بمناسبة الطريقة الفجَّة التي تعاملت بها حكومة الوطني مع موظفي الضرائب العقارية أثناء اعتصامهم، أُهدي إليكم الواقعة التالية:

نقلت الصحف الإسبانية والمصرية منذ فترةٍ أن وزير التجارة والصناعة المصري رشيد محمد رشيد قد فُوجئ خلال زيارته لإسبانيا بصحفيٍّ يطرح عليه السؤال التالي:

هل الحكومة المصرية نادمةٌ أو متوترةٌ بعض الشيء بسبب توقيع عقد تصدير الغاز الطبيعي لإسبانيا بشروطٍ وأسعارٍ كريمةٍ للغاية؟.

 

الحقيقة أنه لا تعنينا الإجابة كثيرًا، وإن وصفها المصدر "بأنها كانت على قدرٍ كبيرٍ من الدبلوماسية" على غرار ليست نادمةً "برغم" المتغيرات العالمية التي طرأت على أسعار البترول.

 

لكن اللافت للانتباه في هذه القصة التي أسوقها أن هناك كرمًا بالغًا يتعدَّى حدود اللياقة والدبلوماسية في كل ما يخص الخارج من تعاملاتٍ ماديةٍ، ولا أعتقد أن أحدًا ينسى ما أُثير حول صفقة بيع فروع شركة "عمر أفندي" لشركة "أنوال" السعودية بطريقةٍ حامت حولها الكثير من الشبهات.. في تلك الصفقة كان كرم الشركة القابضة زائدًا عن الحد، وأيضًا لم تندم الحكومة!!.

 

لكن تلك الحكومة تفقد تسامحها وكياستها في تعاملها مع منظومة الحياة في الداخل، حتى إن محافظ الغربية وصف ذات مرةٍ الإعلامي جمال عنايت بأنه قريبٌ من المُخرِّبين وأعداء الأمة، والمتربصين بالمسئولين؛ لمجرَّد حديثه عن الأزمة التي كان يعانيها مواطنو قرية بشبيش في الحصول على شربة ماء.

 

نفس الأمر يتكرر في هدم منزل أسرة بحُجَّة أنه مخالف رغم توصيل المرافق له، وترك أفرادها في الخلاء عرضةً للتشرد، أو في أجهزة دولةٍ كبيرةٍ بحجم مصر تطارد مواطنًا فقيرًا؛ حتى تنتزع في عنفٍ لقمة العيش من فمه وفم أبنائه، أو تطارده فيموت غريقًا تحت وابلٍ من قذف الحجارة على يد أمين شرطة يستطيع بنظرة ثاقبة يُحسد عليها تحديد أعداء الوطن، أو تتسلمه أسرته جثةً هامدةً من المخفر بعد ساعاتٍ من وصوله إليه في كامل لياقته البدنية والذهنية.

 

أو يتخلَّى وزير المالية عن حنكته السياسية ويتحدَّى موظفي الضرائب العقارية بكلماتٍ تبتعد عن كل معاني التحضُّر (ماحدش يلوي دراعي.. وخليكم في الشارع)!!.

 

لماذا تتسامح الحكومة المصرية في المليارات مع ابتسامة الرضا والفرح مع إسبانيا، وتنتفض في وجه ثورة العطش أو أهالي قلعة الكبش مهددةً ومتوعدةً؟!، ولماذا تتجاهل آلاف الموظفين المعتصمين في ظروفٍ إنسانيةٍ بالغة السوء؟!.

 

لا أعتقد أن السبب يكمن في اختلاف شخصية الوزير رشيد عن سيادة المحافظ أو الوزير غالي.

 

أعتقد أن الحكومة تريد القيام بحملة علاقاتٍ عامةٍ واسعةٍ؛ لتحسين صورتها التي تشوَّهت بالفعل بعد التعديلات الدستورية وانتخابات مجلس الشورى، وموسم الإضرابات والاعتصامات، وليس هناك ميدانٌ أفضلَ لذلك من صحف مدريد، وتمثال الحرية، وشاطئ الريفيرا، بينما تبقى الأمور في الداخل نسبيةً؛ فجماهيرٌ تبحث عن شربة ماءٍ في زخم الجدل الدائر حول مدى تسارع وتيرة الإصلاح الديمقراطي من عدمه لن يكون لرأيها أهميةٌ تُذكر.. المهم رضا ثباتيرو!!.