أ.د. حلمي القاعود

 

يعلم الناس في الداخل والخارج أن النظام البوليسي الفاشي، لن يسمح بقيام حزبٍ إسلامي أو غير إسلامي، يخوض الحياة السياسية بطريقة جادة وفاعلة- فدون ذلك كما يقول المثل: خرط القتاد، أي ما يكره الناس، والقتاد هو الشوك المرّ!.

 

لقد سمحت السلطة لأكثر من عشرين حزبًا رسميًّا بالوجود.. أشك أن أحدًا يعرف أسماء خمسة منها فقط، ولأصحابها حق الترشح في الانتخابات جميعًا، والحصول على معونة الحكومة، وحق إصدار الصحف.. ولكن دون حق التظاهر، أو عقد المؤتمرات في الخلاء، أو مخالفة السلطة إلا في الأمور الهامشية.

 

في المقابل هناك طلبات للموافقة على الإعلان الرسمي عن أحزاب إسلامية وغير إسلامية، مضى عليها سنوات طوال، ولكن السلطة لم تمنحها هذا الشرف أبدًا حتى كتابة هذه السطور؛ لأنها تستشعر فيها نوعًا من الخطر الذي يهدد أغلبية أنصارها، ويمكن أن يُطيح بامتياز الثلثين الذي يتمتع به الحزب الحاكم المهيمن أبدًا فيما يُسمَّى مجلس الشعب، وسبق أن عصفت السلطة بحزب العمل حين رأت فيه خطرًا محتملاً، ومزَّقت حزب الوفد، ومن قبله حزب الأحرار، وحزب مصر الفتاة، ودفعت أعضاء هذه الأحزاب إلى التناحر الذي وصل في لحظةٍ ما إلى استخدام السلاح وإسالة الدماء والدخول إلى ساحات القضاء.

 

وبالأمس القريب بطشت السلطة بحزب الغد الذي لم يمر على تأسيسه سوى شهور معدودة، والسبب أن الحزب أثبت نوعًا من الكفاءة في العمل السياسي وكسر "تابو" نقد السلطة من خلال جريدته التي أُغلقت إثر مسرحيةٍ هزليةٍ تم من خلالها دق "الأسافين" وتمزيق الحزب، وتم اعتقال رئيس الحزب الدكتور أيمن نور- وصيف الرئيس مبارك في انتخابات الرئاسة عام 2005م-.

 

من المستحيل إذًا أن تقبل السلطة بقيام حزبٍ للإخوان المسلمين، خاصةً بعد أن أثبتوا جدارةً في الانتخابات التشريعية عام 2005م، وكادوا يُهددون أغلبية الثلثين التي يستند إليها النظام البوليسي الفاشي الذي لم يجد غضاضةً في استخدام العنف ومنع الناخبين من الإدلاء بأصواتهم والتزوير العلني الفاضح في دوائر بعينها، يعلم القاصي والداني أن نوابها الحقيقيين من الإخوان المسلمين، بل إن مجموعةً من الدوائر في محافظة كفر الشيخ وغيرها، ما زالت حتى اليوم وبعد دورتين من المجلس الحالي بلا نواب؛ لأن النظام متأكد يقينًا أن إجراء الانتخابات فيها سيأتي بنوابٍ على غير هواه من المنتمين إلى الإخوان أو المستقلين.

 

ومع ذلك فإن فقهاء الاصطياد في الحياة العامة، ولا أقول السياسية- حيث لا توجد سياسة حقيقية في بلادنا- يُصرِّون على النظر إلى جماعة الإخوان المسلمين في صورة الدولة ذات الحكومة التي تجب محاسبتها ومعارضتها ومناهضتها، وكأنها تحكم وتُشرع وتقضي.. مع أنها تُمثِّل فريقًا من الناس يتعرضون للقهر والحصار والهجاء، أمام نظام بوليسي فاشي يملك كل أدوات القمع والملاحقة وأبواق التشهير دون أن يردعه قانون أو يمنعه دستور.

 

وقد ظلَّ فقهاء الاصطياد، وأغلبهم موالون للسلطة البوليسية الفاشية، واليسار المتأمرك، يُلحِّون على أن الجماعة يجب أن يكون لها كيان سياسي يُعبِّر عنها، له برنامج ومنهج، حتى تستطيع السلطة أن تتعامل معه وتعترف به وتدمجه في الحياة العامة أو المدنية كما يُسمونها.
وراح مثقفو الحظيرة وكُتَّاب البلاط يعزفون على وتر، أن الجماعةَ ليس لها برنامج لحل المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهو ما يجعل تقبلها في الداخل والخارج غير ممكن، ويُثير كثيرًا من الشكوك حول نواياها وأهدافها.

