أخيرًا فعلها الجنرال!

 

د. حلمي القاعود

وها هي الطوارئ تحكم باكستان الشقيقة، فتعيش تحت البارود والنار، ويقبض الجنرال على قادة وزعماء ومحامين وعسكريين، ويُدخلهم الغرف المظلمة، بعد أن فرض قيودًا على الإعلام والحركة السياسية، وأعلن بلا مواربةٍ أنه الحاكم الأوحد الذي يُنفِّذ الإرادة الأمريكية ضد شعبه وأمته ودينه!

 

كل ما قاله السيد الأمريكي، أنه يأسف لحكم الطوارئ، وطلبت السيدة كوندي من التابع "المسلم" أن يجري الانتخابات التشريعية في موعدها! وطلب منه البيت الأبيض أن يتخلى عن رئاسة الأركان أو قيادة الجيش الباكستاني.

 

أما قادة الأحزاب المنتمون لبلدهم، فقد استنكروا ما فعله الجنرال، ونددوا به وأعلنوا عن تنظيم مظاهرات وإضرابات حتى يسقط النظام الموالي للأمريكان.

 

بيد أن السيدة بي نظير، زعيمة حزب الشعب العلماني كان لها رأي آخر، فقد طلبت من حليفها الجنرال، أن يرفع الطوارئ لأنه سيعطي فرصةً للمتطرفين (أي الإسلاميين) لتخريب البلاد.

 

والسيدة بي نظير بوتو، لا تخفي انحيازها للسيد الأمريكي أيضًا، مثل حليفها الجنرال الذي عقدت معه صفقةً سيئة السمعة، تعود بموجبها إلى كراتشي مقابل تأييده والتنديد بالأحزاب الإسلامية، وبارك الأمريكان الصفقة ودعموها.. ولكن الرياح جاءت بما لا يشتهي السَّفن- أي البحّار- فقد استقبلها الباكستانيون بالتفجيرات الانتحارية التي حصدت أرواح أكثر من خمسين ومائة باكستاني، وأصابت أكثر من خمسمائة آخرين، وكانت رسالةً صريحةً لمَن يتحالف مع المستبدين وأعداء البلاد؛ ولكن السيدة بي نظير، لم تفهم الرسالة فيما يبدو- مع رفضنا للعنف من أية جهةٍ جاء- وأصرَّت على التأييد الضمني لما فعله الديكتاتور التابع للسيد الأمريكي.

 

لقد عزل الديكتاتور قاضي القضاة "افتخار شودري" وعين آخر بدلاً منه، مع أن المحكمة العليا قد أعادته إلى منصبه بعد أن عزله في المرة السابقة عبر حكم مدوٍّ سمعه العالم أجمع.. وأصرَّ الجنرال على استباق حكم المحكمة العليا الذي كان سيقضي ببطلان ترشيحه مرةً أخرى للرئاسة.. ولكن مَن قال إن الطغاة يفهمون حركة التاريخ أو طبيعة الجغرافيا؟
هل القضاة متطرفون، كما يُسميهم الجنرال وحليفته بي نظير؟

 

لا يمكن أن يكون القاضي متطرفًا؛ لأنه يحكم وفقًا لضميره الذي لا يعرف الانحياز، ونصوص القانون التي لا تنحاز إلى أحد، ولكن الجنرال تصوَّر أنه قادرٌ بقوة السلاح على قهر خصومه السياسيين، وشعبه البائس المسكين!

 

لقد كسب الجنرال عداوة القضاة ورجال القانون، وأعلن المحامون عن تنظيم إضرابات واسعة النطاق؛ احتجاجًا على عزل "افتخار شودري"، وإعلان الطوارئ، وسيكون للإضرابات صداها على مستوى العالم، وربما تُعجِّل بنهاية الطاغية الموالي لأمريكا.

 

ويبدو أن الطاغية الجنرال يعتمد على حماية السادة الأمريكان له، بعد أن أدَّى لهم خدمات غير جليلة على أكثر من مستوى.. ولكن مَن قال إن الأمريكان يحمون عملاءهم؟ لقد أكدت الحوادث على مدار العقود الماضية أن السيد الأمريكي لا يحمي عميله إذا وقع، بل يلفظه، كما يلفظ الفم الماء عند المضمضة، وهو ما جرى لشاه إيران ونورييجا، وماركوس، وحكام سايجون في أثناء الحرب الفيتنامية الأمريكية، وعدد غير قليل في بلاد العرب والمسلمين؛ لأن ما يعني السيد الأمريكي هو مصالحه وحدها.. والمصالح غير الصداقة المزعومة التي يتوهمها بعض الطغاة، فالأمريكان من أجل مصالحهم يصالحون ويحاربون حتى لو كان ذلك مع أقرب حلفائهم الصليبيين.. والمواقف مع فرنسا وإيطاليا وإسبانيا بشأن العراق أوضح من الوضوح.

