في يوم الأحد الموافق 8/11/1981م، ألقى الرئيس حسني مبارك خطابًا أمام مجلسي الشعب والشورى بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية، في هذا الخطاب برزت أحلام الرئيس التي يتمنى أن تتحقق على أرض الواقع، وفعلاً لو تحققت هذه الأحلام لأصبحت مصر في مصافِّ الدول المتقدمة، أو على الأقل على مستوى دول النمور الآسيوية، ولتغيرت أوضاع مصر السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وتمحورت معظم هذه الأحلام حول ضرورة التزام الحاكم والمحكومين بالموضوعية، وإنكار الذات، وأن تكون مصر للمصريين، يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات، وألا تكون هناك دكتاتورية ولا طبقية ولا طائفية، وأن يكون اقتصادنا متينًا ولن تخجل القيادة من استشارة ذوي الخبرة والعلم للوصول إلى هذا الهدف، وأن نحقق مجتمع الطهارة والعدالة، حتى يصل الدعم لمستحقيه، وأن يتوفر للجميع الإسكان الشعبي والكساء الشعبي والغذاء والدواء والأثاث بأسعار في متناول الرجل العادي.
ولا بد من استئصال الإسراف والبذخ في الإنفاق العام والخاص، ودعم القطاع العام وتعزيزه باعتباره ركيزةَ الإنتاج الصناعي والممول لعمليات التنمية، وأن يكون لمصر دور إستراتيجي في مجال السياسة الدولية، لا تدور في فلك هذه الدولة أو تلك.
وبالرغم من أن هذه الأحلام كانت سهلة التحقيق آنذاك لموضوعيتها ومصداقيتها فضلاً عن الجرأة التي تحملها، إلا أن الحزب الوطني لم يكن على قدر المسئولية لتحقيق مثل هذه الأحلام، ولم يقم بالدور المنوط به للوصول إلى ذلك.
فبسبب السياسات الفاشلة لحكومات الحزب الوطني المتعاقبة- طوال ربع القرن الماضي- أصبح المواطن المصري يشعر بالغربة في وطنه، فإذا انتهى مَن تعليمه لا يجد له وظيفةً، وإذا كان موظفًا فراتبه لا يكفيه، وهو مهدد بطرده من وظيفته في أي وقت، والكثير من الناس لا يستطيعون الحصول على شقة للسكنى، ولا يجدون وسيلةً مواصلات مريحة ورخيصةً للتنقل، ولا يتمكنون من إنجاز مصالحهم دون واسطة أو دفع رشوة، فضلاً عن الارتفاع الجنوني في الأسعار، ورغيف الخبز قلَّ وزنه وصغُر حجمه وزاد سعره، وكوب الماء النظيف أصبح كالمشمش في ندرته.
المواطن المصري يعيش في ذهولٍ مما يراه من مليارات الجنيهات التي تُنفق بإسرافٍ وبذخٍ ودون تخطيطٍ في بعض المشروعات العامة كمشروع توشكى، والمليارات التي تنهب من البنوك دون توقف، ويكاد يجن مما يراه حوله من الإنفاق الخاص- أيضًا بالمليارات- في شراء سلع استفزازية وفي إقامة مشروعات لا تخدم سوى عددٍ قليلٍ من أفراد الطبقة العليا، دون النظر للطبقات الدنيا من أفراد الشعب، وإذا أمسك- مرةً- بيده ورقةً ماليةً من فئة المائة جنيه لا يُصدِّق نفسه، وسرعان ما يراجعها ويسألها: وماذا سأصنع بها؟ طبعًا فهي لا تكفي طعامًا لأسرته ليومين!!
بسبب وجود هذا الحزب يعيش المواطن في كوابيس مستمرة، فلا يشعر بالأمن والأمان، إذا سار في الشارع ورأى أمين شرطة اهتزَّت فرائصه رعبًا، وتصبب عرقًا، فما بالك إذا رأى ضابطًا؟!!
ملايين كثيرة من الشباب والفتيات تخطوا الثلاثين من أعمارهم دون زواجٍ لعدم قدرتهم على تكاليفه، فضلاً عن تكاليف المعيشة بعد الزواج.
وإذا أراد المواطن أن يستريح ويريح حكومة الحزب الوطني، وفكر جديًا في الهجرة فما أكثر العراقيل والعقبات التي يواجهها والتي تمنعه من تحقيق حلمه في الهجرة.
ولا يختلف اثنان من العقلاء على أن الحزب الوطني حزبٌ ضعيف، ولم يكن- في يوم من الأيام- قادرًا على تحقيق أحلام الرئيس طوال ربع قرن مضى، وعلى ذلك فهل من الممكن أن يُفجِّر الرئيس قنبلةً ويعلن المفاجأة بتركه رئاسة الحزب الوطني، ليكون رئيسًا لكل المصريين دون تمييز، ولو حدث ذلك لكان هذا هو أفضل قرارٍ أصدره الرئيس في حياته.
-----------
* محامٍ-mail msh_malt@yahoo.com