وسقط الشرف العربي.. رأيته حصانًا أشهب تهتز رجلاه الأماميتان، وترتعشان، وتميلان يمنةً ويسرةً.. وفجأةً إلى اليسار تميلان ثم تنثنـيان.. فينكب على وجهه، ويغمر الطين فمه، فيحاول أن يتنفس من بقايا منخار.. حاول في جهدٍ جهيدٍ أن يحتفظ به فوق سطح الأرض، وعينه اليمنى ذابلة الغشاء، دامية الجفن.. صدقني يا ولدي سامح.. وأقسم كأني سمعته يلعن خيبة فارسه.. أفتح أذنيَّ وأسمع.. أفتح قلبي وأسمع.. أفتح عينيَّ.. وبهما أسمع.

 

يا فارسي لقد اكتنزت لحمًا، واكتسيت شحمًا، وصرت في بضاضة الغواني، وذل الأرقاء.. الأذلاء، وهوان الأخسّاء. يا فارسي أنا أبكي لك وجفناي مقرحان حزنًا عليك.

 

ورأيت الحصان العربي- وصدقني يا سامح-.. رأيته.. بل عشته وهو يدفن بقايا مُتنفَّسه في الطين بعد أن أغمض جفنه القريح، وتوقف نفسه المفجوع.. نعم.. واحرَّ قلباه.. ما عاد الحصان العربي- يا سامح- ينبض.. ما عاد يا سامح يتنفس.

 

لقد سقط الشرف العربي يا سامح، وهوت دموعي ترثي جوادنا الأشهب.. يرحمه الله.. ويرحمنا الله.

****

وتسألني- يا سامح- في أي عصرٍ نعيش؟.. وأقول: إننا- يا سامح- لا نعيش عصرًا.. ولا عهدًا.. . لقد خف وزننا وانكمش حجمنا، فلم نعد نشغل من مساحة الزمن قيد أنملة.. أتذكر يا سامح- وأنت في الصف الأول الثانوي- كنت تقول عن المتنبي: إنه مجنون.. نعم اتهمته بالجنون؛ لأنه قال:

كفى بجسمي نحولاً أنني رجلٌ     لولا مخاطبتي إياك لم ترني

 

حاولت أن أقنعك بأن هذا يسمونه في البلاغة- إغراقًا في المبالغة-، وما بالمتنبي عته، ولا جنون، وإلا لما ملأ الدنيا فنًّا وما شغل الناس وشد الأنظار، وهذا هو الدليل على أن هذا الإغراق يخصه هو، ولا يتعدى شخصه، وهو إغراقٌ كلامي بلاغي، لم يصب أحدًا بسوء.

 

ولكن تعال- يا ولدي- إلى الإغراق العملي في السفاهة والإسراف والترف الحرام، كانت الرشوة في العهود التي يسمونها بائدةً لا تتعدى بضعة آلاف من الجنيهات، فأصبحت حاليًّا- في أزهى عصور الديمقراطية والحرية (!!!)- تصل إلى الملايين، وشعبنا المطحون قرأ عن ليلة زفافٍ في أحد فنادق القاهرة تكلفت أربعة ملايين جنيه، بعدد القاهريين الذين يسكنون في المقابر.

 

وهذا يصغر أمام تكاليف زواج أميرٍ من الأمراء، وقد تعدت تكاليف ليلة زفافه عشرات الملايين من الدولارات، وفي الحفل وضعت باقة ورد على شكل هرم بارتفاع 22 مترًا، وبقاعدة 7 أمتار، وتضم 60 ألف وردة، تم استيرادها من بعض دول أوروبا.

 

والأنكى من ذلك وأكثر سفاهةً وتبذيرًا ما نُشر عن حفل زفاف أميرٍ آخر. ومن مظاهر هذا الحفل ما يأتي:

 

من هولندا قبل الزفاف بأسابيع أقلعت السفن تحمل تلال الصناديق الورقية، وبها 10 ملايين لمبة لترشق في كل متر من الصحاري والشوارع.

 

ومن أمريكا أقلعت الطائرات على جسر جوي تحمل ملايين العلب والمعدات من ثريات ورايات وقناديل، يتميز منها 2 مليون صاروخ زينة- صُنعت خصيصًا لتطلق الزغاريد وتغرد البلابل.

