فاروق جويدة

 

الأستاذ الكبير فاروق جويدة.. بعد التحية الواجبة، تألَّمتُ لِمَا حملَه مقالُكم "الإخوة الأعداء"، في "أهرام" الجمعة 21/12/2007م، من مغالطاتٍ في نظري، أحببتُ أن أَعرضَها عليكم، وغالبُ ظني أنه سيُحْظرُ نشرُها، وقد آثرت أن أسميَّها أصداء.. لا أخطاء؛ وذلك تقديرًا لمكانتكم في الثقافة والفكر، فضلاً عن الأدب والشعر، فضلاً عن ثمار كلِّ هذا: كلمة الحق التي تُثقل ميزان صاحبها عند الله تعالى.

 

لقد عُدتم في مقالكم باللائمة على كلٍّ من الإخوان والحزب الوطني، دون توضيحٍ لطبيعة ما أسميتموه عداءً، ومَن المتسبب فيه، ومَن الذي يملك الصلح ولماذا لا يبدأ به.

 

وقد ذكَّرتْني مقالتكم بذلك التلميذ الذي سرَّبَ له مدرسُه الخصوصيّ بعضَ امتحانات النقل، التي قام هذا المدرس بوضعها في تلك السنة، وعَلِمَ بذلك أحدُ التلاميذ الذين تعودوا أن يتفوقوا بمجهودهم فقط، فاشتكى في الإدارة التعليمية، فشُكِّلت لجانٌ للتحقيق، وأصبح الأمر مثار حديث المدرسة كلِّها، وأخذ وقتًا طويلاً، وفي النهاية انحاز ناظر المدرسة للأستاذ الذي سرَّب الامتحان، ووقف يخطب في التلاميذ يقول: لقد أضعنا من الوقت، وأهدرنا من الجهد في هذا الأمر، ما لو استفدنا به في رسالتنا الحقيقية، وهي التعليم والتثقيف والتربية لحققنا الكثير.

 

أستاذنا الكبير.. عندما تكون هناك مظلمةٌ، فإننا إن أردنا الإصلاح الحقيقي، فلا بد أن تُزالَ هذه المظلمة أولاً، أو على الأقل يُشارُ إلى المتسبب فيها، ونعلمه بخطئه، وإلا فأية تربيةٍ أو تعليمٍ أو ثقافةٍ ضيَّعها هذا الناظر، وهو ينحاز إلى الظالم أمام كلِّ الطلبة؟!! وما كان انشغال طلبة المدرسة كلِّهم بالأمر، رغم أنه خاصٌّ بمشكلةٍ حدثت في صفٍّ واحدٍ، إلا لتعاطف العموم مع المظلوم، وكذلك ما انشغل الكثيرون من الشعب المصري بما يحدث للإخوان إلا لما يتعرضون له من ظلم، ومن الأدلة على ذلك كثرة المتعاطفين من كافة الاتجاهات مع أربعين من الإخوان يُحاكمون عسكريًّا، وكثرة الأخبار التي تفلت من الحظر فيتابعها الناس بمختلف اتجاهاتهم بشغفٍ على صفحات الجرائد والمواقع والفضائيات عن هؤلاء، تعاطفًا مع مظلومين انُتزِعُوا من أمام قاضٍ طبيعيٍّ سبق وأن برَّأهم من التهم المنسوبة إليهم.

 

إن الشعب المصري، مع أنه مغلوبٌ على أمره في كثيرٍ من الأمور، إلا أن به مزايا يتميز بها عن كثيرٍ من الشعوب، ومنها التعاطف الشديد مع المظلوم، وكنتُ ولا زلتُ أتعشم أن يشاركَ قلمُكم المميز في المطالبة برفع المظالم، فيستريح كلُّ الناس، بدلاً من تمني زوال كلٍّ من الحزب الوطني والإخوان، لتستريح بعض رموز النظام غير المبرأة من المشاركة في هذه المظالم.

