د. حلمي محمد القاعود

 

ما من شكٍّ أن المجال الثقافي ومعه المجال الإعلامي يُمثلان حائط صدٍّ يحمي عقل الأمة من الغزو الأجنبي الذي يسعى إلى إحلال ثقافته وتصوّراته ومعتقداته وعاداته وتقاليده مكان الثقافة الإسلامية والقومية، وكان هناك نفرٌ من المثقفين العرب يزعمون أنه لا يوجد ما يُسمى بالغزو الثقافي، إلى أن أقرُّوا أخيرًا بأن هناك غزوًا ثقافيًّا، ولكنه للأسف جاء في تصوُّرهم من جانب إيران وباكستان والوهابيين!.

 

كان وزير الثقافة المصري الحالي يتحدث بذلك على الفضائية المصرية مساء الثلاثاء (11/12/2007م)، وينتفض أمام المذيعة التي كانت تشير إلى الحركة الإسلامية والمدِّ الديني الإسلامي بالقوى الظلامية، وكان الوزير يُدافع عن نفسه، وعن مواقفه من الحجاب والرقابة ومشاعر المجتمع المُحافِظ كما يُسمِّيه.

 

وكنت على مدى السنوات العشرين التي استغرقها حكم الوزير منذ توليه- وما زالت تمتد- أعارض أحاديثه الكثيرة عن عدم وجود "غزو ثقافي"- وهو يقصد الغزو من جهة الغرب- وعرضت لبعض كلامه في جريدته الأسبوعية، ولكنه كان مُصرًّا على عدم وجود ما يُسمى بـ"الغزو الثقافي" من أية جهة، حتى وافق مُؤخَّرًا على وجوده، ولكن من جهة الشرق التي يرفضها أساسًا.

 

أعني أن المسألة الثقافية، ومثلها المسألة الإعلامية مُهمَّتان في مسيرة الأمة والوطن، ولا بد من الحرص على تجلية ثقافة الأمة أمام الأجيال الجديدة، وتقديمها بصورةٍ صحيحةٍ وناضجةٍ؛ حتى لا تفقد هذه الأجيال هويتها وخصوصيتها وتميزها الحضاري، ولا بد من الحرص على الأداء الإعلامي الذي يُحرِّك الجمهور نحو الأفضل والأرقى والأجمل من الفكر والسلوك.

 

ومن ثمّ، فإن مواجهة الفكر المعادي للأمة، والإعلام المضلل يُصبح فريضةً في برنامج الحزب المفترض للإخوان المسلمين، والذي أرى قيامه مستحيلاً؛ لأسباب تخص السلطة البوليسية الغشوم التي ترى في الإسلام خطرًا عليها وعلى البلاد؛ وفقًا لموازين العلاقات الدولية والداخلية.

 

وقد أشرت في المقالات السابقة إلى بعض الملاحظات التي رأيتها في قراءة الباب السادس الخاص بالنهضة الثقافية، وأسمح لنفسي الآن بمحاولة إيجاز هذه الملاحظات؛ سعيًا لتنمية الثقافة الإسلامية المتفتحة، والإعلام الصادق الفعّال الذي يُعبِّر عن أطياف الأمة كافة، ويُقدم خدمةً إعلاميةً حقيقيةً، دون أن تكون هنالك وزارة ثقافة أو وزارة إعلام، لها جيش عرمرم من الموظفين والأجهزة، وتحمل ميزانية الشعب البائس المظلوم أكثر من عشرة مليارات يحتاجها لبناء المدارس والمستشفيات وتوفير الدواء واستصلاح الأراضي وإقامة المساكن وتحسين المواصلات وغير ذلك. وفيما يلي أهم النقاط:

1- في إطار تشجيع الكتاب بصفة عامة، يشير البرنامج إلى إلغاء الجمارك وتوفير مستلزمات الطباعة والورق (ص 100)، ولم يُوضح كيف؟، وأرى أن تضاف إلى هذه المادة ضرورة رفع الرقابة الجمركية عن الكتاب، وتيسير حركته بين مصر والبلاد العربية دخولاً وخروجًا، والعمل على نقله مجانًا في وسائل المواصلات المختلفة البرية والبحرية والجوية؛ سعيًا لتخفيض ثمنه وتقديمه للجمهور بأقل تكلفة.

