الظلم ظلمات
حقًّا إن الظلم ظلمات؛ لأنه يعمي بصيرة الطاغية الظالم، ولا أُسرف إذا قلت: إنه يُعمي بصره كذلك, فلا يرى الحقيقة في واقعها الحقيقي, بل يكون حوله مَن "يرى" له, ويُزيِّن له كل ما يُرضيه, ويقلب له الحق باطلاً, والباطل حقًا, فهو الزعيم الأوٍحد, وهو المنقذ الأول, وهو العبقري الأول, وعن مثله عقمت النساء، وهو سعيدٌ ببطانة السوء هذه, إنهم "هامان وأوتاد" كل عهد, الباحثون عن متع الحياة الدنيا، ملوك "الهبش" و"الهبر"، حملة المباخر، أرباب الكذب والنفاق.
وما أسعد بطانة السوء حين يرون مثل هذا الحاكم أحمق غبيًا، يضعهم في سويداء قلبه, وبهم يرى, وبهم يفكر, وبهم يسعى, وبهم يبطش.. ويمضي أعمى القلب.. أعمى الضمير, أعمى البصيرة, أعمى البصر, وكأنه المقصود بقول بشار بن برد:
أعمى يقودُ بصيرًا لا أبا لكمو قد ضلّ مَن كانت العميانُ تهديه
صدقتَ والله يا بشار "قد ضلَّ مَن كانت العميان تهديه"، وهل انكسرت شعوبنا, وتخلَّفت, وصارت طعامًا مستساغًا لأعدائها إلا لأن حكامها وقادة مسيرتها هم العميان?! وفيهم نزفتُ شعرًا، ولا أبالغ إن كنت قد رأيت في كل واحدٍ من هؤلاء في قصيدتي "براءة" نموذجًا مجسدًا لـ"الشر والشيطانية":
كأنه لبني إبليس نسبتُهُ دستوره البغي والإحجاف والغَشَمُ
السجن والقيد والعدوان عدته وشر أعدائه الإسلام والقيم
يقتات دمع الضحايا في زنازنهم كأن أناتهم في أذنه.. نَغَمُ
ويدّعي أنه للعدل ملجؤه وأنه للجياع الخبزُ والأَدَم
وأنه عبقري العصر والعَلَم ومثلَ فطنته لم تُنجب الأُمم
وهٍو الذي ذبح القانون من سفهٍ وضج مما جناه الحًلُّ والحرم
له بطانة سوء كم طغت وبغت وهم على الشعب دومًا نكبة عَمَمُ
يا أيها الذي ماتت بصيرتُه حتى استوت عنده الأنوار والظلم
لقد غدوت كوحشٍ ناش إخوته ولم ترقّ لمن كانت لهم رحمُ
رأيت نارك في الأعداء باردة لكن على الأهل جمر ساعر حمم
الطاغية وتوثين الذات
إن الظلم أبشع الآفات التي تصيب النفس البشرية, وهو يأخذ صورته الضارية إذا ملك الظالم من القوة ما يجعل الظلم آلية سهلة لتنفيذ مآربه, وتحقيق ما يشبعُ نفسه المريضة، هو شذوذ في أعتى صوره لأنه تمرُّد على الفطرة الإنسانية, وجور على بني آدم وقد كرَّمهم الله, وجعلهم أكرم المخلوقات.
والحاكم الظالم يستبد به الغرور, ويتدرج به إلى أن يُغرق نفسه في مستنقع توثين الذات، وفرعون مصر هو أصرخ النماذج في هذا المجال" فقد رفض دعوة موسي عليه السلام ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى (24)﴾ (النازعات:23, 24) وليس من الضروري أن يكون توثين الذات بادعاء الألوهية, ولكن بإنكارها, والنظر إليها وإلى الدين كظاهرة كانت مرتبطة بالطفولة الأممية وعصور التخلف في الماضي, ومن أمثلة هؤلاء هتلر وموسوليني، ومن القصص المشهورة أن "جوبلز" (1897- 1945) - وكان وزير الدعاية والأنباء في عهد هتلر- كان يشرف على إعدام أحد القسس, فقال له: "لا تعدمني, واتق الله فيّ" فرد عليه قائلاً: "لم يعد العصر عصر الله يا غبي, إنما هو عصر الفوهرر هتلر", وانتهي به الأمر إلى الانتحار هو وزوجته وأولاده وزعيمه هتلر في أول مايو 1945م.
