الفاجر، ومنه المغلَّف المعبَّأ التيك أواي، فهو متوفر بجميع الأشكال والأنواع والأحجام ولجميع الأعمار، وحتى يكون كلامي واضحًا وعلى بيِّنة، دعونا نستعرض بعض أنواع الظلم في بلادنا وتشكيلاته المتنوعة، والتي تجعل لبلادنا السبقَ وأوفرَ الحظِّ والنصيب منه..
أليس الطفل وهو ما زال في بطن أمه يعاني وأمه تحمله في بطنها من عدم رعاية واهتمام به وبها؛ لعدم متابعة حملها في مستشفى لائق وتغذية مناسبة أو (بهدلة) الأم في المواصلات لو كانت عاملةً تساعد زوجها على ظروف الحياة؟!
يعاني المواليد حتى عند ولادتهم من نقص حضَّانات لو كان حظُّهم عاثرًا ووُلدوا مبتسرين.. هذا لو لم نذكر التجاوزات التي تحدث في غرف العمليات، من قلة تعقيم واهتمام..!!.
أليس أطفالنا في مرحلة الحضانة- وكما يطلق عليها الآن من باب التطوير الوهمي (الكي جي)- يعانون ويُظلمون عندما نحمِّلهم ما لا يطيقون، ونثقل عليهم بالواجبات، وبضرورة تعلم القراءة والكتابة، وهم في مرحلة التنمية وإبراز المواهب والإبداعات وتنميتها، ولا يجدون الألعاب والأدوات التي تُكسبهم المهارات المناسبة في هذه المرحلة؟!
أليس طلابنا مظلومين وهم يُحشرون بالستين والسبعين طالبًا في فصول غير نظيفة مع مناهج متخلِّفة، تعتمد على التلقين والحفظ، وليس الفهم والإبداع، مع مدرس مرهَق ومطحون، لا يستطيع أن يشرح أو أن يوصل معلومة؟!
أليس طلاب الجامعات مظلومين من تكدُّس الآلاف منهم في المدرَّجات ومن قلة الإمكانيات والتجهيزات ومن حرية معدومة ومن نشاط طلابي مؤمَّم داخل أسوار الجامعات؟!
أليس شباب الخرِّيجين مظلومين وهم يُترَكون بدون تدريب وتأهيل في سوق العمل، يواجهون تحدياته وآلياته دون مساعدة أو معاونة، بعد أن رفعت الأنظمة يدها من تعيينه وتأهيله؟!
أليس شبابنا مظلومين ومقهورين حينما يفكرون في تلبية نداء الفطرة بالزواج، فيجدونه حلمًا بعيد المنال، صعبًا تحقيقه، إلا عندما يصلون للشيخوخة؟!
أليست فتياتنا مظلوماتٍ وكل آمالهن في زوج يعفّهن وطفل يعِشن معه حلم الأمومة الذي يراودهن منذ نعومة أظفارهن وهن يلعبن بعرائسهن الجميلة، ووحش العنوسة ينهش فيهن بلا رحمة وهوادة، والعنوسة تنتشر وتتوغَّل كل يوم ومعها تنتشر الآلام والأحزان والمشكلات النفسية والاجتماعية العميقة؟!
أليس مرضانا مظلومين في ظل خدمة صحية متردية تصل لحدِّ المأساة، ولا يملك النجاة منها إلا فئة قليلة، تستطيع أن تعالج نفسها في مستشفيات خاصة باهظة التكاليف؟!
ألسنا كلنا مظلومين في ظلِّ خدماتٍ في غاية السوء في التراخيص والمصالح الحكومية والسجلّ المدني والشهر العقاري.. (زيارة واحدة تكفيك)؟!
ألسنا مظلومين مع محليات فاسدة، نرى منها نظافةَ ورصفَ طرقٍ سيئة وشوارع محطمة وعمارات تقع على رؤوسنا صباح مساء؟!
