م. هيثم أبو خليل

الشعب المصري طيبٌ، صحيح، وما له؟!، لكن ما يحدث الآن من المصريين يحتاج إلى وقفاتٍ ووقفاتٍ؛ فالشعب "مقضيها" لا مبالاة وسلبية وتهريج وفهلوة.
معذور، ماشي، ممكن نتناقش فيها:
- ممكن "يكون معذور" من كمٍّ رهيبٍ من الخداع والكذب الذي مُورس عليه خلال الخمسين عامًا الماضية، فأدَّى في النهاية إلى هذا التشوُّه الذي بدأ يتسلل للشخصية المصرية.
نعم، مرة أخرى معذور، ولكن.
- معذورٌ أنه يمشي بجميع حواسه وراء ثورة، ويأمل فيها نهضةً حقيقيةً وحريةً لبلاده، فإذا به يفيق على أنها كانت تبيعه وتبيع البلد وتقنن الظلم له، ويعمل الكثير من رجالها لمجدٍ شخصيٍّ أو لحسابهم الخاص ولنزواتهم ولشهواتهم، وهو آخر مَن يعلم.
- معذورٌ أنه تخيَّل أنه قضى على عدوِّه الأساسي واللدود من العصابات الصهيونية وحلفائها ليعوض ما حدث في 48 وفي 56، ويسترد فلسطين والمسجد الأقصى، ويتسع حلمه وهو يجد الإعلام المضلل ووراءه مجموعةٌ من المرتزقة يقولون له: حطمنا 80 "طيارة"، لا، أصبحوا 150 "طيارة"، لا، وصلنا إلى أبواب تل أبيب، فإذا بصدمةٍ لا تهز الشخصية المصرية وتؤثر فيها، بل تهز جبالاً.
يُفاجأ أن اليهود هم الذين أصبحوا على أبواب القاهرة، ويدفع الثمن بدون ذنب شهيدٌ في كل بيت، وتستمر المؤامرة على هذه الشخصية المصرية، فتُعَامَل بالحديد والنار تحت دعاوى وهميةٍ سخيفةٍ، منها: الحفاظ على مكاسب الثورة، وتارةً القضاء على أعداء الثورة، وأخرى النيل من المتربصين ببلادنا، وكل يوم (حدوتة) جديدة، وشعار جديد، وخداع جديد.
وتُعقد اتفاقية السلام مع "إسرائيل"، وكالعادة، الشعب آخر مَن يعلم، ما المقابل؟، وما هي البنود السرية الخيالية لهذه الاتفاقية؟، لا أحد يعلم، وكأن قراراتٍ مصيريةً مثل هذه- يحكمها دماء وثأر آلاف المصريين- عيبٌ أن يعلم بتفاصيلها الشعب!!.
- معذورٌ؛ لأنه عندما يجد وزيرًا فاسدًا أو خائنًا للأمانة باع أرضًا أو سرطن مبيدًا أو سرق مليارًا يتوقع أن يحاكَم ويكون مصيره الإعدام أو السجن، فإذا به يشاهده يتقلد أعلى الدرجات، وكأنه يُكافَأ على فساده وخيانته.
- معذورٌ؛ لأن البلطجية وتجار المخدرات يرتعون وينتشرون حوله في كل حيٍّ وفي كل شارعٍ؛ مطمئنِّين يعملون بأريحيةٍ عاليةٍ، بينما يجد الشرفاء مهددين ومطاردين ومعتقلين.
- معذورٌ؛ لأنه لو صَدَم الواحدُ منهم بسيارته حمارًا وقتله لذهب للشرطة والنيابة، وتم احتجازه حتى تتم المصالحة مع العربجي!!، أما من قتل أكثر من ألف مصري في عبَّاراته الخربة فكان حرًّا طليقًا حتى هرب!!.
- معذورٌ من كمِّ الكذب اليومي الذي يُمارَس عليه: الأسعار ستنخفض، فيجدها تشتعل نارًا، المرحلة القادمة هي أجمل المراحل، وسينعم الجميع بالرفاهية، فإذا به يجدها أسود من قرن الخروب!!.
وتستمر المأساة ومن نظامٍ إلى نظامٍ، ومن خداعٍ إلى خداعٍ، ومن تزويرٍ إلى تزويرٍ، ورغم ذلك يصدِّق أن البلد بلده، ويذهب بطيبته المعهودة ليقف بجوار مُرشَّحٍ يثق فيه ويأمل معه في الإصلاح والتغيير، فإذا به يُفاجَأ بتزويرٍ فجٍّ؛ مرةً بتسويد البطاقات أمامه، ومرةً يجد من صوّت مكانه، ويقال له: (إحنا قمنا بالتصويت بالنيابة عنك)!!، ومرةً أخرى يُمنَع أصلاً من دخول اللجان والاقتراب منها، فيمتنع عن الذهاب، ويزداد معه من يمتنع يومًا بعد يوم.
ولزيادة وتكريس السلبية واللامبالاة فيه يجد أن الإعلام يستفزه، بل يُغيظه ويُخرج لسانه له ويقول: ولقد قال الشعب كلمته، وخرج بالملايين ليقول "نعم"!!.
وهنا تتفاقم حالة الشعب المصري وتصبح حالةً مَرَضِيَّةً، فيشعلها سلبيةً وتهاونًا، ومع المعاملة السيئة من جميع أجهزة الدولة في الوزارات والمصالح الحكومية والمحليات وفي استخراج التأشيرات والرخص وغيرها يصل إلى حالةٍ متأخرةٍ، فيسير بذكائه الفطري ولسان حاله يقول (ما تولع في دماغ صاحبها)، ولا يعلم أنه صاحبها، وأنها مخطوفة منه هو، وما عليه إلا أن يجاهد ويقاوم لاسترجاعها.