 

أما المستلزمات التي يحتاجها الكتاب للطبع، فتنبغي الدعوة إلى ضرورة إقامة مصانع الورق والأحبار والآلات الخاصة بصناعة الكتاب داخل مصر، وعلى أرض سيناء تحديدًا، في سياق العمل على تعميرها، وحلّ المشكلة السكانية، وتوفير فرص عمل للأيدي العاملة التي لا تعمل.

 

2- لستُ من أنصار الدعوة إلى إنشاء لجانٍ أو مجالس عليا- كما يدعو البرنامج- للترجمة وتشجيع النشاط الثقافي بوجوهه المختلفة؛ فالعمل الأجدى والأنفع هو الانطلاق من مؤسسات وزارتَيْ التربية والتعليم، والتعليم العالي؛ لتخصيص مسابقاتٍ لأحسن كتابٍ مُترجَمٍ وأحسن عملٍ أدبيٍّ، وأحسن عملٍ فنيٍّ، ودعم الهيئات الأهلية والأفراد الذين يقومون بممارسة النشاط الثقافي والإعلامي، في إطار خطةٍ قوميةٍ عامةٍ يتبناها المجتمع في مختلف المجالات الثقافية والإعلامية.

 

وأرى أن المركز القومي للترجمة الذي أُنشئ مؤخَّرًا- مع اختلافنا الفكري مع قياداته الحالية- يُمثِّل نموذجًا جيِّدًا للعمل الثقافي، وخاصةً إذا تم ترشيده بتحديد الخطوط العامة في حركة الترجمة المطلوبة.

 

إن تخصيص جوائز سخية، وزيادة مكافآت المترجمين والمؤلفين وأصحاب الإنتاج الفني أجدى كثيرًا من المجالس واللجان التي تستنزف ميزانياتٍ دون نتائج تُذكر.

 

كما يُشير إلى ذلك التراث المصري العريق (انظر صفحات 108،100،99 من برنامج الحزب).

 

3- وكذلك الحال بالنسبة للمسرح، فإن الاهتمام بالمسرح المدرسي والجامعي من خلال وزارتي التعليم والتعليم العالي، والفرق المسرحية الحرّة الجادة، وتشجيعها بالجوائز والدعم أفضل من المسارح الحكومية التي تقوم على موظفين، لا يعنيهم إلا أمر المرتبات والترقيات.. والتجارب منذ الستينيات تؤكد ذلك.

 

4- هناك موادٌ لا معنى لها في البرنامج، مثل المادة الخامسة (ص 98)، وهناك مصطلحاتٌ ملتبسةٌ، مثل (الحداثة) ص 98- السطر العاشر من أسفل، والأفضل استخدام كلمة (التحديث) بدلاً منها، وأيضًا كلمة (قناعة) ص 98- السطر السابع من أعلى، واستخدام كلمة (اقتناع) يُصحح المعنى دلاليًّا.

 

5- لا أرى ضرورةً لحديث البرنامج عن القوالب الأدبية (ص 100)، ولكن التركيز يجب أن يدور حول المضامين التي تتفق مع التصوّر الإسلامي والقومي؛ لأن القوالب تتطور بمرور الزمان والأحداث.

 

أيضًا، فإن ترقية الأغنية يجب أن يتم في إطار ترقية اللهجات العامية لتصل إلى الفصحى، بل يجب تشجيع الأغنية بالفصحى؛ لترسيخ الإحساس باللغة القومية.

 

6- تمنَّيْت على البرنامج أن يُشير إلى أهمية العمارة الإسلامية، وخاصةً في المدن والقرى الجديدة بالصحراء والساحل الشمالي والساحل الشرقي (ص 104)؛ فهي جزءٌ من الهوية، مع الدعوة إلى استخدام الخامات المحلية وفقًا لفكرة المهندس "حسن فتحي".

ونواصل بإذن الله.

-------------

* drhelmyalqaud@yahoo.com