على الشاطئ الأوروبي من مضيق البوسفور وفي قلب إستانبول التي بقيت عاصمةَ العالم لقرونٍ طويلةٍ، شرُفْت بالحضور ضمن وفد مصري ضمَّ 27 نائبًا من أعضاء الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين، وضم آخرين غيرهم من تيارات سياسية مختلفة، على رأسهم أ. د. عزيز صدقي- رئيس وزراء مصر الأسبق- إلى ملتقى القدس الدولي الذي انعقد في الفترة من 15/17 نوفمبر 2007م.

 

وقد مثل المؤتمر أكبر تجمع للمنظمات غير الحكومية المهتمة بالقضية الفلسطينية في عالمنا العربي والإسلامي (ذكرنا بمؤتمر دوربان بجنوب إفريقيا أغسطس 2001)، وقد دعا للمؤتمر كل من (مؤسسة القدس الدولية، اتحاد المنظمات الأهلية في العالم الإسلامي، وقف تركيا للمنظمات التطوعية).

 

وقد شاركت وفود من 86 دولةً، مثلها حوالي 5 آلاف شخصية عامة من العلماء والقيادات السياسية والفكرية والثقافية ورجال الدين الإسلامي والمسيحي وممثلي النقابات ومؤسسات المجتمع الأهلي، وكذا الأدباء والإعلاميون والفنانون، في تظاهرةٍ عالميةٍ مزجت كل ألوان الطيف السياسي والفكري والديني والثقافي؛ حيث وحدتهم عدالة وإنسانية وقداسة القضية المعروضة.

 

وباستثناء شخصيات رسمية محدودة من مثل: السيد محمد صبيح الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، د. بثينة شعبان وزيرة الهجرة والمغتربين في سوريا، السيد علي أكبر محتشمي مستشار الرئيس الإيراني، د. هدايت نور وحيد رئيس المجلس التشريعي الاستشاري في إندونيسيا، فقد كان أغلب الحضور يمثلون الشعوب، في تظاهرة متنوعة الوجود، متعددة الأعراق واللغات والأديان والثقافات.

 

وبينما سمحت السلطات "الإسرائيلية" بالخروج للمشاركين من القدس والمثلث والجليل ونابلس؛ حيث حضر الشيخ رائد صلاح والشيخ كمال الخطيب عن الحركة الإسلامية في فلسطين 48، والشيخ عكرمة صبري خطيب الأقصى والشيخ تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين، والمطران عطا الله حنا عطا الله، والبطريرك غريغوريوس الثالث، وعشرات غيرهم، إذا بالسلطات المصرية تمنع وفدَ اتحاد الأطباء العرب، فيُمنَع د. عبد المنعم أبو الفتوح، د. جمال حشمت، د. جمال عبد السلام، د. أحمد عمر، المهندس أبو العلا ماضي، وغيرهم من السفر، ويعودون من المطار.

 

وفي حين حضرت العشرات من المنظمات الأهلية من سائر بلدان العالم الإسلامي، فضلاً عن الأوروبي والأمريكي، كان غياب المؤسسات الأهلية المشاركة من مصر دليلَ خطورة السيطرة الأمنية على العمل الأهلي، وأثره على قضايانا القومية.

 

وفي حين كان سفر نواب الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمصر- على نفقتهم الخاصة- لحضور المؤتمر محلَّ انتقاد من رئيس مجلس الشعب ومحلَّ تجاهلٍ من الإعلام المصري الحكومي وكذا محلَّ تغافلٍ من السفارة المصرية في تركيا، كان حضور جورج جالاوي عضو مجلس النواب البريطاني ومحمد قبلان عضو البرلمان السويدي وواصل طه وسعيد نفاع عضوي الكنيست "الإسرائيلي" وأمثالهم محلَّ اهتمام وتقديرٍ أضاف دعمًا لقضيتنا وعدالتها وإنسانيتها.

 

واستقبلت تركيا- الشعب- الحدثَ بحفاوة، في حين كانت تركيا- الرسمية- بفارق يومين منه تستقبل شيمون بيريز رئيس الكيان الصهيوني في البرلمان التركي، لكن يُحسب للحكومة التركية على كل حال أنها سمحت بمثل هذا التجمع الضخم، رغم ما يربطها من علاقات سياسية وعسكرية إستراتيجية مع "إسرائيل"، في حين لم تكن العواصم العربية (من دول الجوار الفلسطيني أو ما عرف بدول الطوق في الصراع  العربي "الإسرائيلي" لتسمح به.

 

وإن خلا الملتقى من التمثيل الرسمي التركي- في ظل حكومة التنمية والعدالة المحسوبة على الإسلاميين- إلا أن الضغوط الصهيونية لم تحُل دون انعقاده في ظل حرية الحركة والتجمع وعقد اللقاءات العامة للجمعيات الأهلية حتى في ظل علمانية عسكرية مسيطرة.

 

وفي حين كانت قمة دوربان (أغسطس 2001م) على مستوى المنظمات غير الحكومية بتوصياتها ضد العنصرية الصهيونية ودفاعها عن الحقوق الإنسانية للشعب الفلسطيني ورقةَ ضغطٍ للوفود الرسمية العربية والإسلامية- الحاضرة يومها- مما تسبَّب في انسحاب الوفدين الأمريكي و"الإسرائيلي".. أقول: عجزت بل لم تفكر الأنظمة العربية الزاحفة إلى أنابوليس بعد يومين في توظيف ملتقى القدس الدولي في سياق إبراز ضغوط شعبية على المفاوض الفلسطيني والعربي لتحقيق مكاسب للقضية في الوقت الذي شهد المناخ السياسي "الإسرائيلي" إعدادًا وضغوطًا ورسائل واضحة:

* فبينما كانت الضغوط الأمريكية لحشد ما يقرب من 50 دولةً تحت عنوان فضفاض بزعم حشد الدعم الدولي لإقامة الدولة الفلسطينية، رفض الطرف "الإسرائيلي" اعتبار المؤتمر إعلان مبادئ للحل النهائي، ولا تحديد جدول زمني لإقامة الدولة الفلسطينية، بل وقف أولمرت يعلن ويتعهد أمام الكنيست "الإسرائيلي" أنه سينتزع في أنابوليس من الفلسطينيين اعترافًا "بإسرائيل" كدولة للشعب اليهودي؛ مما ينهي على حقوق اللاجئين في العودة.

