لم تحظَ المرأة في تاريخها المعاصر بالاهتمام المطلوب كما حظيت في برنامج حزب الإخوان، وأنا هنا لا أقطع الطريق على الذين قالوا إن البرنامج حرمَها من حقِّ الترشح للرئاسة، بالإضافة إلى حقها في ترؤُّس الدولة.
ولكن البرنامج مبهر في إعطاء اهتمام ومزايا كبيرة للمرأة، بالإضافة إلى حفظ كرامتها واحترامها، على اعتبار أنها نصف المجتمع بل هي المجتمع كله إذا قلنا إن النصف الآخر أنجبته المرأة.
لن أدع المندهشين من هذا الكلام ينتظرون طويلاً للتدليل على ما أقول، ولكنَّ هناك تساؤلاً مشروعًا: هل الذين هاجموا البرنامج بسبب ما زعموا أن فيه انتقاصًا لحقوق المرأة.. قرأوه؟! أشك في كونهم قرأوه، وإن قرأوه فربما سقط سهوًا عند هؤلاء إبراز النقاط الإيجابية الكثيرة في معالجة البرنامج لمشاكل المرأة، وهذا من باب أدب الحوار وحسن الظن فيهم.
ففي فصل "مشاكل وقضايا" بباب "الدين والمجتمع" خَصَّص البرنامج بندًا للأسرة والمرأة وربط بينهما رباطًا عميقًا، وحين تجد العبارات التالية في البرنامج "المرأة شطر المجتمع وميزان الأسرة" (الزوجة والأم وربة المنزل)، التي اعتبرها الإسلام شقيقةً للرجل (النساء شقائق الرجال)، وتذهلك هذه الفقرة (وتقوم رؤيتنا على المساواة الكاملة في الكرامة الإنسانية بين الرجل والمرأة، وأهمية العمل على الحفاظ على التمايز بينهما في الأدوار الاجتماعية والإنسانية، دون أن يؤثر ذلك على مكانة كل منهما)، هذه صيغة غاية في الجمال والروعة، وتُظهر أن هناك تواؤمًا وتكاملاً في الأدوار مع اختلاف المهمة المنوط بها كل منهما، وتوضح دور المرأة (ودور المرأة في الأسرة، قائم على أساس أنها المسئول الأول عن تربية الجيل الجديد).
ورفض البرنامج أن يفرض على المرأة واجباتٍ تتعارض مع طبيعتها، وأوضح أن بعض الوظائف- مثل القضاء- يجب أن تكون ضمن توافق مجتمعي، يكون للمرأة والرجل الرأي فيه، وهنا نقطة يجب سبر غورها حتى يتضح المعنى والمراد، فالذين يساوون بين المرأة والرجل في تقلد المناصب على الإطلاق لم يدركوا لا طبيعة المرأة ولا المجتمع الذي نعيش فيه..
فعلى سبيل المثال- وليس للجدل- في المجال الطبي لم نرَ طبيبةً سلكت مجال الجراحة العامة ولا الجراحة الخاصة، هذا ليس لأن المرأة ليست جديرةً بهذا التخصص أو أقل علمًا فيه من الرجل، ولكن طبيعة العمل يطيقها الرجل ولا تطيقها المرأة، ورغبة المرأة دائمًا في المجال الطبي تكون في التخصصات الهادئة نسبيًّا، مثل طب الأطفال والأمراض الجلدية والتحاليل، ويمكن للرجل أن يعمل في المجالات الشاقة كعتَّال أو حدَّاد أو نجَّار أو فرَّان أو في صَهر المعادن، ويكون هذا شاقًّا جدًّا على المرأة، غير أن الله- تبارك وتعالى- قد خلق الأنثى لمهمة عظيمة، وهي الحمل والولادة لإنتاج الأجيال المتعاقبة، ولم يجعل ذلك للرجل.
وحين حسم البرنامج الأخذ بالرأي الفقهي الذي لا يجيز للمرأة رئاسة الدولة عزَّز هذا الرأي بفقه الواقع الذي يحياه المجتمع، وأضاف: ونحن من جانبنا نرى أن الواجبات المفروضة على رئيس الدولة- وهو له مسئوليات في الولاية وقيادة الجيش- تعدُّ من الواجبات التي لا يفرض على المرأة القيام بها؛ لأنها تتعارض مع طبيعتها وأدوارها الاجتماعية والإنسانية الأخرى.
