لكي تتمكَّن من الاستمرار جاثمةً على صدور شعوبها، متحكمةً في مصائرها ومسيطرةً على رءوس أموالها، تنفقها كيفما تشاء دون رقيبٍ عليها، فإن الأنظمة العربية تُغيب شعوبها بعيدًا عن الواقع لتكون مشاعرها الوطنية مخدرةً، وتبيت آمالها وطموحاتها محطمة، فتوجه اهتمام هذه الشعوب إلى ما يُلهيهم ويُنسيهم أمور حياتهم كالأفلام الهابطة والمسلسلات التافهة ومباريات الكرة.

 

وتسلك هذه الأنظمة الظالمة الطرق الملتوية لتخدع هذه الشعوب وتضللها، فأبواقها الإعلامية تهون عظائم الأمور، وتقلل من شأن الأحداث الجسام مهما كان تأثيرها الخطير على البلاد والعباد، فتسمي الأشياء بغير مسمياتها، الهزيمة عندها نكسة، وتزوير الانتخابات واستخدام البلطجة والعنف لتغيير إرادة الناخبين تسميها تجاوزات، والفساد والمحسوبية والرشوة والبطالة وغيرها، وكلها أمور تدل على ضعف هذه الأنظمة، فهي عندها ليست إلا مجرَّد سلبيات عادية، وتقوم بتعديل الدساتير وتغيير القوانين وإحالة الشرفاء إلى المحاكم العسكرية بحجة حماية أمن البلاد، والحقيقة أنها تريد حماية نفسها؛ خوفًا من بطش الشعوب بها.

 

ونتيجةً لذلك فإن هذه الأنظمة الدكتاتورية حينما تتخذ القرارات المصيرية- دون تخطيطٍ أو دراسة- فلا يأتي من ورائها إلا الهزائم والانكسارات والتي تنقلب بفعل السحر الإعلامي أو الإعلام الساحر والمبررات والتحليلات إلى انتصاراتٍ وفتوحات.

 

ولا تُعطي هذه الأنظمة الضعيفة الفرصة- لا لنفسها ولا لشعوبها- للقيام بمراجعة النفس وتقييم المواقف، والاستماع إلى آراء المختصين ومحاسبة المخطئ، وتعديل المسار، وإبعاد المسئول الفاسد أو الجاهل والإتيان بآخر يتسم بالعلم والأمانة جدير بحماية الوطن من المخاطر المحيطة به، ولقد تعودت هذه الأنظمة  المتسلطة أن تقود هذه الشعوب بأقدامها- لا بعقولها- وهي لا تدري ما هو طريقها؟ ولا ما هي أهدافها؟.

 

في ظل هذه الأوضاع المزرية التي تعيشها الأمة العربية من تخبطٍ وتقهقرٍ وهزائم وارتجالية، قام الإخوان المسلمين في الأردن بإلقاء الدرس العملي للأنظمة العربية الحاكمة والتنظيمات الشعبية، حينما قرر مجلس شورى الجماعة حل نفسه بعد نحو عشرةِ أيامٍ من انتخاباتٍ نيابيةٍ لم يحقق فيها مرشحو الحركة الإسلامية ما كانوا يصبون إليه من نتائج.

 

وقالوا: إن القرار اتخذ بحيث تجري انتخابات داخلية قريبًا لانتخاب أعضاء المجلس الجديد في مدةٍ أقصاها ستة أشهر، وأوضحوا أن مجلس الشورى هو صاحب القرار في القضايا المفصلية، وهو الذي اتخذ قرارًا بالمشاركة في الانتخابات النيابية، وبعد الانتخابات وما حدث من تزويرٍ غير متوقع فاق كل التصورات، شعر المجلس أن قراره بالمشاركة كان غير صائب.

