وَاهِمٌ مَن ظنَّ أن الكيان الصهيوني يريد سلامًا- منقوصًا أو كاملاً- كمَن توهَّم أن الذباب ينتج عسلاً، مؤتمر أشبه بقول الله تعالى:﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ (النور: من الآية 39).

 

مؤتمر الخريف هذا هو اسمه، وهو اسمٌ على مسمى- خريف بلا أوراق بلا أزهار- بلا جدولٍ أو أجندة، ولا تصور خرافاتٍ سرنا وراءها.

 

إن الكيان الصهيوني يريد السلام مقابل الأرض؛ أي سلام والقتل ما زال مستمرًّا، والاحتياجات متواصلة، والتجريف في الأراضي الزراعية لم ينقطع، والحفر أسفل المسجد الأقصى متسارعًاٌ!! وأي أرض هل هي حدود 67 أم حدود 48 أم 22% من الأرض أم كل الأرض؟؟
السلطة الفلسطينية بقيادة (محمود عباس) اعترفت للكيان الصهيوني بحقِّه على 78% من الأراضي الفلسطينية، والباقي 22% ما زال الكيان يُقسمه إلى كانتوناتٍ صغيرةٍ لا تواصل بينها، يفصل بين هذه الكانتونات أكثر من 300 حاجز، وما زالت تُبنى المستوطنات في 22% من الأرض بشكل ممنهجٍ ويترك للمستوطنين اليهود البناء أيضًا بشكلٍ عشوائي.

 

لم يكتفِ الكيان الصهيوني بهذا، بل أراد اعترافًا صريحًا من الفلسطينيين والسلطة الفلسطينية باعتبار الكيان الصهيوني (دولة للشعب اليهودي)، ويأتي خطورة هذا الاعتراف بالآتي:

 

- منح الكيان الصهيوني رخصةً قانونيةً يستخدمها الكيان في تهجير عرب 1948م لإحلال اليهود الذين سوف يستجلبهم من كافة أنحاء العالم مكانهم، وبالطبع وبالقطع سوف تبدأ بالشيخ رائد صلاح زعيم الحركة الإسلامية في أراضي 48 وجماعته، ويتلو ذلك جميع جماعات حماية الأقصى والمقدسات إلى أن يطرد جميع العرب بمسوغٍ قانوني.

 

- حقه في ممارسة ما يُسمَّى التطهير العرقي حتى تكون كل الأرض خالصةً للشعب اليهودي وإخراج الشعب الفلسطيني بالقوةِ والقتال.

 

- منع حق العودة للاجئين الفلسطينيين الذين أُخرجوا عام 1948م وما بعده.

 

- اعتبر (إسرائيل) دولة يهودية لمواطنيها- بمعنى- أنها دولة لمَن دخلها، وأقام فيها وعاش فيها واستخرج هويتها باسمها (إسرائيل)، لكن مَن جاء إلى الزيارة أو السياحة وإن كان يهوديًّا فلا يتمتع بكافة الحقوق والمزايا تشجيعًا على (الترانسفير) حتى تحقق (التغيير الديموجرافي) في التركيبة السكانية.

 

- دولة يهودية معناه عودة إلى فكرة شعب الله المختار، دولة فوق القانون والمؤسسات الدولية (فوق مجلس الأمن والأمم المتحدة) فوق كل البشر بلا استثناء، عودة إلى فكرة "نحن أبناء الله وأحبَّاؤه".

 

- وهذا المؤتمر لن يناقش موضوعات الحل النهائي- بمعنى لن يناقش الحدود وماهية الدولة الفلسطينية، ولا عودة اللاجئين ولا المياه ولا المعابر ولا المستوطنات ولا القدس.. لا شيء.

 

الهدف منه:

- الضغط على مصر والأردن للتسريع في مسار التطبيع الثقافي والعلمى على وجه الخصوص، وسوف نشهد في الفترات القادمة تسارعًا في هذين المجالين، فها هي شاركت في مسابقات الجمال، وغنَّى مطربٌ مصريٌّ في المعبد اليهودي بحضور السفير الصهيوني، فضلاً عن تزايد أعداد المهاجرين من الشباب إلى الكيان الصهيوني والزواج ببناتهم وغير ذلك.

 

- التطبيع مع السعودية هذا هو الهدف الأكبر والغرض منه، كما يزعم الكيان الصهيوني (محاربة الفكر الوهابي بالتطبيع)، ومحاولة علمنة السعودية دولة المقدسات (البيت الحرام-المسجد النبوي)، وتغيير الأعراف والهوية الثقافية فيها.

 

- تحسين الشكل الصهيوني.. إن الكيان الصهيوني يدعو إلى "مؤتمر سلام"، والعرب يرفضون رغم أن الجميع يدرك أنه لن ينتج شيئًا؛ لأن الأطراف الثلاثة الرئيسية أضعف من أن ينتجوا سلامًا عادلاً شاملاً.

 

فالأطراف الثلاثة:

- أمريكا: في أضعف حالاتها نظرًا لما يحدث في العراق وأفغانستان وتراجع الدولار خير شاهد، فضلاً عن تراجع شعبية (بوش الصغير).

 

أولمرت: تلاحقه الفضائح وقضايا الفساد وتراجع كبير جدًّا في شعبيته.

 

الفلسطينيون: بعد الانقسام الجغرافي بين الضفة وغزة واختلاف أجندة فتح عن حماس؛ فحماس هدفها حماية مشروع المقاومة وفتح هدفها البقاء في السلطة بأي ثمنٍ حتى لو على حساب الشعب الفلسطيني ووحدته؛ لذا ترفض الحوار من أجل الاتفاق على مشروعٍ وهدف، ومع ترحيب محمود عباس بالحوار الفارغ من المضمون مع الكيان الصهيوني.

 

الأخطر تصرفات عباس وجماعته ضد مصلحة الشعب الفلسطيني، مثل عندما تقدَّم مندوب قطر إلى الأمم المتحدة بمشروع قرار اعتبار غزة منطقة منكوبة إنسانيًّا؛ وذلك لتمويل مواد إغاثية إليها رفضت السلطة الفلسطينية وقف الكيان الصهيوني وأمريكا مؤيدةً لها (تجمَّع الثلاثة ضد مصلحة الشعب الفلسطيني).

 

تقدَّم مندوب فلسطين بمشروع قرار باعتبار حماس جماعة إرهابية خارج إطار القانون، ومعنى ذلك مصادرة سلاح المقاومة ومصادرة الأموال- أموال الأفراد والحركة- وملاحقة رموزها في كل البلدان العالم، وحسنًا فعلت مصر عندما وقفت هي وسوريا ضد هذا القرار.

 

وعندما عرض الكيان الصهيوني الانسحاب من خان يونس رفض أبو مازن خوفًا من أن تسيطر عليه حماس، فأبو مازن يعتبر حماس هي العدو وليس الكيان الصهيوني ولا أمريكا.

 

فالموقف الفلسطيني صعب والوفد الفلسطيني يذهب إلى أنابوليس وهو غير موحد حول أجندة محددة، وبالتالي فالأطراف الثلاثة أمريكا والكيان الصهيوني والفلسطينيون أضعف من أن يفعلوا شيئًا، وحقًّا هو اسمٌ على مسمى؛ مؤتمر الخريف خريف بلا ثمر وبلا أوراق، وتخاريف مَن يتوهم أنه مؤتمر سلام.

------------

* مدير مركز "رؤية" للدراسات المستقبلية