تابعت بعض حوارات النخبة السياسية حول برنامج حزب الإخوان المسلمين، وتوقفت عند حجم المناقشات التي تناولت النص في البرنامج على وجود هيئة من كبار العلماء تكون استشاريةً فيما يتعلق بأحكام الشريعة.
ورأيت من هذه المناقشات أن هناك حالةً من الانزعاج الشديد من النص على هذه الهيئة في البرنامج، وحُمِّل النص أكثر مما يحتمل، وتناقل الناس الفكرة على أن هذه الهيئة تمثِّل ولاية الفقيه في (الفكر الشيعي)، وعودة الدولة الدينية التي يسيطر رجال الدين فيها على شئون الحكم، و.. و.. وغيرها من هذه المصطلحات الثقيلة.
ولنرجع إلى النص الذي أثار كل هذا الجدل لنجد فيه:
"ويجب على السلطة التشريعية أن تطلب رأي هيئة من كبار علماء الدين في الأمة على أن تكون منتخبةً أيضًا انتخابًا حرًّا ومباشرًا من علماء الدين ومستقلةً استقلالاً تامًّا وحقيقيًّا عن السلطة التنفيذية".
وفيه أيضًا:
"ورأي هذه الهيئة يمثِّل الرأي الراجح المتفِق مع المصلحة العامة في الظروف المحيطة بالموضوع، ويكون للسلطة التشريعية في غير الأحكام الشرعية القطعية المستندة إلى نصوص قطعية الثبوت والدلالة القرارُ النهائيُّ بالتصويت بالأغلبية المطلقة على رأي الهيئة، ولها أن تراجع الهيئة الدينية بإبداء وجهة نظرها فيما تراه أقرب إلى تحقيق المصلحة العامة، قبل قرارها النهائي".
ورأيي في هذا الأمر ينحصر في قضيتين:
الأولى: أن هذا الانزعاج الشديد ليس له ما يبرره لكون البرنامج قراءةً أولى سوف يخضع بعدها للتعديل كما قرَّر الإخوان، ولكون هذا الانزعاج مصدره قلة العلم بطبيعة الإسلام والشريعة الإسلامية؛ فالإسلام لا يعرف الكهنوت، ولا الدولة الدينية، ولا يعرف الشخصية المعصومة التي تبلِّغ عن الإله الأعظم سبحانه وتعالى فلا تجوز مراجعتها.
إنما يوجد علماء متخصصون في علوم التفسير، والحديث، والفقه وأصوله واللغة، وغير ذلك من علوم الشريعة، وهؤلاء العلماء تجوز مراجعتُهم ومناقشتُهم والاختلافُ معهم؛ حتى تتبيَّن الحقائق من خلال البحث العلمي والاستدلال بالأدلة من الكتاب والسنة والاجتهاد بالقياس والمصالح المرسلة.. إلخ.
ولا يدَّعي عالمٌ في الإسلام أنه لا يجوز عليه الخطأ، وكلٌّ يُؤخذُ منه ويرد عليه إلا النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم.
الثانية: أنا مع إلغاء هذا النص لأسباب منها:
1- وجود هيئات علمية إسلامية بالفعل في الدولة، ولها قيمتها واحترامها، مثل المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ومجمع البحوث الإسلامية، ولجنة الفتوى بالأزهر، وإذا كانت هذه الهيئات تتشكَّل بالاختيار من السلطة التنفيذية، فلْنطالب بجعلها تتشكَّل بالانتخاب، وبكون شيخ الأزهر يتولى منصبه بالانتخاب، وهذا أمرٌ تطالب به النخب السياسية من قديم.
2- أن تكون المرجعية للمحكمة الدستورية العليا المنوط بها الفصل في دستورية القوانين؛ حتى تحكم بكون القانون المطروح مطابقًا لنص الدستور ومادته الثانية التي نصت على مرجعية الشريعة، وأقرتها الأمة بالاستفتاء أو غير مطابق.
وأنا أرجِّح مرجعية المحكمة الدستورية لأنها هيئةٌ تتوافر لها الدراسة المتأنية، والحَيدة بين الخلافات السياسية، ويتوافر لها الاستقلال عن السلطة التنفيذية، كما أنها تستعين بالخبراء والمتخصصين في جميع المجالات، ثم تُصدر أحكامها التي أثبتت الوقائع دقَّتَها وعدالتها ونزاهتها، كما أن مرجعيتها لا تستدعي انزعاجًا ولا لَغَطًا ولا خوفًا من الدولة الثيوقراطية.
3- إن إلغاء النص يُثبت بحق انفتاح عقل وقلب الإخوان على جميع الآراء والاجتهادات، وأن عرض البرنامج على النخبة السياسية لم يكن من قبيل المناورات أو الشكليات، بل للبحث عن كل رأي وفكر يبغي مصلحة الوطن.
4- كما أن الإلغاء يُثبت مرونةَ الشريعة عندما يتعلق الأمر بشكل الهيئات والمؤسسات، طالما تحقَّقت المبادئ الأصلية ومصلحة الأمة، وينفي تهمة الجمود والتشبث بالرأي وتصورات التضييق على الناس، وإلغاء الآخر التي يحاول البعض إلصاقها بالفكر الإسلامي.
وفقنا الله جميعًا للحكمة والرشاد.