محمد السروجي

في ظل مناخٍ محتقنٍ ومأزومٍ على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل والإنسانية، يُطرح ملف انتخابات المجالس الشعبية المحلية، والتي من المتوقع أن تتم في أبريل القادم في غياب كافة الضمانات لنزاهتها، خاصةً بعد البروفة الناجحة (بمعايير الجهاز الأمني) والبيان العملي الذي تمَّ في التجديد النصفي لانتخابات مجلس الشورى مايو 2007م كتطبيقٍ ميداني لكارثة التعديلات الدستورية الأخيرة, فهل ستتم الانتخابات هذه المرة بعد تأجيلها منذ عامين بحجة تعديل قانون الإدارة المحلية رغم أن القانون لم يُعدَّل حتى الآن؟! وهل ستشارك الأحزاب أم ستُقاطع كما تمَّ في انتخابات الشورى السابقة؟ وما موقف الإخوان؟ هل المشاركة؟ أم المقاطعة؟ أم أن كلاهما صعب أو كما يُقال خياران أحلاهما مر؟!.

 

المشهد السياسي

هناك نوعٌ من التوافق أو الاتفاق بين الأنظمة العربية وبرعايةٍ صهيوأمريكية لإزاحة الحركة الإسلامية من الساحة السياسية والشواهد كثيرة آخرها الانتخابات التشريعية بالأردن؛ لذا من المتوقع استمرار سيناريو الإقصاء وحالة الاستنزاف الموجهة ضد المعارضة بصفةٍ عامة والإخوان بصفة خاصة، وعلى عدة مستويات:

* الإعلامية: باستمرار حملات التشويه والتشكيك والتضليل المتعمد.

* السياسية: بالإبعاد عن المؤسسات والمجالس النيابية والنقابية والأهلية بل ومجالس الآباء المدرسية ومحاصرة النواب وأنشطتهم.

* البشرية: حيث مزيد من السجن والاعتقال للقيادات العليا والعناصر الفاعلة في مكتب الإرشاد والمكاتب الإدارية والأقسام الفنية والحملة المسعورة على طلاب الجامعة.

* المعنوية: بكبح مشاعر الانتعاش التي سادت أوساط الجماعة وأنصارها بعد انتخابات 2005م، بل وإبدالها بمشاعر الإحباط، خاصةً في ظل الوضع المعيشي الخانق والمقصود.

 

الخيارات الصعبة

هناك عدة خيارات مطروحة أمام الجماعة:-

الأول: المشاركة بهدف تسجيل عدة مواقف عملية لكلٍّ من:

** الإخوان أنفسهم: إن الجماعة وبرغم الضربات الأمنية المتلاحقة ما زالت تتمتع بالقوة والعافية والقدرة على النزال والمنافسة، ولن تزيدها الأحداث إلى صبرًا وثباتًا وإصرارًا.

** الشعب المصري: إن الإخوان أهلٌ للتفويض الذي حصلوا عليه في 2005م من جهة، ودعم تيار اليقظة والتظاهرات والإضرابات التي نشطت في الفترة الأخيرة مطالبةً بالحقوق من جهةٍ أخرى.

** النظام: إن الجماعة لن ترفع الراية البيضاء، وإن التعامل الأمني ليس هو الحل بل هو المشكلة

** مَن يهمه الأمر في كل موقع وميدان: إن الإخوان مصرون على مواصلة التغيير والإصلاح بالأسلوب السلمي والديمقراطي، ولن يبادلوا النظام العنف بالعنف.

 

ويراعى لتنفيذ هذا التصور:

** إعداد أعضاء الجماعة نفسيًّا لجولةٍ شرسةٍ لن يلتزم فيها النظام وجهازه الأمني بأية معايير أو حقوق؛ بل ستكون أشبه بمعركة حياةٍ أو موت بالنسبة له، خاصةً مع تقدم سن الرئيس مبارك وإصرار مجموعة المغامرين الجدد على تنفيذ سيناريو التوريث.

 

** المشاركة بنسبة عددية كبيرة لا تقل عن 40% لتحقق الأهداف والرسائل السابقة.

** إعلان أسماء المرشحين في مؤتمر صحفي عالمي (لوضع الجرس في رقبة القط) وإسقاط كافة التبعات والحسابات المترتبة.

 

** عدم الرهان على مقاعد المجالس الشعبية فقط، بل على نتائج أكثر تأثيرًا وعمقًا وأطول أمدًا.

** الاستعداد لتحمُّل النتائج بصدقٍ ومسئولية تجاه القرار الذي سيتفق عليه كما فعل إخوان الأردن.

 

الثاني: عدم المشاركة بهدف:-

** تجنيب البلاد نتائج حالة جديدة من الصدام والخسائر والفوضى التي تعيشها في ظل الانتخابات التي يستعين فيها الجهاز الأمني بمجموعات البلطجة، والتي ظهرت كصناعةٍ وحرفةٍ منذ انتخابات 1995م واستمرت حتى أحداث جامعة عين شمس الأخيرة.

 

** ترك النظام ليتحمل نتائج أدائه الحزبي والحكومي المتردي على كافة المستويات، خاصةً الخدمية والمعيشية.

 

** إتاحة الفرصة لقواعد الجماعة لتحقيق الانتشار المجتمعي الهادئ والفاعل والمؤثر وبتكلفة أقل.

 

وأخيرًا:

ما زالت قيادات الإخوان في مرحلة الإجراءات الأولية لصناعة القرار بشأن المشاركة أم المقاطعة، وما زال النظام منتظرًا لهذا القرار وبشغفٍ، وقد يؤجل الانتخابات مرةً أخرى إذا لمس  إصرار الجماعة على المشاركة الكبيرة والحاسمة؛ لأن الحسابات تعقدت لدى كل الأطراف! ولكني ألمس وعن قربٍ تحفز قواعد الجماعة لهذه الجولة! لا أدري لماذا؟.

---------

* مدير مركز الفجر للدراسات والتنمية