الصورة غير متاحة

هيثم أبو خليل

 

يدور أي إنسان في بداية حياته حول مصلحته الشخصية؛ نتيجة عدم خبرته أو بمعنى أدق عدم تربيته على أن المصلحة العامة مقدمة على الخاصة.

 

وما يلبث أن يتزوج فتكبر المسئوليات وتتعدد وتتوسع ويصل المعنى إليه تلقائيًّا، فيقدم مصلحة أسرته وعائلته على مصلحته الشخصية.. وعليه يبدأ في الفهم والوعي أن مصلحة القاطنين معه في العمارة مجتمعين مقدمةً على مصلحته، ومصلحة الشارع مقدمة على مصلحة العمارة ومصلحة المدينة مقدمة على مصلحة الشارع، وهكذا حتى يصل الأمر إلى أن مصلحة الأمة مقدمةً على مصلحة بلد واحد، وعندما ننظر لمقاصد الشريعة في حفظ الضرورات الخمس وهي:

الدين- النفس- العقل- المال- العرض، نجد أن حفظ الدين مقدمٌ على حفظ النفس وحفظ النفس مقدم على حفظ المال، وهكذا طبقًا لكون هذه الضرورة مصلحةً عامةً أو خاصةً.. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوةٌ حسنةٌ، عندما قدم أروع الأمثلة في تقديم العام عن الخاص عندما عرضت عليه قريش المال والجاه والسلطان في سبيل أن يتخلى عن الدين الجديد الذي جاء به، فرفض وأبى، وقدم الدين.

 

وها هو الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه يسير على خطى الرسول عندما عادت قوافله محملةً بالخير والطعام في عام الرمادة، ووقف تجار المدينة يساومونه على بيعها بأضعاف أثمانها فإذا به يرفض اغتنام الفرصة وبيعها بأعلى الأسعار ويقدم مصلحة الأمة على مصلحته الشخصية.

 

نصل لقناعةٍ الآن أن تقديم مصلحة العام على الخاص هي مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية؛ فمصلحة الوطن دين، ولو نظرنا للمادة الثانية من الدستور المصري التي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وما يحدث في بلادنا نجد العجبَ ونجد تناقضًا غير طبيعي فالمصلحة الخاصة مقدمة على العامة!!

 

فيمكن مثلاً أن تقدم شراء سيارات فارهة لزوم موكب لوزير أو لتجهيز وفرش مكاتبه عن توفير سرير نظيف في مستشفى، أو شراء أجهزة طبية، هي أبسط حقوق الرعاية بالمرضى..!! ويمكن أن تقدم نفقات السفريات المكوكية هنا وهناك والمعسكرات الوهمية والمهرجانات الدعائية عن إنشاء مدارس جديدة والنزول بكثافة الفصول لـ50 تلميذًا فقط..!!

 

أتعجب دائمًا وأتساءل: لماذا يرى المسئولون في بلادنا أن المصلحة العامة هي على المواطن المطحون فقط أن يتحملها من ضرائب ورسوم ومختلف أنواع الجباية؟!، في حين أن بتنظيم المصلحة الشخصية وترشيدها سيتم تعديل مسار المصلحة العامة.

 

وهل ننسى السلطان سيف الدين قطز عندما أراد فرض ضرائب على الشعب لدعم الجيش في الحرب ضد التتار فوقف له العالم الجليل عز الدين بن عبد السلام وقال له اجمع ما في خزائن أمرائك من الذهب وما معهم من حلي نسائهم واضربه دنانير، فإن لم يكف مؤونة وتجهيز الجيش جمعنا لك ما تريد، وافرض ضرائب كما تشاء.. وعليه فتقديم المصلحة العامة لا بد أن يكون بضوابط وله ضروراته الفقهية والعملية..