ألسنا مظلومين مع جهاز شرطة يتعامل معنا بتكبُّر وسوء وعدم احترام وتقدير وبتعنُّت واضح، ناهيك عن التعذيب والإهانة؟!!
أليس شباب الأمة مظلومًا وهو لا يجد ناديًا لائقًا وبسعر في متناول الأيدي، أو ساحةً يمارس فيها رياضةً ينمِّي بها جسمه ويفرِّغ فيها طاقته، بعد أن أصبحت النوادي لفئات بعينها في بلادنا؟!
أليس ملايين الموظفين مظلومين وهم يرون قطار التعيينات والترقيات لا يتوقف إلا لذوي الواسطة والمحسوبية؟!
ألسنا جميعًا مظلومين عندما نبحث عن حديقة نظيفة بها بعض المراجيح والألعاب، نخرج نشمُّ هواءً فيها فنسعد ويلعب ويفرح أولادنا معنا، فلا نجد ما نبحث عنه؟!
أليس مظلومًا من يقف في طابور العيش بالساعات، ويقضي نصف عمره فيه للبحث عن رغيف عيش له وأولاده؟! وهو من البديهيات أن يكون متوفرًا له ولأسرته!!.
ألسنا جميعًا مظلومين في تناول خضراوات وفواكه، إما مليئة بالمبيدات المسرطنة أو الهرمونات الضارَّة، التي اختصرت الخضراوات في أحجام وألوان، فضاع الطعم والفائدة..؟!
ألسنا مظلومين مع تجارة أدوية تتاجر بنا وبصحتنا وتقلل المواد الفاعلة في الأدوية؛ لأننا لا نستحق أكثر من ذلك؟!
ألسنا مظلومين في عدم السماح لنا بالتعبير عن آرائنا في حزب حقيقي أو في جمعية أو مؤسسة مجتمع مدني فاعلة أو حتى الخروج في مظاهرة نشكو ونصرخ فيها، بل وصل الأمر لتأميم بيوت الله ومساجده ومنع التنفس والكلام فيها إلا بتصريح؟!
ألسنا مظلومين مع مجموعة من الحكَّام والمسئولين أخذوا خير البلاد والعباد وطوَّعوها لمصلحتهم ومصلحة من يعرفون؟!
يا سادة.. نحن مظلومون ليل نهار..
مظلومون في الهواء الذي نتنفَّسه بالغبار والأتربة، وبالسحابة السوداء..
مظلومون ليل نهار..
مظلومون على مدار اليوم والساعة بل والثانية.
مظلومون في ظلم تذهب إليه وآخر يجيء إليك في الشارع وفي عملك وفي بيتك، وحتى يصل لسريرك ويقتحمك ويأخذك من بين أولادك لرأي مخالف أو فكر معارض..!!.
مظلومون مع مسئولين معاقين لا يستحقون مناصبهم.. أرجَعونا للخلف بدلَ أن يتقدموا بنا.
يا سادة.. الظلم في بلادنا سريع ومتوفر، ويمكن توصيله للمنازل خدمةً في أي وقت، حتى في أنصاف الليالي، لا يراعي حرمة بيت أو خوف وفزع أطفال!!.
الظلم في بلادنا يقوم به الجميع، من أصغر مخبر مختلّ، أو موظف تافه، لأكبر رئيس وحاكم في أوطاننا العربية، ظلم فيمن اختزل الأوطان في عائلة واحدة تجمع الألقاب والمناصب والثروات.. وظلم في فقر وقهر وضنك واستبداد عمل معنا عقد احتكار ولا يريد أن يحلَّ عنا!!.
يا عزيزي.. الظلم قريب لك جدًّا أقرب مما تتصوَّر، وما عليك إلا أن تتصل الآن وتقول: آه.. لا.. كفاية.. وستجد الخدمة متوفرةً أمامك في ثوانٍ..!!.