 

إنني بما لكم من رصيدٍ عندي وعند الكثيرين، أتمنى أن تُشير بمبضع قلمكم إلى موضع الجرح في ثلاث مظالمَ أساسية، تؤثر كثيرًا في الشعب المصري كلِّه، حتى لو كان معظم المتعرضين لها الآن من الإخوان المسلمين: التزوير هو آفة الآفات حيث عَدَّه رسولُنا الحبيب من أكبر الكبائر بعد الشرك والعقوق، فهو يُزَيِّفُ إرادة الأمة، ويوصل لمركز القرار مَن لا يستحق، بل من لا يُؤتمن، ويعتمد عليه النظام اعتمادًا أساسيًّا في الاحتفاظ بفيتو الأغلبية، فبها يُرَشحُ فلان، ويُنتخب فلان، ويُمرَّر القرارُ الفلاني، ويُعدَّل الدستور لحجب فئة معينة، كلُّ هذا رغمًا عن إرادة كافة الشعب، لقد استبشرنا من قبل بالخير، وقلنا إنه من الإنجازات الحقيقية لعصر سيادة الرئيس مبارك، عندما حكمت المحكمة الدستورية بضرورة الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات، وفعلاً تحققت نسب نزاهةٍ معقولةٍ في انتخابات مجلس الشعب في مراحلها الأولى، اللهم إلا في دوائرَ معينةٍ، كانت خطًا أحمر للنظام، فاعتمد على قلةٍ كأصابع اليد الواحدة، من قضاةٍ لا يمثلون قضاة مصر الشرفاء، فرأسوا لجانًا وغيروا نتائجها، ثم كان التدخل الأمني أمام الأشهاد في المراحل التالية، ولما كانت النزاهة النسبية تأتي ببعض الإخوان في المجلس، كانت الانتكاسة التشريعية بالتعديلات الدستورية، التي أجمع المنصفون أنها ما كانت إلا لحجب الإخوان عن الدخول والدعاية، فضلاً عن النجاح؛ وذلك بإلغاء الإشراف القضائي الكامل بحججٍٍ واهيةٍ، ولعلكم شاهدتم أو سمعتم عن جحافل الأمن التي تُحيط في انتخابات الشورى الماضية باللجان الانتخابية التي بها مرشح من الإخوان المسلمين، أو سمعتم عن أعداد المعتقلين التي تقدَّرُ بالآلاف منهم في نفس الدوائر قبل الانتخابات وأثناءها، لا لذنبٍ لهم سوى أن واحدًا من الإخوان في دائرتهم، قد تجرأ على أن يتقدم لحقٍ مباحٍ لكل فئات الشعب المصري بموجب المواطنة التي طالما تحدثوا عنها.

 

سيادة الكاتب الكبير لقد تعب سيادة وزير الداخلية، وسيادة النائب العام كثيرًا أثناء انتخابات الشورى الماضية، ولو أردت راحتهما فمن الإنصاف أن تقولوا أن يكون ذلك بإزالة الظلم وليس بإزالة المظلوم، وحينها تُوفَّر الطاقاتُ حقًّا، وتُوفَّرُ جهودُ كافَّةِ رجال الأمن الأكْفَاء، وتوفر الأعداد المحشورة من الجنود في المصفحات، حول الجامعات، وحول أماكن الندوات والمؤتمرات، يُوفَّر كل هذا لصالح الأمن الحقيقي للمواطن، وللقضاء على تزايد ظاهرة السرقات والرشاوى والاختلاسات والاغتصابات، التي ما كنا نسمع عنها من قبل. الحبس الاحتياطي وهو يُستخدم كعقوبةٍ مقنعةٍ للإخوان المسلمين وغيرهم، فالمبرر الأساسي لحبس متهمٍ لم تثبت إدانته، هو الخوف من هروبِه، أو من تأثيره وإخفائه لأدلة إدانته إذا أُطلق سراحه، وكلا الأمرين لا وجود لهما في حق الإخوان، فلا توجد جنايةٌ من الأساس، ولو أراد سيادة النائب العام أن يستريح، ويُريحَ أجهزتَه، لسأل نفسه سؤالاً واحدًا: هل وجد من ضمن آلاف الاعتقالات والتحقيقات التي حدثت من بداية التسعينيات للإخوان أية قضية صالحة لإيصالها للمحكمة؟!، وإن وَجد القليل النادر منها، فكم منها انتهى بالإدانة؟!، أمَا سئم الناس من التهم المكررة، والتي يُحبس فيها نفس الشخص أكثر من مرة، ويخلى سبيله قبيل انتهاء مدة الحبس المقررة؛ لأن عرضها على المحاكم سيمثل أضحوكةً لشرفاء القضاة، أن يحاكمَ مواطنٌ على فكرةٍ، أو اقتناءِ كتابٍ موجود في الأسواق، أو أنه، ويا للعجب ضُبط متلبسًا في لقاءٍ مع بضعة مواطنين آخرين يتسامرون، أو يتناولون الطعام، أو حتى يتشاوروا في أمر من الأمور.