 

بريطانيا واسكتلندا تفرَّغت لصناديق المشروبات والمشهيات والمطوحات (الخمور)، أما فرنسا فقد خلت مطاعم باريس من أساتذة المطبخ الفرنسي ومشاهير الميترات والجرسونات والمناولات، حيث شُحنوا في قوافل تصحبهم المطابخ الإلكترونية والتجهيزات بين أيديهم الحلل الفضة، والأطباق الذهب، والملاعق المرصعة بفصوص الماس والجواهر.

 

ومن بلجيكا وسويسرا وألمانيا: حمائل مئات ألوف المقاعد والأسرة، والأراجيح، والديكورات.. ثم عشرات بل مئات من فرق الرقص، والغناء، والسيرك، ووالت ديزني والجلاجلا.

 

وفي فجر يوم الزفاف امتطى العريس المحروس حصانه الأبيض، وقاد قافلةً من عشرين جملاً محملاً بالهدايا للعروس، منها جواهر فقط بـ15 مليونًا، أما الشبكة فلا أحد يعرف.

 

أما أبو العريس فقد ظهر يرقص ممتشقًا سيفه الذهبي المرصع بالجواهر ممسكًا بعصاه المطهمة بفصوص نادر الماس.. وأهدى الأب لابنته مدينةً تجاريةً كاملة، وهي على شكل باخرة وتضم ثلاث بنايات ضخمة كل بناية من 15 طابقًا، وبها فندق من 300 غرفة ودار للسينما، و55 محلاً تجاريًّا للاستثمار وتكبير الأموال.

 

المطربون والمنشدون من مصر، ومن تونس، ولبنان، والمغرب، وكل نجم ونجمة تنال ربع مليون دولار- وتطوحت الرءوس مع مغنية مشهورة، وهي تنشد للعريس والعروس، بما ضجَّت له مشاعر أحد الشيوخ، فأهداها فورًا وأمام النظارة سيارةً مرسيدس من أفخم الموديلات وأحدثها.

 

ويقولون بعد ذلك (أموال قارون)!! إنها بما جمعت لا تساوي أموال واحد فقط من أدعياء الشرف العربي.

 

****

وهذا الإغراق السفيه ليس في المناسبات والأفراح فحسب، بل إنه اتسع للحياة العامة: كنت في مكتب الأستاذ ثروت أباظة- رحمه الله- بالأهرام فقصَّ علينا القصة الآتية وأنا أنقلها بحذافيرها: "كنت أنزل بأحد الفنادق في لندن، وفوجئتُ باتصالٍ هاتفي من صديقٍ نفطي: أستاذ ثروت احضر بسرعة إلى فندقي الذي أنزل به، وهو فندق (.. ) لأقدم لك أغلى فنجان قهوة شربته في حياتي.

 

ودفعني حب الاستطلاع إلى الإسراع إلى صاحبنا بجناحه بالفندق، فرأيته يضع الإناء المعروف لصناعة القهوة العربية على ثلاثة أحجار، وأمامه كومة من الجنيهات الأسترلينية، يأخذ منها على دفعات ويضعها في النار المشتعلة تحت الإناء إلى أن نضجت القهوة، وقدمت لنا في فناجيل عربية، وصاحبنا يبتسم وهو يقول: لقد وعدتك وهأنذا أفي بالوعد.. أتدري- يا أستاذ ثروت- كم تكلَّف فنجان القهوة هذا والفناجيل التي شربناها؟

- .. .. .. ..

- 40 ألف جنيه إسترليني.

- ابتسمتُ وقلت- وفي أعماقي لوعة بسبب هذا الإسراف السفيه: هذه تكلفة الوقود فقط، وأنت لم تدخل في الحساب ثمن البن والحجارة والخدمات.

- كله يهون من أجل عيونك، ومن أجل إكرامك يا أستاذ ثروت.

****

ووجدتني أصاب بموجةٍ من الذهول، وأنا أرى- يا ولدي سامح- سكان غزة وفلسطين لا يجدون لقمة خبزٍ ولو مغموسةً في الهوان.

 

لقد صدق الشاعر الكبير عمر أبو ريشة إذ قال من قصيدة طويلة:

هانت الخيل على فرسانها      وانطوت تلك السيوف القطّعُ

والخيام الشم مالت وهوت      وعوت فيها الرياح الأربع

والبطولات على غربتها         في مغانينا جِيـاعٌ خشعُ

هكذا تقتحم القدس على        غاصبيها هكذا تسترجعُ

****

 

يا سامح.. ألم أقل لك- يا سامح- لقد مات الشرف العربي؟.. قتله أدعياؤه.

نعم مات- يا سـامـح- يرحمه الله.. ويرحمنا الله يا ولدي الحبيب.

---------------

* komeha@menanet.netl