فاروق جويدة

 

 انتظرت قبل أن أكمل ردِّي على الكاتب الكبير فاروق جويدة أن يعتذرَ أو حتى يبرِّرَ ما كتبه في مقاله (الإخوة الأعداء)، ولكن يبدو أني قد تفاءلت أكثرَ مما ينبغي! فإذا بي أُفاجَأ أنه يُجرِي حوارًا مع أحد أعمدة النظام والحزب الوطني، الذي كان يصبُّ عليه اللعنات مع الإخوان في مقاله السابق، وبالطبع كان الحوار تلميعيًّا وتبريريًّا بامتياز لفتحي سرور والنظام.

 

يمضي بنا الكاتب الكبير في مقاله يصوِّر نقاط الاتفاق بين الحزب الوطني والإخوان كما يدَّعي فيقول: "يجمع بين الوطني والإخوان أن الصراعات بين أطرافه هي التي تحكم كل شيء‏؛ فالقديم يريد البقاء أطولَ وقتٍ ممكن، والجديد لا يجد لنفسه مكانًا على الإطلاق‏..".

 

من يتمنَّى البقاء- سيدي الفاضل- أطولَ وقتٍ ممكن حتى يُعتَقل وتُصادَر أمواله وممتلكاته، ويُيَتَّم أبناؤه وهو حي؟!.. ألم تسمع أو تشاهد الانتخابات الدورية داخل الإخوان، والتي كان آخرها انتخابات كتلتهم البرلمانية، ونتج عنها تغييرٌ يقترب من نصف أعضاء أمانة الكتلة في انتخاباتٍ حرَّةٍ أشرف عليها نواب مستقلون؟! ثم ماذا عن "الجديد" الذي "لا يجد لنفسه مكانًا على الإطلاق"؟!.. هل اشتكى لك أحدٌ؟!، ومن هو؟!

 

أتمنَّى من سيادتك أن تتابع وأنت جالسٌ على مقعدك الوثير أنباءَ الاعتقالات التي تتمُّ بحقِّ القيادات الإخوانية بين الحين والآخر، واطلب من حبيبك وزير الداخلية أعمارهم لتعرف بحق موقع "الجديد" كما تقول، أو حتى اطلب من صديقك العزيز د. فتحي سرور أن يُطلِعَك على تواريخ ميلاد أعضاء مجلس الشعب من الإخوان!.

 

"يجمع بين الوطني والإخوان أن أخبارهما تحتل المساحات الأكبر صباحًا ومساءً في الساحة الإعلامية.. هنا مؤتمراتٌ واحتفالاتٌ‏,‏ وهنا اجتماعاتٌ واعتقالاتٌ، ولو أننا ألغَيْنا من الإعلام المصري كلَّ هذه المناسبات السارَّة وغير السارَّة، فسوف نجد مساحاتٍ كبيرةً نتحدث فيها عن الثقافة والفكر وبناء العقل وهموم الناس‏..".

 

يمضي بنا الكاتب الكبير- في تسطيحٍ مدهشٍ- يساوي بين الضحية والجلاد، ويتحدَّث في إخلالٍ عجيبٍ عن أن الإخوان بكثرة الأخبار عن اعتقالاتهم أضاعوا علينا الفُرَص العِظَام لبناء الفكر والعقل والحديث عن هموم الناس!!، ‏وكأنَّ أنباء اعتقالهم ليست من الهموم التي ينبغي أن ينشغلَ بها كلُّ حرٍّ شريفٍ، وكأنَّ الإخوان منشغلون مثلاً بالرقص الإيقاعي والمسرح التجريبي وليس بهموم الناس وآلامِهم!!.

 

عجبًا والله لأمرك يا أستاذ جويدة..!! لم أتخيَّل أن الكراهية قد تهبط بإنسانٍ إلى هذا المستوى الذي كنت أتمنَّى من كل قلبي ألا أراك فيه!!.

 

الغريب في مقال الأستاذ فاروق أنه حاول أن يُوهمَنا في مقاله أنه ينتقد الحزب الوطني، وأنه غيرُ راضٍ بالمرة عن أدائه، وبعد أن اجتهد لإظهار هذا- حتى يبدو موضوعيَّا في نقده الظالم للإخوان- نجده يغازل رموز وعتاولة الحزب الوطني الأبرار بشكلٍ يُحسَد عليه، ولا يخطر ببالِ أشدِّ معجبي الحزب!.

