جاء خبر استقالة مجلس الشورى لجماعة الإخوان في الأردن نتيجة الفشل في انتخابات البرلمان الأردني بمثابة مفاجأة للجميع داخل وخارج الإخوان؛ إذ جاء في الخبر: "فوجئت الأوساط السياسية الأردنية بقرار مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين الأردنية- أعلى هيئة قيادية في الجماعة- بحلِّ نفسه بعد أيامٍ من الخسارة الكبيرة التي تعرَّضت لها الجماعة في الانتخابات التشريعية، وحصلت قائمة جبهة العمل الإسلامي- الذراع السياسي للإخوان- على ستة مقاعد في البرلمان من أصل 22 مرشحًا قدَّمتهم للانتخابات بعد أن كان الحزب ممثَّلاً بـ17 مقعدًا في البرلمان السابق.
وبحسب جميل أبي بكر- نائب المراقب العام للإخوان- فإنه ستتم العودة للقواعد الإخوانية لانتخاب 51 عضوًا جديدًا من بينهم ستة مراقبين لمجلس الشورى في غضون ثلاثة أشهر.
ورأى أبو بكر أن مجلس الشورى الذي اتخذ القرار بالمشاركة في الانتخابات قرر حل نفسه "رغم القناعة بأن التزوير الحكومي الفاضح كان السبب في خسارة مرشحينا للانتخابات" على حدِّ وصفه.
وأضاف للجزيرة نت: "المجلس اعتبر أن قراره بالمشاركة في الانتخابات والوثوق بتعهدات الحكومة بإجراء انتخابات نزيهة بعد التزوير الذي شهدته الانتخابات البلدية لم يكن صائبًا، وبالتالي تحمَّل مسئوليته التنظيمية بحلِّ نفسه وإتاحة المجال أمام القواعد لاختيار مجلس جديد". (انتهى).
ولا شك أن ما حدث يعتبر تصرُّفًا حضاريًّا وسلوكًا إسلاميًّا أصيلاً في محاسبة الذات وإعادة الحسابات والإنصاف من النفس وضرب المثل والقدوة للقواعد التي استشعرت- عندئذ- قيمتها وأدركت خطورة المهمة التي يسعى ويُخلص في تنفيذها كل المنتمين لهذه الجماعة!، فتوزَّعت المسئولية على الجميع ولم تصبح فقط في رقاب المسئولين حتى لو جاءوا بالانتخاب، وهذا الموقف يُحسب لجماعة الإخوان المسلمين، وهو تصرفٌ غير مسبوق داخل الوطن العربي لا على المستوى الشعبي ولا المستوى الرسمي، وهو الأمر الذي يجعل من مهمة التحليل وكيفية الاستفادة من الحدث أزمة لم يعتَدْ أحد منا على مواجهتها.
ولا شك أن مجلس شورى الإخوان في الأردن يتمتع بحريةٍ في الانتخابات والاجتماعات والمداولات أيضًا غير مسبوقة بغض النظر عن رصدها أو التجسس عليها، فذاك أمرٌ معلومٌ من أمور الأنظمة العربية بالضرورة، قد يُحرم منها غيرهم، لكن على العموم ربما هناك إحساس لدى إخوان الأردن بأنه لم تُدرس الأمور المتعلقة بخوض الانتخابات بصورةٍ موضوعية، أو ربما غلبت على اتخاذ القرار العاطفة أو حب البذل مظنَّةُ الفوز دون حساب دقيق للمعطيات والأوضاع الداخلية والأقليمية والدولية ودون توقع حجم الخسائر أو المكاسب المصاحبة للمناخ الذي يسيطر على الانتخابات؛ ولذلك عندما نجح النظام الأردني في الاستفادة من تجربة النظام المصري- الأب الشرعي للتزوير في العالم العربي!!- وزوَّر الانتخابات النيابية الأردنية، وقلَّت عدد مقاعد نواب الإخوان استشعر مجلس الشورى أنه لم يحسن تقدير الأمور؛ مما أتاح للنظام الأردني الفرصة لتشويه صورة الحركة الإسلامية والتشكيك في جماهيرية المرجعية الإسلامية التي يعبر عنها الإخوان وسط غابات الأفكار والتوجهات الأخرى التي لا نشك في وطنيَّتها، هذه الاستقالة- في رأيي- تجعل من هذه الهيئات الشورية داخل الجماعة العقل المفكر والحاضنة الإستراتيجية ذات البعد الفكري والتنظيمي الموجَّه لحركة الجماعة، والمحدِّد لخطواتها المستقبلية، وعليها إذن أن تتحمل مسئولية قراراتها.