آفات أخرى.. وتبريرات ساقطة
وانطلاقًا من هذه الآفة -توثين الذات- نري الطاغية يتسم بالأثرة, وحب النفس, فهي مدار تفكيره, وهي المعيار الذي يزن ويقيس به أعمال الآخرين, فما اتفق مع هواها هو الطيب الخيّر, وما خالفها هو الباطل والخطيئة.
ومن هنا تأتي استهانة الطغاة بشعوبهم فهم في نظرهم "دهماء" لا يستحقون أن يشاركوا في سياسة تقرر مصيرهم, أو تسيّر أمورهم, إلا على سبيل الظاهر الكذوب "للترضية" وإسكان الأصوات.
ومع أحادية هذه النظرة نرى الطاغية متشبثًا بكرسي الحكم, يعض عليه بالنواجذ, وإذا تعارض هذا "التشبث الأبدي" مع دستور الوطن, ومصالحه وأعرافه, رأيت بطانة السوء, ومَن وراءهم من حملة المباخر الآكلين على كل مائدة يرفعون أصواتهم بالتبريرات الجاهزة المعدة سلفًا لمثل هذه المواقف.
فتسمع من يقول: إن الدستور وسيلة لا غاية, فإذا تعارض بقاء "الحاكم الفلتة العبقري الموهوب" مع نص "جامد" من نصوص الدستور غضضنا النظر عنه, ليستمر الحاكم "الفلتة"؛ لأن مصلحة الوطن أهم من كل دساتير الدنيا.
وتتوالى "تدعيمات" هذه المقولة, بصرخات عاطفية أخرى: فليبٍقَ.. وليستمر.. ليستكمل مسيرة الرخاء, ومسيرة السلام.. ومسيرة التنوير.
ثم يتحول بعض الأصوات بنبرة عالية إلى القول: أيها المعترضون لو كنتم صادقين في اعتراضكم, مقتنعين به رعاية لمصلحة الوطن: اذكروا اسم شخص يصلح أن يكون بديلاً.. يستطيع أن ينجز بعض ما أنجز الزعيم الفلتة.. وطبعًا لا يكون إلا الصمت.. خوفًا على مصير "البديل المقترح". والمعروف تاريخيًا أن الحكام في الشرق العربي لا يتركون الحكم إلا بالموت أو الاغتيال, هذا إذا استثنينا رجل السودان العظيم "سوار الذهب".
وكل ما ذُكر من تبريرات تنطلق من فراغ وتعد فارغة لأنها تحاول أن "تمنٍطق" ما لا وجود له, فمن من حكام العرب -يا حملة المباخر- حقق رخاء وصنع للرخاء مسيرة أو حقق سلامًا شريفًا, واختط لاستكماله سبيلاً, وأشاع التنوير في مجال الفكر والتقنية والتعليم?
إن الواقع الذي نعيشه -نحن العرب بعامة, والمصريين بخاصة- يدحض.. بل يسحق كل مزاعم حملة المباخر وتهويشاتهم. وحتى لو صح أننا في ظل النظام الحالي.. أي في ظل حكومات الحزب الوطني نعيش رخاء حقيقيًا.. وسلامًا حقيقيًا.. وتنويرًا حقيقيًا.. أليس من حق الشعب أن يطلب التغيير, ويطالب بتداول السلطة وصدق المثل القائل: "إن في التنويع متعة, حتى في الهموم"، فنجاح الحاكم في قيادة هذه المسيرات لا يصلح تبريرًا لبقائه "حاكمًا أبديًا".
واذكروا يا سادة رجلاً اسمه "ونستون تشرشل" (1874- 1965) الذي كان رئيسًا للوزارة الإنجليزية طيلة أيام الحرب الثانية (1939- 1945). وحقق على دول المحور أعظم انتصار في تاريخ البريطانيين, بل تاريخ أوروبا بأكملها على مدار التاريخ ورفض أن يعلن الأحكام العرفية على شعبه أثناء الحرب وقال قولته المشهورة: (لا أجمع على شعبنا وطأة الحرب ووطأة الأحكام العرفية). وبعد هذا النصر العظيم فشل حزبه -حزب المحافظين- في الانتخابات العامة (النزيهة طبعًا) عام 1945. وترك الرجل الوزارة بصورة طبيعية بعد أن حقق أعظم انتصاره ولم يخرج إنجليزي واحد هاتفًا "بالروح.. بالدم.. نفديك يا تشرشل".