 

لقد انقلب الجنرال مشرف على رئيس الوزراء المنتخب "نواز شريف" في وقت حسّاس للغاية، حيث كانت باكستان قد أعلنت عن قنبلتها النووية لتردع الهند المدعومة أمريكيًّا وأوروبيًّا، وباركت أمريكا هذا الانقلاب الذي ظهرت آثاره فيما بعد من خلال تنازلات إستراتيجية أبرزها قضية كشمير، والسماح بتدخل أمريكي في الشأن النووي الباكستاني، ثم وهو الأخطر الحرب بالوكالة عن أمريكا، ضد ما يُسمى الإرهاب، أي الإسلام، فسمح لجيشه وطائراته بقصف أبناء شعبه في المناطق الحدودية خاصة "وزير ستان"، و"سوات"، وأزهق أرواحًا إسلاميةً كثيرةً، ولم يطرف له جفن، فالسيد الأمريكي راضٍ عنه، مساند له طالما يُحارب الإسلام تحت راية "الإرهاب"!

 

والمفارقة أن الشعب الباكستاني لم يستسلم للجيش الذي يقوده الطاغية مشرف، بل قامت قبائل وزير ستان وسوات بمواجهة دموية شرسة، وتتحدث الأنباء عن تبادل للأسرى (!) بين الجيش والقبائل.. يا للعار!

 

كأن القبائل الباكستانية دولة عدوّ يجب قهرها ودحرها، حتى ينتشي الجيش المحارب في غير ما هدف نبيل أو غاية إنسانية..

 

ما معنى الإرهاب؟ وكيف تكون قبائل مكوّنة من ملايين الباكستانيين في خانة الإرهابيين بين الذين يجب القضاء عليهم وقصفهم بالطيران الحربي والمدفعية الثقيلة؟ أليس ذلك عجيبًا؟
إن الغزاة الصليبيين الاستعماريين دخلوا أفغانستان بحجة القضاء على تنظيم اسمه "القاعدة" ومع مضي نحو ست سنوات، لم تستطع جيوش التحالف الصليبي الاستعماري القضاء على هذا العدوّ المعلن، ولكنها بالتأكيد قتلت أكثر من خمسين ألف أفغاني بائس، وهدمت قراهم ومدنهم ومدارسهم ومساجدهم، ومستشفياتهم البدائية، وأصابت أكثر من ربع مليون آخرين لا حول لهم ولا طول، ولا يعرفون ما القاعدة ولا أمريكا.

 

ويأتي الجنرال الطاغية ليُشارك في القتل، فيقتل المئات من شعبه تحت الدعوى نفسها محاربة القاعدة، وما انتهت "القاعدة" ولا ذهبت، بل يطلّ علينا من حين لآخر أحد زعمائها بخطبة نارية، يفترض أنها تتحدى أمريكا وحلفها الصليبي الاستعماري، ولكن الواقع يُثير لغطًا ولبسًا وكأن القاعدة صناعة أمريكية، وفزاعة لإخافة المسلمين، حتى يتمكَّن السيد الأمريكي من السيطرة على قوس البترول من الخليج حتى بحر قزوين، مرورًا بأرض فارس فيما هو متوقع في قادم الأيام.

 

ترى لماذا يصر بعض الطغاة على تسليم بلادهم وثرواتهم مجانًا لأعداء الله والإسلام والمسلمين؟

 

أمن أجل منصب يزول بزوال صاحبه، أو من أجل غنائم ظاهرة وخفية لا تساوي ذرةً من تراب الوطن؟

 

إن أنهار الدم التي سكبها الجنرال مشرف على أرض باكستان لا بد أن تلوث يديه، بعد أن لوثت تاريخه وشرفه العسكري، فدم الأهل فوق كل المناصب والطوارئ والسادة الأمريكان!

--------------------

* drhelmyalqaud@yahoo.com