غير خافٍ على كل ذي عقل وبصر ما تحمله الأحداث منذ فتح النفَق من خطر على المسجد الأقصى، وما تحمله محاولات أخرى كثيرة لهدم وتصديع أجزاء من المسجد الأقصى بعضها معلن وبعضها يعرفه إخواننا في فلسطين؛ مما أشار إليه رئيس بلدية بيت لحم، ووكيل كلية الدراسات الإسلامية بها في حديثهم في نادي هيئة التدريس- جامعة القاهرة- في أواخر مايو 1997م.
أقول لا يخفى ما تحمله الأحداث من خطر جسيم على بيت المقدس، وهذا في الوقت ذاته يعبر عن إجماع كل الصهاينة- مهما اختلف أسماء أحزاب الحكومة- على هدم المسجد الأقصى جزءًا جزءًا تحت ادعاءات دينية وتاريخية موهومة. وهذا أمر ينبغي أن يكون موضوع نظر وتأمل كل العرب والمسلمين وفي ضوئه تُعاد خريطة العلاقات بكل أنواعها مع الكيان الصهيوني، بدءًا من التطبيع الموهوم وانتهاءً بالعلاقات الدبلوماسية.
وقد أحدثت هذه الأحداث ردود فعل اختلفت أشكال التعبير عنها من بلد عربي أو إسلامي إلى آخر، فبعضها كان قريبًا مما ينبغي أن يكون، ومعظمها كان فاترًا، ظهر فتوره في شكل التعبير عن الموقف بعبارات عن مثل: "نطالب إسرائيل- الكيان الصهيوني- بالتزام الحق والعدل"، أو نحو: "نستنكر أو نشجب الممارسات العدوانية على المسجد الأقصى"، وهكذا مما يظهر أن القضية ليست حية حياة العقيدة في نفوس الكثير من أبناء هذا الجيل، وأن موقعها في الوجدان العربي المسلم بعيد بنسبة ما عن بؤرة الشعور ومحور الاهتمام.
والذي يرصد هذا الموقف يسأل: ما الذي أحدثَ هذا الخلل في الوجود العربي الإسلامي؟
والذي ينظر إلى المستقبل في ضوء هذا الموقع يسأل سؤالاً آخر، مؤداه: ما الذي ينبغي أن نفعله كي تبقى القضية عقيدةً حيةً في نفوس الأجيال حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً؟
وفي فهمي أن السؤالين يحتاجان إلى إجابة واحدة؛ لأن ما أحدث الخلل- الذي ظهر في شكل تجاوب غير مناسب للحدث- هو الذي سيحدث الفتور الأكبر بمرور الزمن لو ظل الحال كما هو عليه، أعني لو ظل الحال انفعالاً وقتيًا مع الحدث دون أن يترك أثرًا تربويًا أو تعليميًا يكوِّن وجدان العربي المسلم بكل أبعاده الثقافية والعاطفية، والملاحظة السابقة التي تقرر أن التجاوب كان انفعالاً نخشى أن يتحول إلى منهج تجاه الأحداث، هذه الملاحظة توحي أو تعدل صيغة السؤال إلى: ماذا كان يمكننا أن نفعل لكي نتفادى هذا الخلل؟
وماذا يمكننا أن نفعل لنتدارك الأمر قبل فوات الأوان؟
الإجابة فيما أرى هي أن أمورًا تربوية وتعليمية غابت عن مناهج التعليم، وغيبت كذلك في خطط الإعلام، وتُجوهِلَت من المؤسسات الثقافية والدينية في بلاد العرب والمسلمين.
هذه الأمور تنحصر فيما يلي:
أولاً: غياب الموقع الصحيح لموقع الأقصى من عقيدة المسلم.
ثانيًا: غياب البيان الحق لموقف الإسلام من الحرب والسلام.
ثالثًا: غياب البيان الحق لطبيعة القوم الذين نتعامل معهم في هذه الأحداث.
