شهدت مدينة فاس مؤتمرًا دوليًّا حول الحضارات والتنوع الثقافي؛ أسفر عن إصدار إعلان مهمٍّ بشأن الموضوع، لكن بَدَا وكأنه نغمة نشاز وسط أجواء صراع الإرادات، الذي احتلَّ الفضاء الإعلامي، وشغل الناس طيلة هذا الأسبوع، ولا يزال مستمرًّا حتى هذه اللحظة، بتجلياته الظاهرة في لبنان، وفي أنابوليس بالولايات المتحدة من ثم، ففي حين كان المثقفون يتحاورون في المدينة العريقة خلال الأيام من 3 إلى 25/11، كان السياسيون يتجاذبون ويتراشقون ويتحفَّزون في بيروت وأنابوليس.

 

بطبيعة الحال، فإن صوت السياسيين طغى واستأثر بالاهتمام؛ بحيث ظلت أخبارهم متصدِّرةً عناوين الصحف طوال الأسبوع، أما حوار المثقفين فإنه بالكاد احتلَّ مكانةً في الصحف المغربية، ولا غرابة في ذلك؛ فالأولون هم الذي يقررون مصير العالم، أما المثقفون فإنهم- إذا سمعت أصواتهم- يخاطبون عقول بعض الناس وضمائرهم.

 

كان ظني أن مسألة الحوار بين الحضارات قد تم تجاوزها بين قادة الدول الغربية الكبرى، الذين انحازوا في نهاية المطاف إلى أساليب الضغوط والإملاء، خصوصًا حين وجدوا أن كلمتَهم مسموعةٌ وآراءهم نافذةٌ، على الأقل في أغلب أقطار العالم العربي والإسلامي؛ الأمر الذي جعلهم في غير حاجة للجوء إلى الحوار، ورغم أن ذلك الظن لم يَخِبْ تمامًا لأن السياسيين الغربيين لم يحدِّدوا حتى الآن متغيرًا يضطَّرُّهم للعدول عن أسلوب الضغوط والإملاء، إلا إنني وجدت في لقاء فاس جماعةً من الناس لا يزالون يحلمون بإحياء روح الحوار بين الحضارات والدعوة إلى احترام تعدد الثقافات بين شعوب العالم.

 

كنا 150 مشاركًا من 36 بلدًا، دعاهم المركز المغربي للدراسات الإستراتيجية والدولية بالتعاون مع أمانة مدينة فاس، وهؤلاء جاءوا من الولايات المتحدة وكندا وأوروبا وبعض أقطار العالم العربي.

 

ويبدو أن موازين القوة الثقافية لعبت دورها في خريطة المشاركين؛ ففي حين حضر 34 شخصًا من فرنسا وحدها، فإن واحدًا فقط دُعِيَ من إفريقيا (شاعر من السنغال)، ولم يشارك أحد من آسيا (باستثناء إيران) ولا أمريكا اللاتينية، وأغلب الظن أن الشعور الطاغي بمدى قوة التحدي الذي تمثِّله الحضارة الغربية للعالم العربي والإسلامي كان وراء ذلك التباين في التمثيل الذي كان يحصر الحوار مع الغرب، معرضًا عن الحديث مع الشرق.

 

ولا أستبعد أن تكون العوامل الاقتصادية قد أسهمت في إخراج الصورة على ذلك النحو؛ لأنني علمت مثلاً أن السفارة الفرنسية هي التي تكفَّلت مثلاً بدعوة ذلك العدد الكبير من المثقفين الفرنسيين.

 

لك أن تتصور العناوين التي فرضت نفسها على المؤتمر، وكان طبيعيًّا أن يبحثها، سواءٌ فيما تعلق بالأهمية الحيوية لإشاعة روح الحوار واحترام تعدد الثقافات، سواءٌ على مستوى القيم الثقافية والاجتماعية، أو على مستوى الديانات والهويات، أو على مستوى نقد مقولة صراع الحضارات، أو على صعيد القيم المشتركة بين المجتمعات الإنسانية، ما تمثله الهجرات الراهنة والعولمة في فرض نمط جديد من حوار الثقافات، والارتقاء بالعلاقات الدولية.. إلخ.

 

دار أغلب الحوار باللغة الفرنسية، التي هي اللغة الثانية في المغرب، وهي الأولى عند عدد غير قليل من المثقفين، وكان بوُسْعِ الأمريكيين والقادمين من بريطانيا أن يتحدثوا بلغتهم الإنجليزية بكل ثقة، شأنُهم في ذلك شأنُ أبناء الدول الكبرى.

 

أما العرب الذين لا يجيدون الفرنسية فقد استشعروا غربةً طول الوقت؛ حيث لم يجدوا أحدًا يفهم "رطانتهم" من بين السائقين وموظفي الفندق والمطعم، واحتاجوا دائمًا إلى "صديق" يترجم رغباتهم إلى الآخرين، وخفَّف عنهم الحرج أن بعض المنظِّمين كانوا يجيدون العربية، وعلى رأسهم مدير المركز الراعي الدكتور عبد الحق عزوزي.

 

كانت لديَّ ورقة، طُلِب مني إعدادها حول "ديانة الآخر"، وهو الموضوع الذي عرضت له في اثنين من كتبي: أحدهما صدر تحت عنوان "الإسلام والديمقراطية"، والثاني كان عنوانه "مواطنون لا دينيون"، وانتهزْتُ فرصة الوقت الذي أُتيح لي وسط زحام المتحدثين لأفرغ بعض ما في صدري إزاء قضية حوار الحضارات والثقافات، التي هي عنوان المؤتمر، إلى جانب قضية ديانة الآخر التي طُلِبَ مني أن أسلِّط الضوء عليها.