 

ويا للعجب فالحكومة التي لا تكف عن مطالبة التجار من وقت لآخر بتقديم مصلحة الوطن على مصلحتهم وعدم رفع الأسعار مع أي زيادة في المرتبات نجدها تبتز هي الأخرى المواطن، ويا لقسوتها.. فترفع أسعار الخدمات من كهرباء وماء وتليفونات وتضيف رسومَ قمامة على الفواتير وترفع سعر البنزين لترتفع معه أسعار جميع المنتجات والأطعمة والمواصلات، في حين أنها بقليل من الترشيد لسياستها الإسرافية الشرهة وبقليل من الانضباط والضرب على أيدي الفاسدين يمكنها أن توفر أضعاف حصيلة ما رفعته من أسعار، ولكنه الاستسهال المخل وتقديم النموذج السيئ الذي لا يصلح أن نتقبل منه نصيحة.

 

وفي النهاية لا أرى الصورةَ قاتمةً بالنسبة لبلادنا ولأمتنا، والتي أزعم أن خروجها من أزمتها لن يكون إلا بتقديم العام على الخاص، وهناك نماذج مشرفة من البذل والتضحية وتقديم العام عن الخاص.

 

وهل ما يحدث في غزة من صمود من أجل الحفاظ على الأرض والعرض وعدم الاعتراف بالغاصب إلا نموذج فذ في تقديم العام على الخاص والعكس صحيح، على الناحية الأخرى هناك من اختار القبلات والاستسلام، وتجده ينعم ويرفل في أحلى الثياب والسيارات وينفق بالملايين لأنه اختار الطريق الأسهل؛ طريق تقديم مصلحته على مصلحة الوطن.

 

وفي مصرنا الحبيبة شرفاء ووطنيون ضحوا بأوقاتهم وراحتهم وأموالهم وحريتهم ويطاردون في كل مكان أو يقبعون خلف الأسوار لأنهم اختاروا الوطن قبل أنفسهم.. كان يمكن أن يختاروا الثراء والراحة بدلاً من مظاهرة هنا تنادي بالإصلاح أو مؤتمر هناك ينادي بالتغيير، وهل (نهى الزيني ويحيى حسين) إلا نماذج رائعة في تقديم العام على مصلحتهم وعدم اهتمامهم بما يمكن أن يصيبهم من تنكيل واضطهاد لصدحهم بالحق، في حين نجد هناك نماذج أخرى من أبناء النظام التي من المفروض أن تتعامل معنا بشفافية تضرب أمثلة صارخة على تقديم الخاص قبل العام.

 

وفي الملياردير أحمد عز خير مثال، وهو يرفع أسعار سلعة مهمة بصورة غير طبيعية، واضعًا الخاص قبل العام، ويزداد العجب أنه ليس مواطنًا عاديًّا يتصرف بشخصانية ولكنه راعٍ ومسئول عنا..!! وقبل ذلك قدوة كونه يمثل النظام كما أسلفنا، وقِسْ على ذلك كل المصائب في بلادنا ابتداءً بتفصيل القوانين لخدمة أفراد ومجموعات بأعينهم وانتهاءً بتعذيب المواطنين وانتهاك أعراضهم خوفًا من تعرض الخاص (الترقية والمصلحة الشخصية) على العام (الحفاظ على أمنهم وعلى كرامتهم)، وغلق عشرات الشوارع لمرور مسئول (خاص) في حين تتوقف مصالح الآلاف (عام).

 

الخلاصة: أعتقد أن تقديم المصلحة الخاصة على العامة التي نعاني منها في بلادنا هي إشكالية أخلاقية ناتجة من عدم الانتماء، وعدم حب هذا الوطن نتيجة تراكمات عشرات السنين من ثقافة وتعليم وإعلام لا يربي ولا يرسخ قيمًا ومعاني بقدر ما يكرّس ويخدّم على النظام وأفكاره.. فزرع سلبيةً ولا مبالاةً وحصدنا فسادًا وضياعًا نعاني من آثاره حتى الآن.

-----------------------

* haythamabokhalil@hotmail.com