ثرثارون.. ونمور ورقية
إن الحاكم العادل يزرع في قلوب المواطنين الاعتزاز به, والحب له, والإقبال عليه, والثقة فيه, وسرعة الاستجابة العملية لتوجيهاته, على حد قول الشاعر المسلم عن خالد بن الوليد رضي الله عنه:
إذا قال سيفُ الله كرّوا عليهمو كررنا بقلب رابط الجأش صارمِ
فيكون تحقُّق الانتصارات أمرًا طبيعيًا لا غرابة فيه. وكما يكون الحاكم العادل محبوبًا من رعيته, يكون مهيبًا في نظر أعدائه. ومع حب المواطن لحاكمه العادل يكون صادق الولاء للوطن يفديه بنفسه وبكل غال نفيس.
وبالعكس يفقد الحاكم الظالم حب الناس وثقتهم, وإذا أطاعوه ففي الظاهر فقط, خوفًا من بطشه وجبروته على حد قول الشاعر:
دعوا باطلاً, وجلوا صارمًا وقالوا: صدقتا? فقلنا: نعم
ويفقد المواطن ولاءه -لا للحاكم الظالم فحسب- بل يمتد ذلك للوطن, وقد أصبح يعيش فيه غريبًا, يعاني الظلم والقهر ومن العذاب الكثير وقد قالها "أبو نواس" من ثلاثة عشر قرنًا:
لا أذودُ الطير عن شجر قد بلوتُ المرَّ من ثمره
ومثل هذا الحاكم يستهين به أعداء الأمة, ومنه يسخرون, بعد "أن نزع الله من قلوب أعدائنا المهابة منه". وكم تهكم كبار الصهاينة والصليبيين والأمريكان على حكامنا, فأطلقوا على بعضهم أوصافًا أو ألقابًا مضحكة مثل "النمر الورقي" و"الثرثار الكبير" Big talker. ولا غرابة أن تمتد استهانتهم بحكامنا إلى استهانتهم بشعوبنا, فيتخذون قراراتهم المتعلقة بمصائرنا, وكأننا لا وجود لنا, وإذا كان لنا وجود- في نظرهم- فهو وجود هامشي, أو وجود "ورقي"، وقد سُئل أحد كبار الصهاينة: "أصحيح ما جاء في القرآن من أن اليهود ضُربت عليهم الذلة والمسكنة?" قال: نعم.. كان ذلك قديمًا أيام أن كان اليهود مثل الشعوب العربية الحالية".
******
ذكرنا من قبل أن إيذاء الكفار للمسلمين في مكة اشتد, حتى استُشهد بعضهم بالتعذيب مثل ياسر بن عامر, وزوجته سمية بنت خياط (أم عمار), فأذن الله لهم في الهجرة إلي الحبشة, فهاجر منهم 115 مسلمًا ومسلمة على دفعتين: الأولى 32, والثانية 83. وعلل النبي- صلى الله عليه وسلم- اختياره الحبشة مهجرًا لهم بأن فيها "ملكًا عادلاً لا يُظلم عنده أحد".
وكان لهذه الهجرة الباكرة آثار طيبة- على قلة عدد المهاجرين- أهمها أثران هما:
1- أنها أثبتت للكفار قدرة المسلمين على الحركة والتصرف والسياحة في آفاق خارجية.
2- أنها نقلت -لأول مرة- اسم الإسلام إلي خارج الجزيرة العربية, وبدأت عيون الأحباش تتفتح -لأول مرة- على إسلام هؤلاء المهاجرين.
في الطريق إلى الدولة
وبعد ثلاثة عشر عامًا من العمل الدائب, والجهد المتواصل في الدعوة إلي الإسلام كانت هجرة النبي- صلى الله عليه وسلم- إلي المدينة وهجرة المسلمين جميعًا من بعده. فمكة قد تحجرت فيها قلوب أهلها, وازدادوا قسوة وظلمًا وصلفًا وإصرارًا على رفض الدين الجديد, وقد مهد النبي- صلى الله عليه وسلم- لهذه الهجرة بلقاءات ثلاثة مع أهلها, وكان كل منها مورقًا مثمرًا:
الأول: في موسم الحج, وكان يعرض نفسه على القبائل قائلاً: "من رجل يحملني إلي قومه فيمنعني حتى أبلغ رسالة ربي, فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي"، فأسلم جماعة من الخزرج, ووعدوه أن يعرضوا الأمر على قومهم عند عودتهم إلي المدينة وكانوا ستة أشخاص.