والسؤال: هل كان استمرار مجلس الشورى واجبًا في حالة نجاح الإخوان في الانتخابات البرلمانية الأردنية بنفس أعدادهم السابقة؟!.. والحق أن الإجابة مرتبطة بالأهداف التي كانت مرصودة وقياس نسبة نجاحها، وهو العامل الهام في تحديد مدى القصور الذي لحق بالأهداف بعد توفير كافة الإمكانات المطلوبة، وهذا مستوى أعلى من الأداء: أن تنجح أمام الشعب لكن لأنك لم تحقق المطلوب والمستهدف الداخلي رغم توافر كل أسباب النجاح إذا بك تستقيل!!.
على كل الأحوال فلنحلم بتحقيق هذا المستوى مِن تحمُّل المسئولية، فإن لم يتوفر فالاستقالة جاهزة؛ عسى الله أن يهيئَ من هو أفضل للمرحلة، خاصةً أن الله قد حبا جماعة الإخوان بأعداد غفيرة من المحبين لدينهم وأوطانهم على مستوى علمي وفكري وعقلي وسلوكي يحسدهم عليها المنافسون في كل المجالات!!.
هنا تبرز خطورة ما يفرضه النظام المصري على الجماعة المحظوظة من حصار ومطاردة وغلق لأبواب العمل العام؛ مما أدَّى لأن يواجه النظام كل الشعب المصري لمنع الإخوان وغيرهم من الوطنيين من النمو الطبيعي على مستوى الكفاءات والقيادات والتخطيط والممارسة واكتساب الخبرات اللازمة لقيادة الشعب المصري نحو استخلاص حقوقه والحفاظ عليها وتنميتها، فلم ينعقدْ مجلس شورى الإخوان منذ عام 1995م؛ حيث تم القبض على المجتمعين، وتمت إحالتهم إلى المحاكم العسكرية- وهي فقط للأسف التي تطاوع الحكَّام الظلمة لإصدار أحكام بالتغييب ظلمًا وعدوانًا-، وصار التجديد فيه صعوبة ومخاطرة، والاجتماع به ترقُّبًا ومغامرةً تمامًا كما فُعل في نوادي أعضاء هيئات التدريس الجامعية والنقابات المهنية، فقد تدخَّل الأمن ليحُول بين النشطاء والمعارضين بلا استثناء وبين ممارسةٍ تُصقل وتُطور الكفاءات البشرية، كما مُنع تكوين جمعيات أهلية أو أسر طلابية، ولم يُسمح حتى بدخول من لم يُرضَ عنهم كأعضاء في نوادٍ أو جمعيات لا علاقة لها بالسياسة!!، لكن تقول إيه في نظام هش، به مسحة من الغباء جعلته في مواجهةٍ مع كل أفراد الشعب المصري، ويظن أنه سينتصر، وهذا هو المستحيل بعينه، لكنهم قوم لا يفقهون!!.
المطلوب من الجميع أن يدرسوا كيف نستفيد من هذا الحدث غير المسبوق داخل صفوف جماعة الإخوان؛ فلقد قدَّم الإخوان النموذج الشوريّ في معناه والديمقراطيّ في مبناه، فهل من مبارز يقدِّم مثلما قدَّم الإخوان؟!، وهي- لا شك- عدوى ستصيب كل البلاد طالما تسنح الظروف ويتقبل المناخ، ويبقى ما يقدمه الإخوان في كل قطر تجربةً تستحق التفكر أو التدبر أو حتى الاستنكار؛ فالإخوان بشر مجتهدون، لا يتنازلون عن أجرهم حتى لو كانوا مخطئين، ولندركْ مغزى ما ذهب اليه توني بلير مبعوث العناية الأمريكية لقضية الشرق الأوسط- خيَّبه الله- عندما كاد أن يقسم أن حماس لن تنجح في الانتخابات القادمة، مدللاً بوعي الفلسطينيين وصحوتهم!!، ومن سمح له أن يتحدث باسم الفلسطينيين؟!، ولماذا يتحدث بثقة لا حدودَ لها؟!، هل لأن ما حدث في مصر والأردن هو نهج الزمن القادم الذي سيطارد المعتصمين بالإسلام في مواجهة المشروع الصهيوني- الأمريكي؟!.
على كل حال مواجهة هذا الظلم بمزيد من الشورى والديمقراطية وإحياء التداول السلمي للمسئوليات داخل الحركات الإسلامية لهو أبلغ رد على زيادة القهر والظلم الخارجي!!، فالأحرار فقط هم القادرون على المقاومة الرشيدة، وهي على كل الأحوال مقاومة تحتاج إلى نفَس طويل تتبدل فيه السياسات والأدوار والأشخاص، ولن يكون ذلك إلا بتثمين ما قام به مجلس شورى الإخوان في الأردن- بارك الله لهم وفيهم وعليهم-.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
-----------