 

اقرأ معي: "ولاشك أن هناك أطرافًا كثيرةً سوف تكون أسعدَ حالاً لو غاب الوطني والإخوان عن الشارع المصري‏".

 

أسعدُ هؤلاء جميعًا سيكون وزير الداخلية اللواء حبيب العادلي؛ فسوف يفتقد كثيرًا الأخبارَ التي تنشرها الصحف كلَّ يومٍ عن اعتقالات المحظورة‏,‏ وسوف يوجِّه رجالَه لترشيد المرور، والقضاء على الجرائم، ومراقبة أسعار السلع في الأسواق، وتحقيق المزيد من الأمن للمواطن المصري.

 

وسوف يستريح النائب العام المستشار عبد المجيد محمود، ليس من الحزب لحكم موقعه من عشرات التحقيقات التي تَجري كلَّ يوم حول تجمعاتٍ هنا أو لقاءاتٍ هناك، وكلها لا تعني أحدًا على الإطلاق؛‏ لأن الناس تبحث عن رغيف الخبز، ولا يهمُّها أبدًا أخبار المحظورة أو تجاوزات نواب الحزب الوطني‏.

 

سيكون الدكتور فتحي سرور- رئيس مجلس الشعب- من أهدأ الناس بالاً وأسعدِهم حالاً؛ لأن السادة أعضاء مجلس الشعب سوف يجدون الوقت لمناقشة قضايانا الحقيقية في الصحة والتعليم والفكر والثقافة، بعيدًا عن المعارك التي يشهدها المجلس كلَّ يومٍ، بين نواب الأغلبية من الحزب الوطني ونواب الإخوان من الجماعة المحظورة.

 

سوف يعود الدكتور سرور مرةً أخرى إلى هدوءِ العالِم وسكينةِ صاحب الفكر، بعيدًا عن كل هذا الصَّخَب والضجيج‏، وربما حقَّق حلمًا قديمًا بأن يجد المثقَّفون وأهل الفكر مكانًا لهم تحت قبة البرلمان.

 

سوف يرتاح الدكتور محمود زقزوق (وزير الأوقاف)، فلم يعد مُطالَبًا بإنتاج وتصنيع مشايخ وعلماء ودعاة يواجهون الأفكار السياسية للمحظورة على الفضائيات، بل سيقدم علماء يُبيِّنون للناس حقيقة دينهم بلا تجاوز.

 

سوف يستريح السيد صفوت الشريف من مشكلات الحزب الوطني والصراعات بين الحرس القديم والحرس الجديد، وسيطرة رجال الأعمال على الحزب، ولن يطالب الحكومة بتخصيص معوناتٍ لأعضاء الحزب الوطني، ولن يُرهِقَ نفسَه بعشرات الاجتماعات واللقاءات لمواجهة أفكار وتحرُّكات المحظورة في الشارع المصري، كأنَّ مصر كلها لا يوجد فيها أفكارٌ أخرى غير أفكار المحظورة‏..!!.

 

الكاتب الفحل يتحدَّث عن السعادة الغامرة التي ستهبط على وزير الداخلية ووزير الأوقاف وصفوت الشريف وفتحي سرور عندما يختفي الإخوان من الساحة، وهو مُحِقٌّ في هذا بالطبع!!، ثم يُبهِرُنا الكاتب عندما يوضِّح لنا أنه باختفاء الإخوان سيتفرَّغ وزيرُ الداخلية لضبط المرور وحفظ الأمن!، وسينشغل وزير الأوقاف بنشر صحيح الدين!، وسيجد فتحي سرور الوقت والجهد للحديث عن هموم الناس وحلِّ مشكلاتهم!!.. لم يحاول الكاتب الكبير أن يسأل نفسَه: مَن في مجلس الشعب الذي يقدِّم الأغلبية الساحقة من طلبات الإحاطة والاستجوابات التي تُناقِش هموم ومشاكل المواطن المصري؟ حتى إن رئاسة الجمهورية ذاتها أقرَّت بذلك في ختام الدورة البرلمانية الماضية، وشهدت للإخوان بذلك تلميحًا لا تصريحًا.