واللقاء الثاني: كان مع 12 من الأنصار أسلموا وبايعوا (وهو ما يعرف ببيعة العقبة الأولي). وأرسل معهم "مصعب بن عمير" لتفقيههم في الدين.
واللقاء الثالث: وهو ما يسمي ببيعة العقبة الثانية كان مع 73 رجلاً وامرأتين من الأنصار, أسلموا وبايعوه على النصرة والحماية والمنعة.
وبالهجرة قامت دولة الإنسان
وفي المدينة أقام النبي -صلى الله عليه وسلم- "دولة الإسلام", والدولة بالمفهوم الحديث "جمع من الناس من الجنسين معًا, يعيش- على سبيل الاستقرار- على إقليم معين محدود, ويدين بالولاء لسلطة حاكمة لها السيادة على الإقليم وعلى أفراد هذا الجمع" (د. حامد سلطان: القانون الدولي العام 343).
وقد نصت المادة الأولي من الاتفاقية الخاصة بحقوق الدول وواجباتها التي عقدت في "مونتفيديو" في 26 من ديسمبر سنة 1933 على ما يأتي:
"يجب لكي تعتبر الدولة شخصًا من أشخاص القانون الدولي أن تتوافر فيها الشروط التالية:
1- شعب دائم.
2- إقليم محدود.
3- حكومة.
4- أهلية الدخول في علاقات مع الدول الأخرى".
وكل هذه الشرائط -دون تمحل وإسراف- توافرت في الدولة التي أقامها النبي- صلى الله عليه وسلم- في المدينة على مدى عشر سنين:
1- فالمدينة إقليم له حدوده المتميزة المحددة.
2- والشعب هو الشعب المسلم المكون من الأنصار (الأوس والخزرج) والمهاجرين. وكلهم انصهروا في بوتقة الإسلام. وعاشوا كالجسد الواحد تماسكًا وتكافلاً وتعاونًا ومحبة وإيثارًا.
3- أما الحكومة: فحكومة الرسول- صلى الله عليه وسلم- التي تعتمد في الحكم على ركيزتين صلبتين: العدل والشورى.
4- وكل أولئك جعل لهذه الدولة الجديدة أهلية كاملة في التعامل -كشخصية اعتبارية- مع الآخرين. على تفصيل لا يتسع له المقام.
الأمن.. والاستقرار.. والعدل
واقتضى حرص النبي- صلى الله عليه وسلم- على ترسيخ قواعد الدولة المركزية الجديدة, ترسيخ العلاقات التي تربط بين الدولة وبين قبائل اليهود المختلفة" فكتب عهدًا مفصلاً ينظم العلاقات بين الدولة وبين هذه القبائل, ويطلق عليه تاريخيًا "كتاب الموادعة" أو "دستور المعايشة".
وقد كتبه أول وصوله إلي المدينة -دون أن يطلب منه اليهود ذلك-, وفيه تفصيل دقيق جدًا للحقوق والواجبات. ثم كان الانفتاح على خارج الجزيرة برسائل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الملوك والرؤساء.
واستقر الحكم باليقين, وإشعار رعايا الدولة بالأمن والطمأنينة, والثقة في العدل, يستوي في ذلك المسلمون واليهود والمنافقون, وقد كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يعرفهم واحدًا واحدًا, ومع ذلك عاملهم معاملة طيبة وعلى رأسهم عبد الله بن أبيّ بن سلول, ولم يأخذهم "بالباطن المستتر", وقد قال:".. لنا الظاهر وعلى الله السرائر". والأصل أن الناس جميعًا "أبرياء" إلى أن يثبت - على وجه اليقين- ما يقتضي الاتهام والعقاب.
ويُروَى أن قومًا أتوه برجل وقالوا يا رسول الله, إن هذا الرجل سرق منا كذا وكذا, فقال: "لا تقولوا سرق, ولكن قولوا: أخذ" فهو "آخذ" إلي أن يثبتوا -علي سبيل القطع- أنه سارق.
