فرحة العيد مزقتها صرخات الألم، بسمة الأطفال أغرقتها دموع الحزن على خدود الأمهات، الأفراح أثخنتها الجراح، وهي تنزف دماء الأبرياء، فشعبك في العيد يا مصر، يغرق في فم الحيتان.

 

يأتيه الموت من كل مكان، تحترق به القطارات فيموت، تسقط العمارات فوق رءوس أطفاله فيموتون، تغرق العبَّارات والسفن بزهرة شبابه فيغرقون أشلاءً، أبناؤك يا مصر صاروا طعامًا لحيتان البحر، ومن لم تأكله حيتان البحر تلتهمه حيتان البر على أرض مصر، لصوص يسرقون قوت الشعب، ينهبون المليارات ويهربون، مجرمون يبيعون ثرواتنا للأعداء، يمصون دماء المساكين، حتى هاجر الشباب بحثًا عن لقمة عيشٍ سرقها اللصوص من أفواههم على أرض مصر، فضلوا أن يموتوا بشرفٍ طلبًا للقمة العيش خيرًا من الموت ذلاً وجوعًا بين أنياب حيتان البر.

 

عام مرَّ من عمرك يا مصر وثلة من أبنائك الشرفاء الأبرياء مغيبون ظلمًا خلف القضبان، علماء، أساتذة جامعات، رجال أعمال، أطباء، ومهنيون، وقفوا يطالبون بالإصلاح، بالحرية، بالحياة الكريمة لشعبٍ قهره الظالم، مزقته أنياب النظام وحيتانه.

 

وقفوا في وجه الظلم، يطارد الذين يأمرون بالبرِّ والتقوى، ويكرم الذين يتعاونون على الإثم والعدوان، نظام يسجن الدعاة والمصلحين ويحمي اللصوص والمجرمين، فما كان من هذا النظام إلا أن لفَّق لهم التهم ليُلقي بهم في السجن، وعندما حصحص الحق وبرَّأهم القضاء المدني العادل لم يجد النظام حلاًّ إلا أن يعتقلهم ثم يُحولهم للمحكمة العسكرية.

 

عام مرَّ من عمر الوطن، والمصلحون خلف القضبان يدفعون ثمن الحرية، وفرعون يغرق في كبره، وعناده يغرق في فساده، وظلمه يغرق في سوء عمله، ولكنه لا يريد أن يغرق وحده إنه يجر معه شعبًا بأكمله ليشاركوا مصيره المظلم ولكن، لا، وألف لا.

 

إن شعبنا يرفض أن يغرق معك أيها الطاغية فلتذهب أنت وحيتانك وجنودك إلى حيث تستحقون أمام ربٍّ منتقمٍ جبار، تُطاردكم لعنة دماء الغرقى والشهداء، تطاردكم دعوات المظلومين تلاحقكم صرخات الأمهات، وآلام الجوعى، ألا لعنة الله على الظالمين.

 

ليس هناك اليوم عصا موسى تُنقذكِ يا مصر من الغرق، لكنَّ الله أودعنا الحل بين أيدينا فهو سبحانه تباركت أسماؤه علَّمنا أن الظلم لا يزهقه إلا وقفة للحق تخلع جذوره وتستأصل شأفته.. ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: من الآية 18)، ألم يأن لشعبكِ يا مصر أن ينتفض غضبًا لدماء شبابه التي صارت بلا ثمن، وقفة حق نُرضي بها ربنا، نُنقذ بها مصيرنا ومصير أبنائك؟.. نُنقذ بها مصر قبل أن تغرق؟.

 

ثقتي في الله أن صوت الحق يعلو يومًا بعد اليوم ومسيرة الإصلاح والحرية تضم تحت رايتها أنصارًا جددًا كل ساعة، عمال غزل المحلة، والقضاة وموظفو الضرائب العقارية المثل والقدوة، كيف يمكن لوقفة الحق الشجاعة أن تنتزع الحق من يد الظالم وترده مخذولاً مدحورًا.

 

القضية العسكرية هي قضية شعب ينتفض، قضية الحق وهو يتصدى للظالم، قضية مصر بكل فئاتها المُطالِبة بالإصلاح، العمال والفلاحين، القضاة والصحفيين، أساتذة الجامعات وطلابها، الموظفين والمهنيين، كلنا صف واحد، يد واحدة، جسد واحد في وجه النظام وظلمه، نُنقذ السفينةَ قبل أن تغرق بنا جميعًا، ولأن نموت واقفين ونحن نطالب بحريتنا وحقنا في العيش الكريم خيرٌ من أن نموت ذلاً وجوعًا، خيرٌ من أن نموت راكعين لغير الله عزَّ وجل، أو أن نموت غرقى مع فرعون وجنوده.. ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)﴾ (غافر).