 

أعتقد أن مقالي هذا- أيها الكاتب الكبير- يصلح للدخول في موسوعة جينس للأرقام القياسية من كثرة علامات التعجُّب فيه، والفضل بالطبع لك!!.

 

عند هذا المستوى من الخطاب الذي يصطدم بأبجديات العقل والمنطق فضلاً عن الموضوعية، يصبح أفضل تعليق على باقي الفقرة هو "لا تعليق"!!.

 

ثم يمضي بنا الكاتب، فيقول: "فلا بد أن أعترف بأن انفراد جبهتَين فقط بحياة المصريين: ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، أمرٌ يزعجني للغاية، وهو يمثِّل نوعًا خطيرًا من الإفلاس الفكري والثقافي والإنساني.. أنا لا أرى أمامي في الساحة كلها إلا أخبار الوطني والمحظورة، وكل الأشياء بعد ذلك على الهامش، وانقسم المصريون إلى فريقين: إما هنا، أو هناك‏..".

 

لا أدري أيها الكاتب من أعطاك التفويض لتتكلَّم باسم المصريين والمفكِّرين والعلماء، وتقسِّمهم إلى: هنا أو هناك؟!! من أعطاك حقَّ الوصاية على الشعب المصري والحديث باسمه، ثم من قال لك إن المصريين منقسمون بين الحزب الوطني والإخوان؟!.. ألم تقرأ- أيها المثقف الكبير المنشغل بهموم الوطن- نتائجَ انتخابات مجلس الشعب الماضية التي حدث بها من التجاوزات ما الله به عليم؟! ألم تقرأ أن الحزب الوطني لم يَفُز مع التزوير بأكثر من 23% من جملة مرشحيه، بينما فاز الإخوان بأكثر من 80% من مرشحيهم؟!.

 

إذا احتسبنا الأربعين مرشحًا- الذين أُسقطوا عَمْدًا باعتراف رئيس الوزراء نفسه!- أليس الشعب المصري الذي حَرَصتَ طيلةَ مقالك أن تتحدث بالنيابة عنه هو الذي اختار الإخوان، ولَفَظَ- ولا يزال- الحزب الوطني؟!

 

أتمنَّى من سيادتك- أيها الكاتب الكبير- أن تدلِّل على صدق كلامك بمثالٍ واحدٍ، كما أدلِّل أنا الآن على عكس ما تقول.. أليس من الموضوعية أن تستند اتهاماتُك على أدلةٍ وقرائن؟! أم ماذا؟!.

 

وبعد ذلك يمضي بنا الكاتب فيتحدَّث عن: "أين مثقفو مصر وعلماؤها ومفكِّروها وأساتذة الجامعات فيها؟‏!..‏ ما الذي جعل الأشياءَ صغيرةً بهذه الصورة القاسية؟!، وأين أحزاب مصر العتيقة؟!.. أين الوفد بتاريخه العريق؟!.. وأين اليسار المصري بصولاته وجولاته؟!.. وأين الأزهر والجامعات والنقابات؟!.. وأين وسطية الشارع المصري وقد أصبح محاصرًا بين نارَيْن: إما حزب الأغلبية أو المحظورة، وكلاهما عاجزٌ عن مواجهة الواقع المصري والوصول بنا إلى برِّ الأمان".

 

وكأن الإخوان ليسوا من مثقِّفي مصر وعلمائها ومفكِّريها وأساتذة جامعاتها!!.. هل تعرف أيها الكاتب الهمام أن في المحاكمات العسكرية وحدها يوجد أحد عشر أستاذًا جامعيًّا، الكثير منهم له إسهامُه العلمي، لا في مصر وحدها، ولكن في العالم أجمع؟!.

 

ثم يمضي بنا في وصلةٍ جديدةٍ من الافتراءات التي تُثير الضحك: "اجلس مع نفسك قليلاً وتصوَّر حياة المصريين بدون الحزب الوطني والإخوان المسلمين.. حاول أن تسترجع تاريخًا مضى، لم يكن حولَك كلُّ هذا الصخب وكلُّ هذا الضجيج‏.. كانت قوات الأمن تحرس بيتك‏،‏ وشركات النظافة تمهِّد لك الطريق، والصحف تقدِّم لك وجبةً فكريةً تليق بعقلك، ولم تكن الخناقات في مجلسَيْ الشعب والشورى بين الوطني والمحظورة تأخذ كل هذا الوقت وكل هذا الجهد‏..‏".