 

* ووسط مساومات تارةً بالجزرة حيث أعلن أن نتائج أنابوليس ستؤثر سلبًا أو إيجابًا على مؤتمر الدول المانحة للسلطة الفلسطينية في باريس 17 ديسمبر الجاري، وتارةً بالعصا في استغلال للخلاف الفلسطيني الداخلي؛ حيث يقرر أولمرت أنه لا بد من الدعم العربي لعملية التسوية لمنح المزيد من الشرعية للرئيس الفلسطيني محمود عباس.

 

* ينعقد أنابوليس بعد أيام من قرار الكنيست "الإسرائيلي"- بأغلبية 90 صوتًا- أنَّ أيَّ مشروع مستقبلاً يغيِّر من "إسرائيلية" القدس الكاملة، يستلزم موافقة الكنيست بأغلبية الثلثين، في رسالة للإجماع "الإسرائيلي" على عدم تقديم تنازلات بشأن القدس.

 

وفي الذكرى الثلاثين لزيارة السادات للقدس، جاء اجتماع الرئيس مبارك بأولمرت الأسبوع الماضي في شرم الشيخ، وحديث عن احتمال زيارة الرئيس للقدس، ذكَّرني بحوارٍ دَارَ مِن على المنصة الرئيسية لملتقى القدس بإستانبول بين غريغوريوس الثالث لحام- بطريرك الروم الكاثوليك- مؤيدًا لدعوة بابا الفاتيكان للمسيحيين في العالم بالحج لكنيسة القيامة؛ بدعوى تشكيل ضغوط على الاحتلال الصهيوني للمدينة المقدسة، فيردُّ عليه الأب عطا الله حنا عطا الله- مطران الروم الأرثوذكس- مؤكدًا الإجماع الوطني والقومي برفض الحج لكنيسة القيامة تحت الاحتلال الصهيوني الذي يعدُّ تطبيعًا سياسيًّا وسياحيًّا وإداريًّا مع الاحتلال الغاصب في موقف ذكَّرنا بموقف الأنبا شنودة الثالث، الذي كرَّر رفضه الذهاب للقدس إلا بعد زوال الاحتلال ليذهب المسيحيون جنبًا إلى جنب مع المسلمين، ولكنه أيضًا ذكَّرنا بفتاوى سياسية داعمة للتطبيع تارةً على لسان شيخ الأزهر طنطاوي، وتارةً على لسان وزير الأوقاف زقزوق.

 

ينعقد أنابوليس على مسافة أيام من ملتقى القدس الدولي، وفي نفس اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني الذي يوافق 29 نوفمبر من كل عام، وفي الذكرى الأربعين لاحتلال كامل القدس 1967، والذكرى التسعين لوعد بلفور 2/11/1917م، والتواريخ مقصودة الرسائل في التخطيط الصهيوني الذي دعا الفلسطينيين- أول مرة- لمؤتمر مدريد 1992م، بينما كانت إسبانيا وأوروبا تستعد لاحتفالات ذكرى مرور خمسمائة عام على اتفاقية تسليم غرناطة آخر الوجود الإسلامي في الأندلس.

 

ينعقد أنابوليس بعد مسيرة ثلاثين عامًا من بدء مشروع التسوية السلمية التي بدأها السادات في 19 نوفمبر 1977؛ ليكون كلُّ المأمول حقيقةً من السراب الأمريكي "الإسرائيلي" في أنابوليس وعدًا بتقييد نموِّ المستوطنات، بعد أن تحقق التغيير الديموغرافي للقدس والضفة لصالح مشروع الدولة اليهودية، ووعدًا بإطلاق أربعمائة أسير فلسطيني، أكثرهم جنائيون، من جملة أحد عشر ألف أسير في السجون "الإسرائيلية".

 

أمام الضغوط والرسائل "الإسرائيلية" بين يدي انعقاد أنابوليس أما كان يليق بالأنظمة العربية وإعلامها الرسمي إبراز إجماع الشعوب المتمثلة في ملتقى إستانبول الذي أكد في وثيقته التاريخية على:

1- أن القدس عربية ولا يمكن لأحد منازعة أهلها في حقوقهم.

2- حق العودة للاجئين والمهجرين الفلسطينيين إلى مدينة القدس، وكل الأرض المحتلة.

3- أن المقاومة بكل أشكالها مشروعة، وأنها الطريق الأنجح لمواجهة الاحتلال وتحرير الأرض.

4- أن الاحتلال الصهيوني احتلال عنصري ولا بد أن يزول.

5- ضرورة التصدي للممارسات "الإسرائيلية" التي تستهدف تغيير الهوية الحضارية للقدس، وأن هذا اعتداءٌ على الإرث الحضاري للإنسانية يجب على كل شعوب العالم مواجهته وإيقافه.
هذه هي المسافة الشاسعة بين مؤتمر الشعوب الذي يعكس تطلعاتها بما عبَّر عنه إعلان إستانبول وبين مؤتمر الأنظمة التي استدعيت إلى ميريلاند، فلبَّت بما يعكس عجزها واستسلامها.

-----------

* الأمين العام للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين.