850 ألف ضابط وشرطي وموظف في وزارة الداخلية، أضف 450 ألفًا من قوات الأمن المركزي، أضف 400 ألف مخبر سري، والمجموع: مليون و700 ألف ضابط وجندي ومخبر، وهو ما يعني أنهم وضعوا- بتقديرات الباحث عبد الخالق فاروق- "عسكريًّا مقابل كل 37 مواطنًا مصريًّا"، وهي نسبة قمع تقترب من ضعف مثيلتها في إيران زمن الأيام الأخيرة للشاة؛ كانت النسبة الإيرانية عسكريًّا لكل 70 مواطنًا (هذه الإحصائيات كما وردت بمقال للدكتور عبد الحليم قنديل بجريدة (الدستور) المصرية بالعدد 142 الصفحة 9).
وبالطبع لم تذكر هذه الإحصائيات قيمةَ المرتبات والأجور، والحوافز والبدلات والمكافآت، ولم تذكر كذلك قيمة النفقات على شراء سيارات الركوب الفارهة أو السيارات المصفحة، والأجهزة والمعدَّات الأخرى اللازمة لوزارة الداخلية، وبالتالي يمكن أن تصل هذه النفقات إلى عدة مليارات في الشهر الواحد، وإذا تشجعت وسألتهم: لماذا كل هذا البذخ وذاك الإسراف؟! سيقولون لك: إنه من أجل أمن المواطن المصري.
أي أمن للمواطن المصري؟! هذا المواطن الذي لا يأمن على نفسه أو على أهله في بيته، فما زال زوَّار الفجر يداهمون البيوت وقتما يشاءون، 25 ألف معتقل في السجون المصرية، منهم من أمضى قرابة العشرين سنةً داخلها دون صدور حكم جنائي عليه.
في الآونة الأخيرة زاد معدل جرائم الاغتصاب والخطف والتحرش الجنسي، وما زالت جرائم السرقات من المنازل وفي المواصلات مستمرة، وعن المخدرات وانتشارها- حتى بين الطلبة- حدِّث ولا حرج، أما حوادث السيارات على الطرق السريعة، فأعداد الضحايا من القتلى والمصابين هائلة، وكذلك جرائم الرشاوى والتربُّح ونهب المال العام في تزايد مستمر، فأين هذا الأمن الذي يزعمون؟!!
والحقيقة التي لا تخفى على أحد هي أن النظام متوجِّسٌ خيفةً من أفراد هذا الشعب، يخشى من تمرُّدهم عليه في أي لحظة من اللحظات، وهذا التوجُّس وتلك الخشية لا أساس لهما على أرض الواقع؛ فالمواطن المصري الوديع يمكث عدة ساعات يوميًّا في انتظار رغيف الخبز، يحشر يوميًّا في المواصلات كأنه في علبة سردين، يحصل بصعوبة بالغة على أنبوبة الغاز، يطرد من المستشفيات العامة لعدم قدرته على دفع تكاليف العلاج، ينظر إلى الفاكهة في الشوارع على أنها مشغولاتٌ ذهبيةٌ تعرض للبيع لغيره من الناس، ومع كل هذا فهو صابر ينتظر الفرج، وقلما يفكر في التمرد أو المواجهة، والتاريخ يشهد بذلك، فلماذا كل هذا الإسراف وذاك البذخ في الإنفاق على الأجهزة الأمنية؟!
هذه هي وزارة الداخلية
أما آن الأوان لوزارة الداخلية أن تقوم بتسريح هذه الأعداد الغفيرة من قواتها، وخاصةً جنود الأمن المركزي، وتتركهم ليزرعوا الأراضي ويعملوا في المصانع؛ لتنتفع بهم البلاد، ويستريح منهم العباد، وعندئذٍ يشعر الناس بتطبيق الشعار الملغَى "الشرطة في خدمة الشعب".