لن أكون مبالغًا حين أصف برنامج حزب الإخوان بأنه أكثر تقدمًا من برنامج الحزب الوطني، بخصوص أقباط مصر؛ فقد أعطاهم حقوقًا أكثر بكثير مما أعطاهم الحزب الحاكم وحكومته الرشيدة، وأكاد أجزم بأن برنامج حزب الإخوان قد عزَّز مكانة الأقباط في المجتمع المصري، وفعَّل دورهم في كافة مناحي الحياة.
وحتى أدلِّل على ما أقول اقرأوا معي الباب الخامس في البرنامج تحت عنوان: (الدين والمجتمع)؛ حيث ينقلنا إلى عنوان "الكنيسة المصرية ركيزة اجتماعية"، وتوقفت كثيرًا أمام العنوان، وكان من الممكن أن ينص على "الكنيسة المصرية" وفقط، ولكنه أكد على أنها ركيزةٌ اجتماعيةٌ؛ لدورها المهمّ والفعَّال في المجتمع المصري، بمسلميه ومسيحييه؛ حيث نص البرنامج في استهلاله لهذا العنوان: "تُعْتَبَر الكنيسة المصريَّة- بمختلف طوائفها- إحدى مكوِّنات المجتمع المصري، وقد لعبت عبر تاريخها الطَّويل دورًا في خدمة القضايا الوطنيَّة المصريَّة، وجاء الفتح الإسلامي فساعد الكنيسة القبطيَّة المصريَّة على القيام بدورها الرُّوحي للأقباط في مصر والشرق".
ثم عدَّد البرنامج دورَ الكنيسة في الآتي: "للكنيسة دورٌ مهمٌّ في دعمِ القيم الثَّقافيَّة، عبر قنوات العمل الإعلامي والثَّقافي العام بمختلف أدواته، حتى تأخذ الكنائس المصريَّة بقياداتها الروحيَّة والدينيَّة مكانها في مواجهة التَّذويب والغزو الفكري والقيمي.. للكنيسة دور في تدعيم قِيَمِ المُشاركة والإيجابيَّة الاجتماعيَّة في عملية تنشئة تتكامل مع أدوار باقي مؤسسات المجتمع.. على الكنيسة عبءٌ في التَّصدِّي للأزمة الأخلاقيَّة والقيميَّة التي تهدد المجتمع، وذلك بنشر القيم الروحيَّة، وفعل الخير، ونشر الأخلاق الفاضلة، وترسيخ قيمة الوحدة, والمُشاركة في دعم الفئات المعوزة اجتماعيًّا، كالأيتام والمعاقين والمسنِّين، والمشاركة في معالجة مشكلات بعض الشَّرائح الاجتماعيَّة، مثل المرأة والشباب وأطفال الشوارع، والتَّصدِّي في ذاتِ الإطار إلى متطلبات معالجة الظواهر الاجتماعيَّة السلبيَّة، مثل البطالة والأميَّة والفقر والمرض".
وحدَّد البرنامج بعد ذلك الطريقة التي يتم بها تحقيق هذا الدور: "الأول قيمي، بما يشمله من غرس لهذه القيم والأخلاقيَّات العامة في نفوس رعايا الكنيسة القبطيَّة المصريَّة، الثَّاني تطبيقي، عبر التَّعاوُنِ مع مُختلف مُؤسَّساتِ الدولة والمجتمع المدني المصري؛ لتصويب مسارات الانحرافات القائمة".
وفي الباب الثاني من البرنامج تحت عنوان: (الدولة والنظام السياسي)، وفي فصل: "الدولة" وصف هذه الدولة في أول خاصية لها بأنها دولةٌ تقوم على مبدأ المواطنة؛ حيث الجميع فيها متساوٍ في الحقوق والواجبات وفق القانون، ومن خلال مبدأَي المساواة وتكافؤ الفرص.
وعندما وصف البرنامج الدولة بأنها مدنية، أتى على ذكر القضية الشائكة، وهي أن رئيس الدولة يجب أن يكون مسلمًا, وتعالوا معًا نقرأ النص ثم نعلِّق عليه: "الدولة الإسلامية هي دولة مدنية بالضرورة؛ لأن الوظائف فيها أساس تولِّيها الكفاءة والخبرة الفنية المتخصصة والأدوار السياسية، يقوم بها مواطنون منتخبون، ورئيس الدولة أو رئيس الوزراء طبقًا للنظام السياسي القائم عليه واجباتٌ تتعارض مع عقيدة غير المسلم؛ مما يجعل غيرَ المسلم معفيًّا من القيام بهذه المهمة، طبقًا للشريعة الإسلامية، والتي لا تُلزم غير المسلم بواجب يتعارض مع عقيدته، كما أن قرارَ الحرب يمثل قرارًا شرعيًّا، أي يجب أن يقوم على المقاصد والأسس التي حدَّدتها الشريعة الإسلامية؛ مما يجعل رئيس الدولة أو رئيس الوزراء- طبقًا للنظام السياسي القائم- إذا اتخذ بنفسه قرارَ الحرب مساءَلاً عن استيفاء الجانب الشرعي لقيام الحرب، وهو بهذا يكون عليه واجب شرعي يلتزم به".