واطمأن عتاة الكفرة والمجرمين والقتلة -بعد إسلامهم- بتطبيق قاعدة "الإسلام يجبُّ (أي: يمحو) ما قبله".. حتى وحشي الحبشي الذي اغتال حمزة بن عبد المطلب -رضي الله عنه- أحب خلق الله إلي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قَبًل النبي إسلامه ولم يمنعه حقًا من حقوقه, وعاش مجاهدًا, وبيده صرع مسيلمة الكذاب في موقعة اليمامة في عهد أبي بكر -رضي الله عنه.
وتكرر مثل ذلك أيام عمر بن الخطاب -رضي الله عنه. فقد حزن حزنًا شديدًا على أخيه زيد الذي استُشهد في معركة اليمامة, وكان يتمني لو كان شاعرًا حتى يرثيه بشعر كشعر متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك.
وبعدها أسلم القاتل "أبو مريم السلولي" والتقي عمر في خلافته, وقال له: أنت قاتل أخي, والله لن أحبك حتى تحب الأرضُ الدم المسفوح" (أي لن أحبك أبدًا). فسأله أبو مريم: أيدفعك ذلك إلي ظلمي? فأجاب عمر -علي الفور-: اللهم لا. قال أبو مريم: لا ضير. إنما يأسي (يحزن ويتحسر) علي الحب النساء.
وعاش قاتل شقيق الخليفة -كما عاش قاتل عم النبي- صلى الله عليه وسلم- آمنين متمتعين بعدالة الإسلام, وقد جبّ الإسلام جريمتهما, ولم يصفهما أحد بالغدر والإرهاب.
وفي ظل "العدل الشامل" الذي لم تخدشه "طوارئ" أو "استثناءات" كانت الدولة الإسلامية مهيبة في نظر أعدائها, وبسيادة الإيمان -لا سيادة الرئيس- دكَّ المسلمون دولتي الفرس والروم, أهل الظلم والكفر والجبرية. وكان رستم -قائد الفرس- يقول: أكل عمر بن الخطاب كبدي لأنه يعلم الكلاب الآداب".
ما أبعد الليلة عن البارحة
وما ذكرته يمثل خطوطًا سريعة "لطبيعة الوطن القومي الإنساني" الذي عاش فيه العرب والمسلمون, فحققوا الانتصارات, وعاشوا رسل تعمير وتنوير على مستوى العالم كله. إنه الوطن الذي يجب أن نعيش فيه -أو قريبًا منه شبهًا- في عصرنا الحاضر وليس ذلك بالمستحيل ما توافرت العزائم, وصدقت النوايا, وواصلنا العمل علي أساس من الإيمان والحرية, وأصبحت السيادة للقيم النظيفة السامية.
عصر العار.. والشذوذ
أما العصر الذي نعيشه الآن فهو " العصر "الأمريصهيوني" أو العصر "الصهيوأمريكي" وهو يعني في إيجاز شديد جدًا: الهيمنة الأمريكية (وهي ذات أبعاد صهيونية حتى النخاع) علي المنطقة العربية في ثرواتها وسياساتها وقيمها, ومناهج التعليم فيها, وخصوصًا ما يتعلق بالعقيدة والأخلاقيات وقد حذف من المناهج والمقررات كل ما يدين اليهود, وهي حقائق ثابتة, يستوي في ذلك القرآن الكريم والسنة النبوية والشهادات التاريخية اليقينية حتى لو كانت بأقلام غير المسلمين من المنصفين.
ولإسرائيل سوابق حقيرة في هذا المجال" فبعد جريمة التطبيع الأولي التي اسمها "كامب ديفيد" انطلق الصهاينة -بتخطيط عملي دقيق- لتشويه عقيدتنا, وهدم قيمنا ومعطياتنا الدينية, ففي سنة 1982, روّرت إسرائيل طبعة من القرآن حذفت منها 160 آية من سور متعددة, مع إدخال بعض الآيات من سور أخرى. طبعت من هذا القرآن المزور مليون نسخة في إحدى دور النشر المعروفة ببيروت, وغُلفت النسخ بالحرير, وطُعمت بالذهب, ووزعت كلها في البلاد الإسلامية, وبعض البلاد العربية.
