جاء نواز شريف إلى سدَّة الحكم بعد انتخابات ديمقراطية، ثم انقلب عليه برويز مشرف بانقلاب عسكري سنة 2000، واحتفظ لنفسه بمنصبَي قيادة الجيش ورئاسة الدولة.
لم تستنكر أمريكا هذا الانقلاب، الذي هو ضد الديمقراطية التي تدعو إليها وتدَّعي أنها تدعمها في جميع أنحاء العالم، بل أيَّدته وساندته، وذهبت وزيرة الخارجية الأمريكية في حينه إلى برويز مشرف تشدُّ على يده وتساعده، وتبارك هذا الانقلاب العسكري، الذي كان من المفروض على أمريكا أن تشجب هذا الانقلاب ولا تساعده حسب مقولتها.
وصارت الأمور تحكم برويز مشرف في باكستان، وكان يقوم بتنفيذ الأجندة الأمريكية كما تطلب واشنطن ولا ينحرف عنها، فضرب أفغانستان مع أمريكا، وضرب بيشاور وضرب "وزير ستان"، وضرب المعاهد الإسلامية، وضرب المسجد الأحمر، وقام بتفتيت عُرَى الإسلام في باكستان، فاستحق بذلك برويز مشرف سخطَ الشعب الباكستاني؛ لأنه لم يرَ أي ارتفاع في مستوى المعيشة أو أي تقدُّم في مستويات العلم والمعرفة والتكنولوجيا في باكستان، وانحدرت باكستان إلى مستويات دنيا في المعيشة والصناعة والتقدم، فاستجلب برويز مشرف سخط الشعب الباكستاني بكل قواه، وخصوصًا قواه الإسلامية.
وعليه زاد المدُّ الإسلامي في باكستان، وأصبح هو الأقرب إلى النجاح في الانتخابات القادمة في باكستان المزمع عقدها في الشهر القادم، فأرادت أمريكا أن تلتفت حول الانتخابات وتحُول دون وصول الإسلاميين إلى السلطة، فبحثت في أوراقها القديمة، وأرادت أن تصنع صلحًا مع بوتو ونواز شريف؛ لكي يشقَّا الصف الباكستاني الذي اجتمع على الإسلاميين، فجاءت بوتو وحملت نفس الأجندة التي يحملها برويز مشرف، وهي العمالة لأمريكا ومناهضة المد الوطني والإسلامي، وجاء نواز شريف لكي يرشِّح نفسه.
وعليه ينقسم الشعب الباكستاني عن طريق دغدغة عواطفه، ولا يتوحَّد في صف واحد مع الإسلاميين، وبذلك أصبح برويز مشرف أقرب إلى الفوز من نواز شريف بوتو، لكي يعطي صورةً ديمقراطيةً خادعةً للعالم وللشعب الباكستاني؛ ليقولوا إن برويز مشرف نجح عن طريق ديمقراطي، ولكن أمريكا لها أجندتها:
أولاً: تريد أن تدعم سياسة الفوضى "الخلاَّقة" التي تدعو إليها كونداليزا رايس وزير الخارجية الأمريكية؛ لكي لا تستقر الأمور، ويكون هناك فوضى وصراعات دائمة، فلا تستطيع باكستان أن تنطلق إلى التقدم نحو تحقيق معدلات أعلى في مستويات المعيشة وغيرها.
ثانيًا: تريد أن تسيطر على القنبلة النووية من باكستان وتحرمها من جهود علمائها، وتعلن أنها تخشى أن تقع القنبلة النووية في أيدي المتطرفين الإسلاميين ولكنها حقيقة تريد أن تحُول بين باكستان والتقدم النووي، وتجهيز جيل من العلماء والتكنولوجيين لكي يقوموا بعبء التقدم، وكأن الإسلاميين هم الذين يستعملون القنبلة النووية في غير موضعها، بينما "إسرائيل"- التي تمتلك 200 رأس نووي على الأقل- هم الذين يحسنون التعامل مع النووي.
خاب ظنهم، وطاش سهمهم؛ لأن الأمة الإسلامية تريد أن تتقدم على طرق التكنولوجيا والعلم والمعرفة، ولا تريد أن تهيمن عليها أمريكا أو غيرها، وتريد أن تشكل الدول الإسلامية توازنًا قويًّا بينها وبين إسرائيل، على الأقل يحمي الأمة من شرِّ هذه العصابة التي تسمَّى "إسرائيل"، ومن شرِّ الهيمنة والتبعية الأمريكية.
وعليه يكون اغتيال "بي نظير بوتو" عملاً أمريكيًّا خالصًا، لا يراعي صداقةً ولا تحالفًا، ولكن ينظر إلى مصلحته المجرَّدة، بغضِّ النظر عن أي بُعد أخلاقي أو إنساني، وهكذا هي أمريكا.. أمريكا شاه إيران.