ما زالت الحملة الإعلامية على دعوة الإخوان المسلمين مستمرة، ولم يتوقف الهجوم عليها، والاستمرار في التحريض على رجالها ورموزها ومؤسسات أفرادها، وما زال الباب مفتوحًا على مصراعيه لكي يتكلم في الظاهرة الإخوانية، بل امتدَّ الأمر إلى الإسلام نفسه.. كل مَن هبَّ ودبَّ.. وكل مَن استطاع إمساك القلم، بصرف النظر عن مدى موضوعية هذه الكتابة، وتحري الصدق فيها والإنصاف فيما يصل إليه من أحكام ونتائج.

 

ولا تسأل عن دوافع هؤلاء، فمنهم الكارهون للجماعة، بل الكارهون للإسلام نفسه، ومنهم الأبواق الذين يفصِّلون المواقف استجابةً لحسابات ومصالح معينة، وليس انطلاقًا من معطيات الواقع أو طلبًا لرضى الحكام وتزلفًا لهم لعلهم ينالوا العطايا والهدايا مكافأةً لولائهم وإخلاصهم للنظام، ومنهم مَن ركبوا الموجةَ وتطوَّعوا أو جنّدوا لصالح الجهات الأمنية.

 

فالشاهد أن تلك الأصوات تعدَّدت في الساحة الإعلامية، ولا ينمُّ ذلك عن طريقةٍ عفوية، وإنما طريقة منسقة وتنظيم محكم، يلفت نظرنا جميعًا إلى الدور الخطير الذي تقوم به وسائل الإعلام والذي أهملته لفترة طويلة الصحوة الإسلامية فلم تلتفت إليه إلا مؤخرًا.

 

فقد تضاعفت قوة وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية في السنوات الأخيرة من ناحية إتقانها لوسائل التأثير على الناس وبدرجة إلحاحها على أذهانهم، فضلاً عن عدد الناس الذين تستطيع أن تصل إليهم، واستطاعت هذه الوسائل أن تُدخل كل بيتٍ رموزًا فرضتها وبإلحاحٍ غريبٍ ومريبٍ على الناس لشخصياتٍ مشهورة ومهمة من وجهةِ نظرها على الأقل عارضةً آراءهم وتصوراتهم وتجاربهم الشخصية وفتواهم ليقتدي بها المشاهدون والمتابعون؛ لأنهم هم النموذج والقدوة والمثل الأعلى والدعاة المصلحون، إنهم قد يكونون من المشهورين حقًّا، ولكن كم هناك من المشهورين ممن لا يعبأ المرء بهم إذا عاشوا أو ماتوا، فضلاً عن الالتفات لآرائهم وتصوراتهم.. فكما قال الشاعر:

إنَّ في الناس أوجهًا لامعات              تملأ العين زهرة ورواء

ويراها البصير صورةَ زهرٍ              لم تهبها الحياة عطرًا وماء

 

فكثيرٌ من هؤلاء إذا تحدَّث أو كتب ربط الأحداث به وبشخصه، وعدد فضائل أياديه البيضاء على الكون والأحياء، وإن الأقدار أرسلته لإنقاذ الكون مما ينتظره من دمارٍ وهلاك وفناء، ولكنه لم يُعطَ حقَّه ولم يُقدَّر قدره، وهذه آفة قديمة وصفها الأديب الفرنسي "أناتول فرانس" في حكمةٍ طريفةٍ فقال: كل كائن حي ولو كان جروًا صغيرًا يتوهم أنه مركز الكون ومحور العالم"، وبالمثل رأينا قاطع طريق مثل عروة بن الورد يصف نفسه فيقول:

أليس عظيمًا أن تلم ملمةً        وليس علينا في الحقوق معول

 

إنه الشعور بالذات، والإحساس بالأنا والاغترار بما يملك، وهذا الذي دعا طرفة بن العبد لأن يقول:

لو كان في الألف منا واحد فدعوا        من فارس؟ خالهم إياه يعنونا

 

وإنك ترى الواحد من هؤلاء يكتب عدة مقالات، فيحسب نفسه من قادةِ الفكر، أو تراه يحسن بضعة أعمال فيزعم أنه من عمالقة ساسة العالم، أو يتلو بعضهم آيةً من كتاب الله أو حديثًا شريفًا فيغدو علامةَ الأمة، فإذا اطلعت أو استمعت إلى كلامهم أو حديثهم وجدته خواء كصوتِ الطبل الأجوف، لا قيمةَ له ولا معنى، وما يدل إلا على سذاجةٍ وسطحيةٍ قاتلة، فهم يتوهمون أن نصيبًا قليلاً من المعرفة والخبرة كافٍّ في الترشيح لقيادةِ الجماهير، والصدارة بين الناس.

 

ولقد نبهنا الحكيم لقمان في حكمةٍ بليغةٍ رائعةٍ حذَّرنا فيها من الاغترار بالمظهر البراق الخادع دون الالتفات للجوهر؛ وذلك يوم جلس على حقل قمح فرأى سنابل قائمة وأخرى منحنية فتحسس هذه وتلك فإذا بالقائمة فارغة من الحب والأخرى ممتلئة فيقول: "كم من أناسٍ يشمخون بأنوفهم وهم فارغون، وكم من أناسٍ أحنتهم المعرفة".

 

فما أشد افتقادنا في هذا الزمان إلى القدوات، والنماذج الصالحة؛ لأننا إذا التفتنا يمنةً لا نرى إلا المهازيل، ولو توجهنا يسرةً لا تقع أعيننا إلا على أشباح فارقتها روح الإيمان واليقين، لقد انقلبت الموازين واختلطت المعايير فقُدِّم من وجب عليه التأخير، وتأخَّر مَن استحق التقدم، وتبوأ الإمعات صدارةَ النصح والإرشاد، وتوارى القادة والمصلحون والحكماء خلف الستار.

 

فتعجبوا كما تعجَّب الإمام أحمد بن حنبل عندما رأى إهمال الثقات وصعود النكرات، وتمكين أهل البدع وتوسيد الأمور إلى غير أهلها فقال: "إذا رأيتم شيئًا مستويًا فتعجبوا".

-------------

* dr_maged_r@hotmail.com