 

كان من السهولة بمكانٍ أن يقوم الإخوان بالأردن بإظهار مبررات هذه الهزيمة، وهي كثيرة كالتزوير الذي قامت به السلطة، وأساليب الترغيب والترهيب التي مارستها لتغيير إرادة الناخبين، وكذلك الرشاوى الانتخابية التي قُدمت للناخبين لإسقاط مرشحي الإخوان.

 

الهزيمة هي الهزيمة ولا شيء غير ذلك، وكان من الممكن تمييع موضوعها باتخاذ قرارٍ مخدرٍ لأفراد الصف الإخواني في الأردن بتشكيل لجنة للتحقيق في أسباب هذه المشكلة أو هذا التراجع- دون أن تذكر كلمة هزيمة- لتمر الأيام والشهور فينسى الأفراد هذا الموضوع أو تلك الهزيمة، ولو كانت النية إلهاء الصف الإخواني بالأردن كان من الممكن إلهاؤهم بالمشاركة في شنِّ الحملاتِ الإعلامية ضد الحكومة الأردنية لكشف أساليبها المخزية في العملية الانتخابية، أو القيام برفع دعاوى قضائية للحكم ببطلان هذه الانتخابات، أو النزول بالمظاهراتِ وإقامة مؤتمرات للتنديد بالممارسات الوحشية من جانب الحكومة والإدلاء بالأحاديث الصحفية والتلفزيونية، وكل ما سبق حق للإخوان- لا خلافَ عليه- ولكن الأمانة تقتضي إعلان الحقيقة وإظهار الخلل ومحاسبة المقصر ووضع العلاج اللازم.

 

وجاء قرار مجلس شورى الإخوان بالأردن بحلِّ نفسه كشعاع نورٍ وسط هذه الظلمات التي تعيش فيها الشعوب العربية، فانبهر بهذا القرار القاصي والداني، واستشعر أفراد الصف الإخواني بالفخر والزهو، وزادت ثقتهم في جماعتهم (في القيادة والصف والمنهج والأهداف والوسائل)، فعلموا وتيقنوا أن المسئولية تضامنية بين جميع أفراد الصف، وأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، وأن الجماعة جماعتهم لا جماعة فئة معينة فقط، ولا محاباةَ لأحد، ولا أحد فوق المحاسبة؛ وذلك للوقوف على أسباب الخلل وعلاجها، ورأوا أن الشفافية هي أساس التعامل بين القيادة والأفراد؛ ومن ثم فقد اطمأنوا إلى أنهم يسيرون خلف قيادتهم على الطريق الصحيح.

 

وقد استراح كثيرٌ من الناس إلى هذا القرار الإخوانى في الأردن، والذي اتُخذ التزامًا بمبادئ الدين والوطنية، واحترامًا لمبادئ الجماعة التي ينتمون إليها، وتمنوا أن تحذوا بقية التنظيمات الشعبية والأحزاب السياسية في الدول العربية هذا النهج في مراحعة النفس، ومن ثَمَّ تكون قادرةً على مطالبة الأنظمة الحاكمة بتغيير أسلوب تعاملها مع شعوبها، وأن تتصالح معها، وأن تخلع نفسها من السير في فلك أمريكا والغرب؛ لتستقل سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا وعلميًّا.

 

وإذا كانت الأمور كذلك، فالكرة الآن في ملعب الشعوب العربية، فهل ستستمر في أن تكون مغيبةً عن الأحداث المصيرية الخاصة بها؟، أم ستتابعها ساكنة صامتة وهي تمصمص الشفاه؟ أم سيكون لها شأن آخر؟.. فتطالب بحريتها بشجاعةٍ وإصرار، وتنصح حكامها بأن يعودوا إلى رشدهم ويتمسكوا بدينهم بكرامتهم ووطنيتهم.

 

ولن تفعل الشعوب العربية شيئًا إلا إذا إستمعت بآذانها وقلوبها وعقولها إلى نداء (أيها العرب: تعلموا من إخوان الأردن).

----------

* محامٍ