م. خالد حفظي

إذا وقع الثور كثرت السكاكين.. مثَل شعبي يعبِّر أصدقَ تعبير عن حالةٍ من الانتهازية وتصيُّد الأخطاء وترقبها, وهي حالة قد تكون مفهومة غير مبرَّرة حال سقوط الثور، أما إذا شهرت السكاكين في وجه من لم يسقط أساسًا، فتلك مسألة تستحق منا وقفة.
طوال الفترة الماضية ومنذ إعلان الإخوان عن القراءة الأولى لبرنامج حزبهم المقترح, لا يجد المتتبع للمشهد السياسي المصري عناءً في إدراك حالة من التربص، وتصيُّد الهفوات من نفر من النخبة السياسية في مصر من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار تجاه الإخوان، وهو موقفٌ غايةٌ في الغرابة والاستهجان لعدة أسباب، لعل من أهمها:
أولاً: أنه في ظل حالة الضبابية الشديدة التي تحكم مواقف قطاع كبير من هؤلاء، حتى بدا المشهد وكأن القوم لم يعُد لهم يمين من شمال- على رأي بعض المتصوفة- في ظل هذه الحالة يأتي القوم ليعاقبوا الإخوان على وضوحهم وشفافيتهم الكاملة في إعلانهم عما يؤمنون به دون خداع أو مواربة في قضايا مفصلية مهمة وجوهرية، وهم الذين يحجمون عن الخوض في أمور أقل أهميةً بكثير مما أقبل الإخوان على الولوج فيه والخوض في غماره، وبصرف النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع ما طرحه الإخوان من آراء، إلا أن الإنصاف يقتضي تحية الإخوان لا معاقبتهم على الوضوح والشفافية.
ثانيًا: أن القوم ما انفكوا يلومون الإخوان ويهاجمونهم على عدم وجود برنامج سياسي محدد الملامح، يوضح رؤية الإخوان للحكم حال وصولهم إليه, وكثيرًا ما قرأنا وسمعنا عن مطالبة الإخوان بالبعد عن الشعارات والهتافات العامة والأفكار الفضفاضة, فما إن أعلن الإخوان برنامجهم حتى رأينا ما رأينا، وكأن لسان حال القوم يقول: أيها الإخوان.. أنتم على الدوام مدانون أو مدانون!!.
ثالثًا: أن هؤلاء مارسوا نوعًا من الوصاية المرفوضة على الشعب المصري، وقد تمثَّل هذا في مصادرة حق الشعب في أن يكون هو الحكم في النهاية على ما يقدمه الإخوان من رؤى وأفكار، فهو وحده صاحب الحق الأصيل في اختيار من يحكمه وكيف يحكمه, وليس لأي فصيل- بما في ذلك الإخوان- أن يمارس هذه الوصاية على الشعب، وعلى الجميع أن يدرك أن هذا من أول بدهيات واستحقاقات الديمقراطية التي يتغنَّى بها الجميع.
رابعًا: أن المطروح للنقاش هو قراءة أولى لأفكار الإخوان ورؤاهم, وقد أعلن الإخوان ذلك أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة, وفي نفس الوقت أعلنوا استعدادهم لمراجعة ما تم طرحُه في ضوء ثوابت الجماعة وأهدافها الإستراتيجية, ولا يتصور أحد أنه مطلوب من الجماعة أن تطمس هويتها وتفرِّط في ثوابتها التي أكسبتها شرعيةً جماهيريةً تفتقدها غالبية التيارات السياسية العاملة على الساحة حتى تنال الرضا وينعم القوم عليها بالقبول.
خامسًا: أن الإخوان طرحوا فكرةً ورؤيةً، ولم يفرضوا برنامجهم بالقوة، وطبقًا لأبسط مبادئ الديمقراطية فقد مارس الإخوان بهذا حقًّا أصيلاً من حقوقهم، ليس لأحد أن يمنعهم من ممارسته، وقد رأينا جميعًا كيف يسمح لأشد البرامج تطرفًا بالمشاركة في العملية السياسية في أوروبا وأمريكا دونما إقصاء لأحد, ورأينا كذلك كيف يرضى الجميع باختيار الشعب, ولعل ما حدث من فوز اليمين المتطرف في سويسرا مؤخرًا تأييدًا لما أقول.
لا أدري لماذا تملَّكَني شعورٌ قويٌّ بأن كثيرًا ممن وجَّهوا سهامهم للإخوان قد قرأوا البرنامج قراءة مبتسرةً أو لم يقرأوه أصلاً، وأنا هنا لا أعفي الإخوان من المسئولية عن هذا، وإلا فما ورد في برنامج الإخوان وأثير حوله جدل شديد، لو قُرِئَ بعين منصفة مجردة عن الهوى لما وصل الأمر لحد اتهام البعض للإخوان بأنهم يستنسخون ولاية الفقيه لدى الحديث عن لجنة العلماء، ولما اتهم البعض الإخوان بإهدار حقوق المواطنة و(مرمغتها في الطين) لدى الحديث عن ولاية الأقباط والمرأة, ولو قرأ القوم رؤية الإخوان بعين منصفة لوجدوا فيها خيرًا كثيرًا, وليسمح لي القارئ الكريم بقراءة هذه الفقرة من الفصل الثاني الذي يتحدث عن النظام السياسي كمثال على ما أقوله, وفيها بالنص ما يلي:
جـ- نظام الإدارة المحلية:
لتطوير الإدارة المحلية يتبنَّى البرنامج نظام الحكم المحلي وليس مجرد الإدارة المحلية، بما يستتبعه من اللا مركزية وتعميق الممارسة الديمقراطية؛ الأمر الذي يستلزم الآتي:
1- اختيار المحافظ بالانتخاب الحر المباشر.
