لم أصدق نفسي وأنا أقرأ مقال الأستاذ فاروق جويدة في (أهرام) الجمعة الماضية (21/12/2007)، لقد أحسستُ بقدر كبير من الدهشة الممزوجة بالألم، لم أتخيَّل أن أجد إنسانًا مثقَّفًا وشاعرًا مرهفَ الحس أكنُّ له كشاعر تقديرًا عاليًا، أن يحمل في قلبه وعقله كل هذا القدر من الكراهية والحقد والمغالطات المدهشة التي نضح بها مقاله، إنني لا أصادر حقَّه الأصيل في النقد، فنحن والحمد لله أوسع الناس صدرًا، وأكثرهم حلمًا في تقبل الرأي الآخر، والاعتقالات والمضايقات التي نتعرَّض لها ليل نهار هي نوعٌ بالغُ القسوة والعنف من الرأي الآخر، ورغم ذلك نتقبَّلها بصدر رحب ونحتسبها عند الله.
حين تقرأ المقال المذكور تتضاءل أمامك كل فرص واحتمالات تأويل الكلام لإحسان الظن بالكاتب، فالمقال عبارة عن لوحة شديدة السواد من الكراهية والمغالطات المفزعة، ولا أخفيكم علمًا أنني أشفقتُ عليه وحزنت لحاله، أكثر مما حزنت مما كتب؛ لأنني على يقين أنه فقد الكثير من مصداقيته ككاتب، ومن صورته كشاعر بما كتبه؛ ولذا فإنني أجد نفسي مدفوعًا دفعًا للردِّ على مقاله:
أولاً: الكاتب الكبير يتحدث عن الإخوان والحزب الوطني، وكأنهما من دولة أخرى!! حين يقول: "لم يعد أمام المصريين الآن من منافذ فكرية أو سياسية غير ما يطلقه حزب الأغلبية من أخبار أو تراه المحظورة، كما يطلقون عليها، من أفكار معارضة.. ولا يوجد بينهما شيء على الإطلاق فكرًا وسياسةً ووجودًا، أول ما يجمع بينهما أنهما أصبحا الآن الفكر الوحيد السائد؛ فإما أن تجد نفسك على جانب الوطني، أو تجد نفسك مع الإخوان ولا شيء بينهما..".
رغم المبالغة الواضحة في العبارة، إلا أنني أطرح عليه تساؤلاً بريئًا: لماذا لم يعد أمام المصريين من فكر وسياسة غير فكر وسياسة الحزب الوطني والإخوان؟! هذا بالطبع إذا اعتبرنا أن للحزب الوطني فكر أصلاً.
سيدي الفاضل.. على افتراض أن للحزب الوطني فكرًا وسياسةً تسمع عنها؛ فهذا لأنه يملك المال والسلطة والإعلام والثقافة والتعليم؛ مما يجعله قادرًا على نشر فكرته- إن وُجدت- ولكن ما الذي يملكه الإخوان سيدي الفاضل حتى أصبحت فكرتهم سائدةً كما تقول أنت، فهم لا ناقة لهم ولا جمل، كل صحفهم مغلقة، ولا يملكون قناةً فضائيةً واحدةً، والمطابع التي تحسب عليهم يتم إغلاقها ومصادَرَة ما فيها، ويُمنعون من التعيين في الجامعات والمدارس، وكذلك من الخطابة في المساجد، والذي أفلت وتم تعيينه يتم اعتقاله! ليس هذا فحسب بل يُمنَع غير الإخوان كذلك من الحديث عن الإخوان بالخير ولو عرضا!! فلماذا ساد فكرهم سيدي الفاضل إذًا؟ السبب بسيط أيها الكاتب الكبير، إن فكر الإخوان يعبِّر بكل بساطة عن واقع الشعب المصري، يعبِّر عن هويته وتاريخه وانتمائه، انتشَر أيها الكاتب الكبير؛ لأن الناس تعوَّدوا منهم الصدق في القول والعمل.
فحين يطالبون الناس بالتضحية من أجل الوطن يكونون هم في مقدمة من يضحي بنفسه وماله ووقته وأسرته، والواقع خير شاهد على هذا، لهذا فقط انتشر فكر الإخوان، ولن أقول ساد كما قلت أنت، فهذا مدحٌ وإطراءٌ من حيث لا تقصد.