 

إن الاستعلاء من أجهزة الأمن، وهنا لا أحب أن أقلِّلَ من دور الكثير الأغلب من رجال الأمن الشرفاء ضباطًا وجنودًا، وإنما أخصُّ بعضًا منهم، وغالب هذا البعض في جهاز أمن الدولة، وهم اليد التنفيذية التي يُمرَّرُ عن طريقها الكثير من المظالم، وأقل ما يفعلون هو إحساسهم بالاستعلاء عن بقية خلق الله، وقد يُترجِمُ هذا الاستعلاء كلٌّ بطريقته الخاصة، إما بالإيذاء، أو بتلفيق التهم، أو بالتهديدات، وإحقاقًا للحق منهم بعض من ينأى بنفسه عن تلكم المظالم رغم أنها متاحة له.

 

أستاذنا الكبير.. راحة الناس وسعادتهم في إزالة الظلم لا في تمني إزاحة المظلوم، ولا حتى الظالم، إنما الحديث الشريف "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، ونحن نتواصى بمحبة الناس ودعوتهم لأسس الإسلام التي لا نحتكرها بل هي مسئولية كل الناس في مصر، ونحن ليس بيننا وبين الحزب الوطني ولا غيره أية عداءات، إنما صلبُ دعوتنا تقديم النصيحة اللازمة عندما نرى المظالم كالتزوير والتربح من المال العام والظلم والفساد بكافة صوره. والسلطة عندنا ليست هدفًا ولا غايةً، وادعاء سيادتكم أننا نريد الوصول إليها بأي أسلوب هو ادعاء في رأيي يفتقد الدليل، إلا إذا اعتبرت أن دخول بعض الانتخابات، والإيجابية في إبداء الرأي في القضايا الأساسية، هو وسيلة للوصول إلى السلطة بأي أسلوب، ولغةُ المصالح تحكمنا بالطبع كما ذكرتم، ولكنها المصلحة الحقيقية للشعب المصري كله، أن يسعد بطاعة ربه والتمسك بمبادئ شريعته، وأن تعود له عزته وكرامته ومكانته، أما المصالح الدنيوية فمَن يُحبُّ أن يُجرِّبَ، فليأت معنا، ليأخذَ حظَّه منها، حظرًا، أو تضييقًا، أو اعتقالاً، ومع كل هذا أن تؤدِّيَ واجبَ النصح فيما تراه نافعًا لبلدك.

ويبقى الشعر:

قولوا لمن يَبغي الصلاحَ لمصرَ من أهلِ البصائر

قولوا لمن يُدلي بدلوٍ في الصحافة والمنابر

كلماتكم تُحصَى لكم والرَّبُّ مُطَّلعٌ وقادر

صونوا الأمانة إنها نعمَ الذخيرة والذخائر

كن مُظهرًا ما يعتمل بنفوس قومك في الضمائر

واحذر مداهنة الظلوم فكلنا للمولى صائر

لا تعمدنَّ إلى الحديث عن التوافه والصغائر

لا تلبسنَّ بباطلٍ حقًّا فيبقى كالمنائر

--------

** moatasemabdulla@yahoo.com