2- منح أعضاء المجالس الشعبية المحلية المنتخبة بمختلف مستوياتها وسائل الرقابة المختلفة، كالسؤال وطلب الإحاطة والاستجواب وطلب المناقشة العامة وسحب الثقة وغيرها.
3- منح المجالس الشعبية المحلية المنتخبة حق اقتراح المراسيم المحلية وضبط الميزانيات المحلية في إطار القانون والخطة العامة للدولة.
4- تبعية أجهزة الأمن على مستوى المحافظة للمحافظ المنتخب وليس للإدارة المركزية.
لماذا لم يتطرق أحد لمثل هذا الطرح؟!! ولماذا لم يتم تناوله بالبحث والنقاش؟!! أليس هناك إجماعٌ وطنيٌّ على أن المحليات بنظامها الحالي صارت مرتعًا للفساد والمحسوبية؟!! فإذا كان الأمر كذلك- دون دخول في تفاصيل ليس هذا مقامها- فكيف يكون الحال لو أخذنا بما قال به الإخوان؟! ألسنا بصدد إحداث طفرة هائلة على جميع المستويات؟!
نفس الكلام يمكن قوله فيما يخص قضيتي المرأة والأقباط؛ ففي الفقرة المشار إليها آنفًا نقرأ في بندها الأول (اختيار المحافظ بالانتخاب الحر المباشر)!! ولا أجدني في حاجة لتوضيح أن هذا الأمر يشمل المرأة والقبطي بطبيعة الحال, والمسألة هنا واضحة لا لبس فيها ولا غموض, وبعيدًا عن المزايدات وما يمكن أن نسميه (فانتازيا سياسية) تعالوا جميعًا نتساءل: أين الأقباط في واقع الآخرين؟! إن وجود الأقباط عند الآخرين- بمن فيهم الحزب الوطني- يخضع لحسابات ومواءمات يعلمها الجميع, ولا يخضع لمواقف مبدئية ثابتة كما أعلنها الإخوان, ولا يفوتني هنا أن أكرِّرَ ما قلته قبل ذلك.
إنني كواحد من أبناء الحركة الإسلامية أفضِّل محافظًا قبطيًّا أمينًا على مصالح البلاد والعباد.. أفضله ألف مرة على محافظ مسلم لا يضطلع بمسئولياته، وبعيدًا عن الفانتازيا السياسية مرةً أخرى، دعونا نتساءل: أين المرأة في واقع الآخرين كذلك؟! كم رئيسة للجمهورية قرأنا عنها؟ وكم رئيسة وزراء رأيناها؟ بل كم وزارة تولتها امرأة فيما عدا وزارة عائشة راتب وآمال عثمان؟! أقصد وزارة الشئون الاجتماعية؟ وأتساءل أيضًا: كم حزبًا ليبراليًّا أو تقدميًّا أو أيًّا ما كانت وجهته إلى اليمين أو إلى اليسار ولي رئاسته امرأة؟!!
نأتي بعد ذلك لما توهَّم البعض أنها القاصمة وهي الفقرة الخاصة بهيئة العلماء، ونقرأ فيها ما نصه (ورأي هذه الهيئة يمثِّل الرأي الراجح المتفق مع المصلحة العامة في الظروف المحيطة بالموضوع، ويكون للسلطة التشريعية في غير الأحكام الشرعية القطعية المستندة إلى نصوص قطعية الثبوت والدلالة القرار النهائي بالتصويت بالأغلبية المطلقة على رأي الهيئة)، ولو كلف القوم أنفسهم بقراءة رسالة مبسطة في أصول الفقه، لعلموا أن الأحكام الشرعية المستندة إلى نصوص قطعية الثبوت والدلالة قليلة جدًّا وهي ما يسميه الفقهاء معلومًا من الدين بالضرورة، أو بتعريف آخر هي ما يصير به المسلم مسلمًا، وهي دائرة ضيقة تكاد تنحصر في أحكام العقائد وبعض أحكام المعاملات التي لا يجوز لمسلم الخروج عليها أو عدم اتباعها.
ورأي الإخوان واضح وضوح الشمس في رابعة النهار أن التصويت بالأغلبية المطلقة ينسخ رأي الهيئة فيما عدا ذلك من الأمور, وما عدا ذلك فهناك فضاء واسع رحب للعقل أن يعمل فيه كيف شاء, أما إذا كانوا يريدون من الإخوان مخالفة عقيدة الأمة والخروج على ثوابتها حتى ينالوا الرضا وينعم القوم عليهم بالقبول فهذا شأن آخر، وله كذلك حديث آخر.
---------