فبالإضافة إلى أن إعفاء الأقباط من منصب رئيس الدولة هو خيارُ الإخوان الفقهي بالمرجعية الإسلامية وليس السياسية؛ حيث أجمع فقهاء الأمة أن منصب الولاية العامة يجب أن يكون لمسلم؛ حيث الدولة الحديثة يتولَّى فيها رئيس الجمهورية بصلاحياته الواسعة نفسَ مهام الإمام أو الخليفة في الدولة الإسلامية أو الخلافة الإسلامية، وهذا ما قاله أيضًا الفقيه الدستوري المصري الشهير عبد الرزاق السنهوري، زد على ذلك أن الكثير من دساتير دول العالم الديمقراطي تنص على ديانة رأس السلطة في الدولة صراحةً، وهي المسيحية، مثل السويد والدنمارك وإنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية ولبنان، بل على طائفة من الطوائف المسيحية، كما هو الحال في ملكة إنجلترا.
غير أننا ربما أغفلنا أن الأغلبية العظمى من الشعب المصري هي مسلمة (96%)، وبما أن الديمقراطية هي حكم الشعب بالشعب وللشعب، وبما أن الديمقراطية تعني حكم الأغلبية, وبما أنه يستحيل من حيث الواقع أن يتم انتخاب رئيس جمهورية مسيحي في مصر, فإن برنامج الإخوان لم يغيِّر شيئًا من الواقع الموجود، بل أكَّد على برجماتيته في هذا الخيار الفقهي.
زد على ذلك أن الأقباط لا تشغلهم هذه القضية أصلاً، ولم يكن في أجندتهم مطلقًا الوصول لهذا المنصب أو التنافس عليه, بل صعبٌ عليهم التنافسُ على منصب عضو مجلس شعب، وأقول للذين ساروا في مأتم المواطنة، وزعموا أنها تعني أن كل الذين يعيشون على أرض الوطن لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات بلا أي استثناء حتى لو كان منصب رئيس الجمهورية.. أقول لهم: الإسلام يُجيز للمسلم أن يتزوَّج من مسيحية، ولا يجيز للمسلمة أن تتزوج من مسيحي، هل نحطِّم هذه القاعدة من أجل المواطنة؟! والأصل في الكنيسة المصرية الأرثوذكسية أنها تحرِّم وتمنع الطلاق مطلقًا، والإسلام يُجيز الطلاق، هل نلغي هذا الأصل من أجل المواطنة؟!
بل انتقد الأقباط النظام الحاكم مرارًا لعدم وجودهم في المناصب الرفيعة للدولة كمنصب المحافظ والوزارات السيادية والمناصب الرفيعة في الشرطة والجيش والوظائف الإدارية المهمة في الدولة كمنصب رئيس مجلس مدينة، بل اشتكوا أن منصب ضابط في مباحث أمن الدولة ممنوع عليهم، كما كان لوقت قريب منصب مأمور مركز عصيًّا عليهم.
لكنَّ برنامج الإخوان أعطاهم فرصًا متساويةً ومتكافئةً مع المسلمين في تقلُّد كل هذه المناصب؛ حيث نصَّ البرنامج في فصل "النظام السياسي"- البند السادس- على مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص: "عدم التمييز بين المواطنين في الحقوق والواجبات على أساس الدين أو الجنس أو اللون، كحقِّ التملك والتنقل والتعلم والعمل وممارسة العمل السياسي والتعبير عن الرأي، في ظل الحفاظ على القيم الأساسية للمجتمع، والترشح للمجالس المحلية والنيابية، وتولِّي كافة الوظائف القضائية والتنفيذية، في كل المجالات وعلى جميع المستويات، باستثناء منصب رئاسة الدولة، فيشترط فيمن يتولاَّه أو يترشَّح له أن يكون مسلمًا".. أرأيتم كيف نصَّ برنامج الإخوان على حقوق الأقباط في الوطن أكثر من الحزب الحاكم والنظام الحالي؟!
غير أن الشواهد تؤكد أن الإخوان أنفسهم هم أحرص الناس على الأقباط ووحدة الأمة المصرية والوحدة الوطنية، فهم كانوا دائمًا على علاقة طيبة مع الأقباط منذ عهد الإمام المؤسس حسن البنا، ولم يسجِّل عليهم التاريخ مطلقًا بأنهم كانوا طرفًا في صراع طائفي أو فتنة طائفية، بل كانوا بردًا وسلامًا على هذه الفتن، وتدخلوا لوأْد الكثير منها، بل رشَّحوا وسانَدوا ترشيحَ بعض الأقباط في انتخابات مجلس الشعب والنقابات, بل في كثير من الأحيان يكون صدرُ الإخوان واسعًا جدًّا في الصبر على الهجوم الضاري الذي يشنُّه بعض متطرفي الأقباط عليهم بمناسبة وبغير مناسبة.
ويبقى أن نؤكد على أن برنامج حزب الإخوان قد أنصف الأقباط، وأعاد لهم مكانتَهم ودورَهم أكثر مما أعطاهم المتشدِّقون والمتباكون على ضياع حق المواطنة في هذا البرنامج الواعد.