ثانيًا: الارتباك والتناقض هو أيضًا سمةٌ واضحةٌ في المقال؛ فعندما تقرأ "لقد دار هذا الخاطر في رأسي وسألت نفسي هذا السؤال: ماذا يحدث لو فتحت عيني ذات صباح ولم أجد الحزب الوطني والإخوان المسلمين في الشارع المصري، وقد يبدو الربط بين الاثنين شيئًا غريبًا؛ لأن التناقض الشديد بين الاثنين لا يترك مجالاً للاتفاق.."، ثم يأتي ويناقض نفسه بعد أن أقرَّ بأن التناقض الشديد لا يترك مجالاً للاتفاق فنجده يقول: "وفي تقديري أن هناك جوانب كثيرة تجمع بين الحزب الوطني والإخوان المسلمين، حتى وإن بدا أن الخلاف بينهما كبير جدًّا.."!! فنحن لم نعرف من الكاتب الكبير ماذا يريد أن يقول: هل هم متفقون أو مختلفون.. يرحمك الله؟!
ثالثًا: "يجمع بين الوطني والإخوان أن كليهما لا يؤمن بالحوار، ويعتنق مبدأً، إذا لم تكن معي فأنت ضدي، بمعنى أن الحزب الوطني حزب الرأي الواحد، وأن الإخوان لا يعترفون كثيرًا بتعدد الآراء حتى فيما بينهم.."، وهذه بالطبع مغالطة شديدة لا أدري كيف وقع فيها؟!
إذا كان الإخوان لا يؤمنون بالحوار كما تقول سيادتك، فما هي الوقائع التي تستند إليها للتدليل على ما تقول بربك؟! أنا لديَّ عشرات بل مئات الأدلَّة المعلومة للجميع للتدليل على أنهم من أكثر من يؤمن بالحوار.
أسوق لك منها مثالاً واحدًا لعلك ترجع إلى جادَّة الصواب، القراءة الأولى لبرنامج الإخوان الحزبي، والذي تم عرضه على عدد كبير من مثقفي ومفكري مصر؛ ليدلوا برأيهم فيه نقدًا أو مدحًا، واستجاب الإخوان لبعض الآراء، ووعدوا بتعديلها، وتحفَّظوا على آراء أخرى، وشكروا أصحابها، وأعلنوا احترامهم لرأيهم، وإن اختلفوا معه، أليس هذا أيها الكاتب الكبير هو عين الحوار الراقي والمتحضِّر؟
بل إن ما فعله الإخوان في هذا المثال يعدُّ سابقةً تاريخيةً، لا في مصر وحدها بل في العالم أجمع، كما يقول المراقبون لا أنا! ثم ماذا عن "وأن الإخوان لا يعترفون كثيرًا بتعدد الآراء حتى فيما بينهم.." من أين جئت بهذا الكلام الشاذّ؟! إن المثال الحالي ينسف كل كلمة قالها الكاتب الكبير؛ فالإخوان أنفسهم انتقدوا بعض الفقرات في برنامجهم وفي العلن، سواء القيادات أو القواعد وأمام شاشات التلفاز، وبعض هذه الانتقادات كان قاسيًا، ولم نسمع أو نشاهد أن أحدًا عوتب أو فُصِلَ من الجماعة لهذا، فأين إذًا محلُّ جملة "لا يقبلون بتعدد الآراء حتى فيما بينهم" من الإعراب؟!
رابعًا: "يجمع بين الوطني والإخوان أن الأول يتحدث باسم الوطن ويرى نفسه الوحيد صاحب الحق فيه، والثاني يتحدث باسم الدين ويرى أنه أولى الناس به.." أتفق معك في الشق الأول، والثاني بالطبع أختلف معك فيه؛ فالإخوان ما فتئوا يتحدثون صباح مساء عن أنهم جماعة من المسلمين وليسوا جماعة المسلمين، كما أنه سيدي الفاضل ما ذنب الإخوان في أنهم الأعلى صوتًا في المعارضة أو الدفاع عن الدين؟! وهل هذا عيبٌ نُسأل عنه ونُحاسَب عليه؟!
إن مصر هي بلد الأزهر ومئات الجمعيات والاتجاهات الإسلامية التي تعمل بحرية ودون تضييق، بل بدعم كامل من الحكومة، فهل يضايقك أننا في المقدمة رغم التضييق والحصار المستمر، وهذا من فضل الله علينا؟!
تأكد- أيها الكاتب الكبير- أننا سنكون أسعد الناس حين يستعيد الأزهر دوره ومكانته المنشودة، هل نظرت يومًا إلى تركيبة مكتب الإرشاد أيها الكاتب الكبير؟! هل عدَّدت عدد علماء الدين فيه؟! إن من تتهمهم بالحديث باسم الدين لا يوجد بينهم سوى عضو مكتب إرشاد واحد فقط عالم دين، والباقون من أساتذة الجامعات والمهنيين!!
إنني أكتفي في هذا المقال الآن بالردِّ على جزء من مغالطات الأستاذ فاروق جويدة، على أن أكمل في المقال القادم بإذن الله، ولا أجد ما أقوله في الختام غير: "اللهم اهدِ قومي فإنهم يعلمون، ولكنهم ينكرون ويغالطون"!!.