 

في الوقت ذاته، كانت الاتهامات تأتي من اليمين واليسار، في تناغمٍ ملحوظٍ مع إيقاع السلطة البوليسية الفاشية، بأن الجماعة تهدف إلى إقامة دولة دينية تقطع أيدي الناس وأرجلهم، وتجلدهم، وتجزّ رءوسهم بالسيف، مما يُهدد الوحدة الوطنية، ويُقسِّم البلاد، ويعصف بحق المواطنة.

 

ومع أن جماعة الإخوان منذ نشأتها تولي الجانب التربوي الأهميةَ القصوى، وتسعى لأن يصل الإيمان إلى أصحاب كراسي الحكم، ولا يسعى أصحاب الإيمان إلى الكراسى، فقد فرض عليها أن تُشارك في الحفاظ على العقيدة والشريعة، وأن تتحمل في سبيل ذلك متاعب لا تنتهي، ويبدو أنها لن تنتهي في وقتٍ قريب؛ لأنها تقدم نمطًا مغايرًا للعمل والأداء السياسي، يُزعج النمط السائد والأداء الفاسد، وهو ما لا يقبله النظام البوليسي الفاشي، ولا ترتضيه القوى الاستعمارية المتوحشة، التي لا ترضى بأوطان حيّة تعمل وتتعلم وتنتج وتُبدع وتتأبى على التطويع والتسليم والتبعية.

 

وعندما أعلنت الجماعة عن رغبتها في قيام حزبٍ يُشارك في تأسيس حياةٍ سياسيةٍ حقيقيةٍ، كان حدثًا مثيرًا بلا شك، ترقبت الجماعات الوطنية بل العالم الإسلامي أصداءه وتابعت أبعاده.

 

ويمكن القول: إن خصوم الجماعة قبل مؤيديها علقوا أملاً كبيرًا على برنامج هذا الحزب ومعطياته بوصفه معبرًا عن الكتلة الشعبية الحقيقية الأكبر داخل مصر، بل هي الكتلة النموذج للبلاد العربية والإسلامية؛ لأن مصر، شاءت أو أبت- هي عقل الإسلام، والدفة التي تحكم حركته وفقًا لدفع الرياح وامتلاء الشراع.

 

ومن المؤسف، أن فقه الاصطياد تعامل مع برنامج الحزب المستحيل، وأصفه بالمستحيل لأن السلطة لن تسمح به أبدًا، بمنطق و﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ (النساء: من الآية 43) أو ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) (الماعون)، لدرجة أننا قرأنا لبعض اليسار المتأمرك مقولات ساخرة من الرؤية الاقتصادية والاجتماعية للحزب، على شاكلة: "الاقتصاد الملتحي"!!.

 

أفهم أن يقبل الناس برنامجًا أو يرفضوه، هذا حقهم الذي ينبع من حق الإنسان في الإيمان والكفر ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: من الآية 29). ولكن الانتقاء أو الاصطياد، وتأسيس الرفض عليه، دون النظر إلى مجمل البرنامج، يُمثل عسفًا واضحًا، وظلمًا بيّنًا، ويُشير إلى نزعة تسلطية تنبع من طبيعة السلطة البوليسية الفاشية، التي لا تقبل حوارًا ولا جدلاً، وتُسقط كل الادعاءات حول ما يُسمَّى الفكر الجديد وضمير الجمع في شعار "بلدنا بتتقدم بينا"، الذي يُروج له منظرو السلطة وكُتَّابها.

 

لقد سمحتُ لنفسي، وقد وصلني برنامج الحزب- القراءة الأولى- مؤخرًا ومتأخرًا، أن أناقش القضايا التي أهملها فقهاء الاصطياد، وسأبدأ بما أراه أكثر أهميةً من موضوعات السياسة والاقتصاد، أعني قضايا الإنسان في بنيانه الوجداني والروحي، فهذه القضايا هي المحرك الأساسي للتصوّر والتطبيق.. بدونها تصبح السياسات والإستراتيجيات والاقتصاديات والتنميات وما شاكل ذلك مجرد محاولات عشوائية، تُصيب أحيانًا وتُخطئ في كثير من الأحايين.

 

قضايا البنيان الوجداني والروحي، لا يختلف عليها أحد- فيما أتصوّر- لأنها تملك سندها من العقيدة والتراث والتاريخ.. وفي المقال القادم بإذنه تعالى نبدأ المناقشة.

------------

* drhelmyalqaud@yahoo.com