 

إنني على أتم استعداد بعد أن تقرأ هذه الفقرة الطريفة للكاتب الكبير أن أعلن عن جائزةٍ قدرها ألف جنيه لمن يخبرني بالعصر الذي كانت قوات الأمن تحرس فيه البيوت، وشركات النظافة تمهِّد فيه الطريق!! مع العلم أن شركات النظافة تعمل في مصر منذ سنواتٍ معدودةٍ، وفاشلةٌ بامتياز في أداء عملها!!.

 

أما أظرف فكاهات الكاتب الكبير؛ فهي "الخناقات" التي يتحدَّث عنها بين الإخوان والحزب الوطني في مجلس الشورى، رغم أن الإخوان لم يدخلوا مجلس الشورى فيٍ يوم من الأيام!!.

 

"إن مصر جديرةٌ بلغةٍ أرقى في الحوار،‏ وأسلوبٍ أرقى في التعامل، ومناخٍ أفضل في العلاقات بين الناس‏..‏ مصر جديرةٌ بحرياتٍ مسئولةٍ،‏ وأمنٍ حكيمٍ، وسياسةٍ مستنيرةٍ، وخلافٍ في الرأي لا يُفسد الودَّ بين الناس، ولا أعتقد أن الوطني والإخوان يفعلان ذلك الآن‏..".

 

إن كان مقالُك هذا أيها الكاتب الكبير هو تعريفَك للرقي في الحوار والتعامل وإيجاد المناخ الأفضل في العلاقات بين الناس فعلى الدنيا السلام.

 

إن الرقي في الحوار- أيها الكاتب الكبير- هو أن تحترم الآخر وتقدِّر تضحياته.. الرقيّ أيها الكاتب أن لا تتهم أحدًا بغير دليل.. الرقيّ أن يكون نقدُك بغرض البناء لا الهدم.. الرقيّ أن تكون منصفًا للآخر حتى لو اختلفت معه.. الرقيّ أن تخاطب الناس بما تحب أن يخاطبوك به.

 

ثم يختم الكاتب مقاله بتوصيةٍ، أو هكذا اعتقد: "إذا كان الحزب الوطني يريد لنفسه مستقبلاً في الشارع المصري، فلا بدَّ أن ينزل للناس ويمارس السياسة بقواعدها وأصولها، ولا يحتكر كل شيءٍ باسم الوطن‏،‏ وإذا كان الإخوان المسلمون يريدون دورًا فعَّالاً في بناء مصر فلينزلوا إلى الشارع السياسي ولا يطلبوا الحماية باسم الدين؛‏ فالدين لله،‏ ومصر للجميع، ومن الظلم أن نختصر مصر العظيمة في الحزب الوطني والإخوان المسلمين.. ليس من حق أحدٍ أن يحتكر السلطة باسم الوطن‏,‏ وليس من حق آخر أن يحتكر الحقيقة باسم الدين‏..‏".

 

إن الإخوان المسلمين- أيها الكاتب الكبير- لن ينزلوا إلى الشارع كما تريد؛ لأنهم ببساطة يعيشون فيه!!.

 

حاول أنت أيها الكاتب المحترم أن تنزل إلى الشارع ولو مرةً واحدةً: اختلط بالناس، اختلط بالموظف المغلوب على أمره، والعامل في مصنعه، والطالب في مدرسته.. اسمع منهم، واسألهم عن همومهم وآلامهم وآمالهم، اسألهم بصدق: من الذي يحاول أن يعيد البسمة لوجوهٍ قد رسم الحزن ملامحه عليها.. حاول أيها الكاتب الكبير- حقيقةً لا سخريةً- أن تجلس مع نفسك في لحظة صدق تُراجِع فيها نفسك وعقلك، وأنا على يقينٍ إن صحت النوايا وصدق العزم أن الحقائق سرعان ما تنكشف مجردةً أمامك، وتذكَّر دائمًا أن المرء يفنى، ويبقى فقط ما خطَّت يداه.. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ (الرعد: من الآية 17).