 

اعتبرت أن انعقاد المؤتمر والآراء التي أُبدِيَت فيه حول ضرورة الحوار بين الحضارات- فضلاً عن احترام تعدد الثقافات- مرورٌ كافٍ على عنوان "صدام الحضارات" الذي أطلقه الباحث الأمريكي صمويل هنتنجنتون، وكان من رأيي أن مسئولية المثقفين أكبر في محاولة إقامة ذلك الحوار؛ لأن السياسيين تحكمهم موازين القوة وحساباتها، في حين أن موقف المثقفين المعرفي والأخلاقي يوفِّر للمتحاورين منهم حالةً من النديَّة والاحترام المتبادل، تُيَسِّر التواصل فيما بينهم، وتوفِّر إمكانية العثور على قواسم مشتركة تيسِّر إنجاح مهمتهم.

 

قلت أيضًا إن المسئولية الأخلاقية للمثقفين تفرض عليهم أن يترجموا حرصهم على التواصل والاحترام المتبادل إلى مواقف مستقيمة وواضحة، إزاء القضايا العالقة التي تُضعف ثقة المواطن العربي والمسلم بنزاهة المثقفين الغربيين؛ حيث لا أفهم مثلاً أن يقف أولئك المثقفون في جبهة واحدة؛ دفاعًا عن البيئة أو ضد انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور، ثم يتجاهلون الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، وفي الوقت ذاته ليس معقولاً أن يهتف المثقفون لشعار تعدُّد الثقافات، ثم يلتزمون الصمت أمام القرارات العنصرية والظالمة التي صدرت في عدة أقطار أوروبية؛ بمنع ارتداء الحجاب في المدارس والدوائر الحكومية، وإزاء تحويل المسلمين كافةً والملتحين أو المتردِّدين منهم على المساجد خاصةً إلى مشتبهين!!.

 

عندما حان أوان الكلام عن ديانة الآخر، قلت إننا منذ أحداث 11 سبتمبر- أيلول ونحن نحاول جاهدين أن نتحرَّر من هذه المسألة، ونؤكد للجميع أنه لا مشكلة لدينا مع ديانة الآخر، وأننا نعترف بمختلف الديانات، في حين أنها لا تبادلنا الاعتراف، لا على المستوى العقيدي، ولا على المستوى الحضاري، فلا الكنائس المسيحية اعترفت بالإسلام كدين سماوي، ولا الدول الغربية- بل ولا أكثر المثقفين الغربيين- على استعداد للقبول بأن للمسلمين حضارةً وثقافةً أخرى واجبة الاحترام، وقد ذُكر نبي الإسلام- عليه الصلاة والسلام- في القرآن أربع مرات، في حين ذُكِرَ النبي عيسى أكثر من عشرين مرة، والنبي موسى عليه السلام أكثر من مائة مرة، بل إن الإسلام ما دخل بلدًا مبلِّغًا إلا وأبقى على كل ما فيه من مكونات ثقافية، وفسيفساءُ المعتقدات والملل التي يزخر بها العالم الإسلامي الآن تشهد بذلك؛ إذ ما كان لهذه الملل أن تستمر- اليزيديين والصابئة والزرادشت- في قلب المجتمعات الإسلامية على مدى القرون التي خلت، إلا لأن المسلمين احترموا عقائدهم؛ انطلاقًا من التعاليم القرآنية التي تمنع الإكراه في الدين.

 

هذا الكلام قلناه مرارًا وتكرارًا منذ أحداث سبتمبر، التي ظلمت المسلمين بقدر ما آذت الغربيين، ولكن الصورة النمطية للإسلام والمسلمين المستقرة في أذهان الغربيين لم تتغير لأسبابٍ يطولُ شرحها، لا يحتلُّ الحيِّز المتاح عرضًا لمضمون الورقة التي أعددتُها في تبيان موقع الآخر في التفكير الإسلامي.

 

ولذلك سأشير فقط إلى عناوينها؛ حيث اعتبرت أن ثمةَ ستةَ محددات تحكم نظرة الإسلام إلى ديانة الآخر:

الأول: أن الإسلام يعتبر كل الناس إخوة، وأنهم خُلِقوا من نفس واحدة.

 

الثاني: أن كل إنسان له حق الكرامة الإنسانية، بغض النظر عن عُرفه أو اعتقاده.

 

الثالث: أن الإسلام يعتبر الاختلاف بين الناس من سنن الله في الكون.

 

الرابع: أن الإقرار بحق الاختلاف يوفِّر لكل آخر شرعيته.

 

الخامس: أن الاختلاف لا ينتقص من حقوق الآخر وواجباته؛ لأن العلاقة لا تقوم على مقتضى الكفر والإيمان، بل على أساس المحاربة أو المسالمة.

 

السادس والأخير: أن المسلمين مأمورون بالتعاون مع الجميع في كل ما هو برٌّ وخير، إذا ما توفَّرت شروط المسالمة والرغبة في التعايش بطبيعة الحال.

 

لا أعرف إن كان المستمعون قد اقتنعوا بما قلت أم لا، لكنني أعرف جيدًا أن كل ما نقوله لإيضاح موقف الإسلام من أي قضية لن يُحدِثَ أثَرَه ما لم يتمكن المسلمون من إقامة نموذج يتحرك على الأرض، يُترجِم بصورة صادقة وأمينة قِيَمَ الإسلام التي نعتزُّ ونروِّجُ لها، أعرف أيضًا أن الشوط لا يزال بعيدًا بيننا وبين أمل إقامة ذلك النموذج.

---------

الشرق الأوسط في 28/11/2007م.