في اليوم الذي تولَّى فيه السيد أسامة سرايا منصب رئيس تحرير (الأهرام)، سألنا زميله وصديقه د. محمود علم الدين  أستاذ الصحافة بكلية الإعلام: هل يستحق أسامة سرايا هذا المنصب في (الأهرام) العتيقة، وقد سبقه فيه أعلامٌ يشار إليهم بالبنان؟!

 

قال: نعم، وبكل تأكيد؛ فلو أن عاملاً في (فرن) ظل يعمل ويجد ويجتهد لمدة 22 عامًا لأصبح مالكه!.

 

لم نستغرب الإجابة كثيرًا؛ فقد تعوَّدنا أن نسأل عن الكَيْف فتكون الإجابة بالكم! رغم أن الكَيْف يمثِّل حاضر الإعلام ومستقبله، والكم أصبح تاريخًا قديمًا، ماضيًا مهملاً، يوشك أن يُنسَى معرفةً وتوثيقًا!.

 

أعترفُ أن السيد سرايا لديه قدرةٌ عجيبةٌ على تجسيد الوهم وتسويق الخيال! تراها في كل كتاباته وآرائه، وهو يملك  صمودًا وصبرًا غير مألوفٍ، وقدرةً عجيبةً على ليِّ الحقائق!.

 

فهو على الدوام يرسم كادرًا واحدًا يمجِّد لحكمة عهدٍ ومصداقية نظامٍ ونجاح حكومةٍ! ثم يعرض لكل احتمالات الرفض, وكأنه يغلق باب الحوار والمناقشة بإمكانيةٍ لا يستطيع أحد أن ينافسه فيها! وقد يظن أنه بهذا قد أدَّى الأمانة ونال الرضا ونصح الشعب!.

 

في (أهرام) الجمعة 28 ديسمبر يودِّع سرايا العام بأباطيل وأسمار تزيِّنها لوحةٌ لسيدةٍ ذات طلعةٍ بهيةٍ، تمشي بخطًى واثقةٍ نحو المستقبل والتنمية، وتحمل ملف الاقتصاد المصري!!

 

* يتحدَّث سرايا عن إعادة هيبة الدولة والقانون (بإنقاذ الشارع من أصحاب الأكشاك الصغيرة والباعة الجائلين)!!.

 

* يتحدَّث عن متانة وقوة وبنية النظام السياسي المصري الذي يتحرك نحو التطور والنمو!!.

 

* يتحدَّث عن مسألة العدالة الاجتماعية، وكيف قفزت إلى صدارة الاهتمام، واحتلَّت الأولوية في 2007 بتركيز الرئيس مبارك، وكيف أصبحت التجربة المصرية في الإصلاح الاقتصادي تمثِّل نموذجًا رائعًا في التجارب العالمية في مجال الحرص على البعد الاجتماعي!!.

 

* يتحدَّث عن إنجازٍ ملموسٍ للاقتصاد المصري بمستوى نمو 7%!.

 

* يتحدث عن حكمةِ السياسة المصرية التي تعطي أولويةً للفقراء باعتبار أن مجتمعنا ليس للأغنياء، ولكن للفقراء!!.

 

* يتحدَّث عن النتائج الأولية للسياسة الاقتصادية والتي ستضع مصر كقوةٍ اقتصاديةٍ في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا!!.

 

* يتحدَّث عن نموِّ 3.5% في قطاع الزراعة، و14% في قطاع الخدمات والبناء، و15% في قطاع الاتصالات!.

 

ويطالب سرايا باستدعاء رصيد الحكمة المخزون في ضمير المجتمع؛ للبصم على افتراءاته، بزعم أننا نسير في الاتجاه الصحيح، وأن الإضرابات العمالية والاعتصامات لم تكن سوى سببٍ مباشرٍ لتأخُّر الحركة في طريق الإصلاح الذي بدأه النظام!.

 

وأنا أطالب سرايا باستدعاء أدوات الرؤية وعوامل التفكير وإمكانيات التكبير بعيدًا عن الاختزال والتجزيء!.

 

عام 2007 الكارثي بدون ستار

* عام التوربيني وأكثر من مليونَي طفلٍ من أطفال الشوارع؛ تبعًا لتقارير السفيرة مشيرة خطاب.

 

* عام التعديلات الدستورية التي أصَّلت للاستبداد والتزوير و"الشخصنة".

 

* عام انتخابات الشورى التي شهدت تزويرًا فاق الحد، وعمليات تسويدٍ للبطاقات على نطاقٍ واسعٍ، وتدخلات إدارية وبلطجة.

 

* عام الثورة: ثورة العطش ومعارك الفئوس والبطون الخالية، واعتصامات وإضرابات العمَّال والأهالي.

 

* عام السقوط: سقوط العمارات وحوادث القطارات، وثورة الحجاج في مكة!.

 

* عام القتل والانتهاكات: قتل جمعة (مواطن الفيوم الذي يرفض أهله استلام جثمانه من ثلاجة المستشفى رغم مرور أكثر من خمسة أشهر على مقتله)، وقتيل شها، والصعيدي (قتيل المنصورة)، ورضا التي دُهسَت عمْدًا حتى تحطَّم وجهها، وشاب مطروح الذي أحرق وتم نقله إلى ليبيا مصابًا؛ لإخفاء الجريمة..!!

 

* عام "الكليبَّات".. كليبات عماد الكبير، وفتاة التليفزيون، وأسرع عدد من الصفعات والركلات، وخلع ملابس النساء والرجال.

 

* عام الغرق: غرق مئات الشباب الفارِّين من جنة الوطن أمام السواحل الإيطالية واليونانية.

 

* عام الطوارئ: بإحالة المدنيين إلى محاكماتٍ عسكريةٍ واستثنائيةٍ!.

 

* عام التردي الإقليمي: وتخفيض المعونة الأمريكية بزعم تراجع الملف الحقوقي، وتزايد وتيرة الانتهاكات.

 

* عام الكبد وأنفلونزا الطيور، والفوضى والتحرُّش الجنسي، والبلطجة والفساد، ومرشحات "هايدلينا"، وغلاء الأسعار الفاحش، واختفاء الطبقة الوسطى، والجوع والانتحار، وتحويل الصحفيين للقضاء وتكميم الأفواه!!.

 

* إن هيبة الدولة ليست قضيةً محصورةً بين أصحاب الأكشاك الصغيرة والباعة الجائلين، والعدالة الاجتماعية ليست مجرَّد أماني حاكم أو زعيم!.

 

إذا لم يرَ المراقب هذا الكمَّ من الحقائق؛ فهو أعمى، وإذا تجاوزها فهو ليس أهلاً للتحليل والتفسير.

 

لا أعتقد أن الحكومة تريد القيام بحملة علاقاتٍ عامةٍ واسعةٍ لتحسين صورتها، وإلا ما استعانت بكادر مغلوطٍ وتابوهات مشوَّهةٍ إلى هذا الحدِّ!؛ فجماهيرٌ كلُّ اهتمامها شربةُ ماءٍ وكسرة خبز وسط عموم أجواء التسويد والتزوير لن يكون لرأيها أهميةٌ تُذكر!.

 

أعتقد أن منظومة الحياة في مصر أدمنت الكذب عبر طائفةٍ جائعةٍ من المجتمع لا تعرف الحق ولا تريده، هؤلاء يتقربون إلى السلطة بالتغرير والخداع، و كلاهما ينسى عين الله الساهرة التي تراقب من موقع القدرة والحساب!!.