وتصغر هذه الجريمة أمام جريمة أكبر تتمثل فيما سموه "القرآن الحق", وقد وُزع في العالم كله, ويذاع في مواقع أعداء الإسلام (الإنترنت)، وكله تشويه خسيس للإسلام, وتجريح لشخصية نبينا -صلى الله عليه وسلم-, وإبراز لمحاسن اليهود واليهودية والمسيحية.
من مظاهر العار والضياع
ومن مظاهر الهيمنة فرض اتفاقيات تمكن إسرائيل من التغلغل في أوضاعنا الاقتصادية والسياسية, وآخرها اتفاقية "الكويز" التي يصر النظام المصري علي تسميتها "بروتوكول" لا "اتفاقية", وتصويرها علي أنها "المنقذ" الذي هبط من السماء. وهي في خطورتها, وآثارها البعيدة, تعد المرحلة الثانية من مراحل التطبيع, لتكريس الوجود الإسرائيلي وتغلغله, وتقنينه في المنطقة.
وكانت هذه الاتفاقية توَّقع وإسرائيل تقوم بمذابح وهجمات وحشية بالطائرات والدبابات علي غزة وخان يونس وغيرهما. وبعدها يعلن مجرم الحرب "شارون" -الذي وصفه النظام المصري بأنه "رجل سلام"- أن الرئيس بوش وافق علي ما قررته إسرائيل من أنه لا عودة للاجئين الفلسطينيين, ولا عودة إسرائيلية إلي حدود ما قبل 1967, وأن القدس هي العاصمة الأبدية لإسرائيل.
أما حكامنا فقد ضحوا بشعوبهم لإرضاء العم بوش, وإرضاؤه -من وجهة نظرهم- يضمن لهم كراسي الحكم, ويهيؤها لأبنائهم من بعدهم, وحكموا شعوبهم بالسجون والحديد والنار حتى كتب أحد الصحفيين الفرنسيين إحصائية ذكر فيها أن مجموع عدد المسجونين والمعتقلين السياسيين من المواطنين في مصر وسوريا وليبيا يمثل خمسة أمثال المسجونين الفلسطينيين في سجون إسرائيل. أما التعذيب في سجوننا فأبشع ما يمكن أن يتصوره إنسان, وأصبح من الأمور العادية أن يموت المعتقل أو يفقد عقله من شدة التعذيب. وأصبحت أحكام القضاء التي تدين جرائم "الأمن" لا تُنفَّذ مهما كانت أحكامًا نهائية. وانفرد قانون الطوارئ بالتسلط علي الشعب من ربع قرن.
ودائمًا يتشدق هؤلاء الحكام بأن نظام حكمهم نظام ديمقراطي "بالجرعات"" لأن تطبيق الديمقراطية الشاملة سيأتي بالإرهابيين من أمثال "الإخوان المسلمين" للحكم وذلك سيضر بالمصالح الأمريكية في المنطقة, فيلوذ العم بوش بالصمت.. ولو إلي حين.
وأصبح الحاكم هو الدولة والقانون والحكمة وعبقري زمانه في وطن اهترأت فيه الأخلاقيات, وتفشي الفساد, وأصبحت الرشوة أساس التعامل ونُهبت أموال البنوك, وانحط الإعلام ومستوى المعيشة. وهاجرت مئات الألوف من العقول والمواهب التي كان وطننا في أشد الاحتياج إليها. وأصبح المتمسك بدينه كالقابض علي الجمر, وهو يوضع في قائمة الرجعيين الظلاميين, أما الفاسد المنحط الذي يحمل علي الدين والمتدينين, فهو متحضر تنويري.
وكل ما ذكرنا يجعل العربي الحر يشعر بالغربة الحادة في وطن سرقه منه الفاسدون المفسدون, وأصبح فيه مضطهدًا منبوذًا, وهدفًا دائمًا للحكام الطغاة وأذنابهم ومخالبهم. فهل يستطيع مثل هذا العربي الحر أن يكون له وطن قومي يشعر فيه بالأمن والاستقرار والسلام? أقول: نعم. أما كيف? فأرجو القراء أن يشاركوني في إجابة هذه الشريحة من السؤال قبل أن أدلي بدلوي بعد فترة ألتقط فيها أنفاسي.
---------