غير أننا لو عُدنا للباب الثاني؛ حيث الدولة والنظام السياسي؛ ففي الفصل الثاني الذي تحدث عن النظام السياسي للدولة وتحت عنوان "المساواة وتكافؤ الفرص" تجد أن البرنامجَ أعطى المرأةَ الكثيرَ مما حرمها منه نظام الحكم الحالي، واقرأ معي "عدم التمييز بين المواطنين في الحقوق والواجبات على أساس الدين أو الجنس أو اللون، كحق التملك والتنقل والتعلم والعمل وممارسة العمل السياسي والتعبير عن الرأي- في ظل الحفاظ على القيم الأساسية للمجتمع- والترشح للمجالس المحلية والنيابية، وتولي كافة الوظائف القضائية والتنفيذية، في كل المجالات وعلى جميع المستويات، ونرى أن للمرأة الحق في كافة الوظائف الإدارية في الدولة ما عدا رئاسة الدولة التي اتفق الفقهاء على عدم جواز توليها لها".
والسؤال: هل المرأة تتنافس على رئاسة الدولة؟! هي لم تنجح بعدُ في اجتياز الترشح والانتخاب لمجلسَي الشعب والشورى بكثرة والنجاح فيهما يكون بشِقِّ الأنفس، وهناك مناصب إدارية كثيرة المرأة محرومة منها في ظل النظام الحالي، لكن البرنامج أعطاها كافة المناصب عدا رئاسة الدولة.
غير أن البرنامج عالج كافة المشكلات التي تواجه المرأة بطريقة عملية، وفيها تفصيل كبير نخص بالذكر منه بعض الحلول لتلك المشكلات؛ حيث أكد البرنامج على "تبنِّي حملة توعية إعلاميَّة واجتماعيَّة ودينيَّة تعمل بكافة الوسائل المُتاحة على نشر ثقافة المُساواة بين الجنسَيْن في المُجتمع، والتَّعريف بمخاطر الزَّواج العُرفي والسِّرِّي، وتحريمه شرعًا، وتصحيح النظرة الاجتماعيَّة السلبيَّة للمرأة، وتطوير الجانب الخاص بدور الدراما التليفزيونيَّة والسينمائيَّة في صدد عرض وعلاج مشكلات المرأة، مع تحسين الصورة التي تعكسها الدراما للمرأة في مصر، بعيدًا عن التَّشويه والتَّشويش، وتبنِّي حزمة من برامج عمليَّة؛ كالرعاية الاجتماعيَّة والصِّحيَّة للمرأة وخاصة الأمهات، وتجريم كل أشكال المساس بالمرأة، سواء كان لفظيًّا بالاعتداء على سمعتها كامرأة أو بالتَّحريض على الزواج العرفي، أو الاعتداء المباشر عليها..
ووضع التشريعات التي تكفُل التَّعامُل مع كلِّ المُشكلات التي تواجهها المرأة، وسَنّ التشريعات التي تكفُل حقوق المرأة العاملة، بالرَّعايَة الاجتماعيَّة لأسرتها وأطفالها؛ بحيث لا يكون عملها عائقًا لها عن رَعايَة الأسرة، وبما لا تؤدِّي هذه الرعاية إلى انهيار في أداءِ المرأة في عملها، وتصحيح أوضاع المرأة الرِّيفيَّة من خلال سنِّ التَّشريعات التي تضمن لهذه الفئة من النساء حقوقهن الوظيفيَّة والاجتماعيَّة، وإلزام القطاع الخاص بتطبيق اللوائح والقوانين التي تنظم عمل المرأة، بعيدًا عن التَّعسُّف الوظيفي الذي يَضرُّ بحقوق العاملات".
لو ابتعدنا عن التشويش المتعمَّد، والمِراء المذموم، والتعصُّب في طرح القضايا، ومنها قضايا المرأة، لتَوافَقْنَا على الكثير منها دون عناء، لكن العابثين دائمًا يُدخلون الشك والريبة على كل المطروح في هذا الشأن وغيره، ليس طبقًا لما هو مطروح، ولكن رفضًا لمن طرحوه.
ولهؤلاء نقول: اتقوا الله.. ولا تظلموا المرأة والوطن.