ولكنه يختار الطريق السهل المريح، وكما قال أحد الكُتَّاب الأمريكيين: "كنت أكتب عن بلادكم للمشاركة في عمليات الإصلاح والتغيير، ففوجئت بأن شعوبكم كسالى، تريد أن تستأجر شعبًا؛ ليقوم بثورةٍ ويغير وهي تشاهد، وهذا ضد قوانين وطبيعة الحياة التي لا يقوم التغيير فيها إلا بتضحياتٍ".
نجد شعبنا ينتقم مما حدث معه بعدم الانضباط أو الالتزام بقوانين أو آدابٍ عامةٍ، أو يستأسد على نفسه ويعامل بني جلدته بقسوةٍ مفرطةٍ وجفاءٍ لا نظير له، وبمغالاةٍ في أسعارٍ أو خدماتٍ، فمع السلبية واللامبالاة تنشأ الأنانية وتترعرع.
ونجح المفسدون في تعظيم الـ(أنا) في الشخصية المصرية، ونسف العمل الجماعي والنظرة للمصلحة العامة، فنجد بلادنا تنحدر يومًا بعد يوم.
نعم، هناك تقصيرٌ فاضحٌ من النظام، ويتحمل جزءًا كبيرًا، لكن نحن نتحمل سوء الأدب وقلة الذوق بيننا، وعدم التراحم والاستعلاء بمظهريةٍ مفرطةٍ على بعض، وبنسف القيم والتقاليد الدينية أو تلك التي ورثناها عن أجدادنا، ونستسهل ونقول: ليس ذنبنا، إنه الإعلام، إنه الجيل الجديد وعصر النت والسموات المفتوحة.
وكأنَّ المقاومة كلمةٌ أصبح لا مكانَ لها في الحفاظ على هويتنا وعلى أنفسنا؛ فكل شعوب الأرض تجد لها زيًّا حافظت عليه، ولغةً أمًّا أمسكت عليها بالنواجذ، وتقاليد من مئات السنين، وأين نحن من ذلك؟!، ردوا عليَّ أنتم.
إذن فما هو الحل؟، هل سنلعن وننقد حالنا كلَّ يومٍ ليلَ نهارَ ونقول: (خلاص مفيش فايدة).
الحقيقة أن ما أفسده خمسون عامًا لا يمكن إصلاحه في أيامٍ، ولكن لا بد أن نبدأ فورًا بزيادة الوعي والفهم، وهذا هو دورنا في المدونات والمواقع والمنتديات، نصرخ بصوت عالٍ: يا مصريون، هذه بلدكم، هذه أرضكم، هي ملككم، ومن يرتع فيها فسادًا هم أُجَرَاء عندكم، هم أقنعوا الكثير منكم أنكم ضيوفٌ فيها، وأنهم مُلاَّكها، ولكن الحقيقة أنهم هم الضيوف، لا، بل هم أُجَرَاء سوءٍ، سيرحلون في طرفة عينٍ لو أردتم.
هي هي نفس القصة في كل بلدٍ عربيٍّ، لو فهم الناس وعقلوا لأزاحوا الطغمة الحاكمة التي تنهب خيرات بلادهم، وتذلهم، وتستعبدهم ليلَ نهارَ في لحظاتٍ، وعندها ستتفجر طاقات الشعوب عندما يحسُّون أن البلد بلدهم، ولوجدوا أنفسهم شعوبًا يُشار إليها بالبنان.
نعم الحل سهل، وأسهل مما نتخيل أو نتوقع: لو تحرك كل فردٍ منا وأصلح حاله مع خالقه ثم حاله مع الناس، وتعود تقاليدنا الجميلة، وتعمر المساجد، وتكثر الزيارات، ويسود الحب بين الجيران، وتعود النخوة والرجولة، والشهامة والنبل، وتختفي الأنانية والجشع والظلم.
والله، عندها لن تستقيم الحياة إلا بتغييرٍ عادلٍ وسريعٍ؛ فعندما يكون الجسد جيدًا وصالحًا وطاهرًا وعفيفًا لن يستقيم معه رأسٌ فاسدةٌ.
يا سادة، الحل بين أيدينا، سهلٌ جدًّا، بكلمة حق، بابتسامة لجارٍ، بنصرة ضعيفٍ، بصلة رَحِمٍ، برعاية يتيمٍ، بمعاونة متعثرٍ، بمزيدٍ من علمٍ، بكثيرٍ من حلمٍ، بإيجابيةٍ صادقةٍ، بعزيمةٍ صادقةٍ، بإرادةٍ صلبةٍ، سيتحقق التغيير والإصلاح، ولن أقول يتحقق الحلم، تكفي نظرةٌ واحدةٌ للخريطة لتجد دولاً كانت لا تُذكر ولا نعرفها إلا عند رؤية اسمها على الخريطة، فإذا هي الآن نمر آسيوي، أو أسد أوروبي، يعيش شعبُه حياةً كريمةً كلها رفاهيةٌ وسعادةٌ.
وما زلنا نحن- أصحابَ حضارة سبعة آلاف سنة- نمورًا وأسودًا في المهرجانات والحفلات والأغنيات، وفي صناعة الوهم والفهلوة والهجص، وحتى دي يا ريت فالحين فيها!!.
---------------