أما بالنسبة لموقع الأقصى في المعتقد الإسلامي:
فحسبنا أن نشير إلى:
أ- أنه جزء هام في رحلة الإسراء والمعراج، كما سجل هذا القرآن الكريم ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (الإسراء: 1).
هذا يعني أن قداسته من نفس قداسة المسجد الحرام بما يعنيه هذا التماثل من احترام ووجوب الدفاع عنه إلى حد الاستشهاد؛ لأن مَن قُتل دون دينه فهو شهيد، باعتباره من الكليات الخمس الواجبة المحافظة عليها.
ب- أنه ملتقى الأنبياء بالرسول- صلى الله عليه وسلم- حين صلى بهم إمامًا؛ مبايعةً منهم له بالخاتمية والعالمية وتوجيهًا إلى الباقين من أقوامهم أن يفقهوا معنى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسلام﴾ (آل عمران:19) بأنه دين البشرية من لدن آدم إلى آخر الحياة، وتلك عقيدة تتحرك بها نفس المسلم، ولها في هذا المكان (المسجد الأقصى) بيان وتوضيح.
هذا إلى جانب دلالات أخرى في نفس الحدث، يفهم المسلم أن أصول الأديان وقضاياها العقدية واحدة؛ لأنها من لدن إله واحد اقتضى لطفه بخلقه أن يرسل إليهم رسلاً يصلحون حيواتهم من منطلق التوحيد ﴿اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (هود:50).
ج- تشد إليه الرحال وتتوجه بالسفر إليه، وهو بهذا قرين المسجد الحرام ومسجد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالمدينة "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى".
أقول غياب هذا البعد في التعليم والتربية إلى جانب أحداث التجزئة الجغرافية التي صنعها الاستعمار أدَّى إلى انعزال عن جزء تقتضي العقيدة الحقة أن تؤمن به، وأن تعطيه حقه مثلما تفعل ذلك مع الحرمين الشريفين.
وفي تصوري أن لو مُسَّ الحرمان الشريفان- لا قدر الله- بسوء، فسوف يكون رد الفعل أقوى، وإن كنت أخشى أن يكون يد الإفساد قد امتدت إلى مكانتهما بفعل الحركات العلمانية التي تجرم كل تقديس لما ينبغي أن يُقدَّس، بدءًا من مثل هذه الأماكن وانتهاءً بالكتاب العزيز كما هو واقع في أيامنا هذه، محاكاةً للحركة الاستشراقية، وإن كانت المحاكاة أكثر صلافةً وجلافةً من تعرُّض المستشرقين لهذا الأمر.
على أية حال غياب هذا البعد التربوي من مؤسساتنا له أثره الذي يبدو فيما أشرت إليه، وتدارك الأمر واجب حتى لا يظل السوس ينخر في وجدان الأجيال المسلمة والعربية المقبلة.
وأما بالنسبة لبيان حقيقة موقف الإسلام من الحروب والسلام:
فأقول بدايةً إن غياب هذا البيان سمح للمرجفين بأن يُحدثوا خلطًا في أفهام المتعلمين، حيث قيل إن الإسلام دين سلام وليس دين حرب، وهذه كلمة حقٍّ يُراد بها باطل، إذ الباطل المراد هنا هو التخذيل تحت اسم (السلام)؛ لأن الحرب في مفهوم المرجفين تعني الإرهاب بعامة دون تمييز بين الأسباب والدوافع، ويسمح هذا كذلك باتهام المسلمين على عمومهم بالإرهاب، وجاء هذا للأسف من الغرب ومن جنوده في بلاد المسلمين، ونسي هؤلاء جميعًا أن ربط هذا بالإسلام والمسلمين مُجافٍ للعلم والتاريخ، ألا فليسألوا أنفسهم من أشعل الحرب العالمية الأولى؟ من أشعل الحرب العالمية الثانية؟ من ألقى قنبلة (هيروشيما)؟ إلى آخر هذ الأسئلة، ومع هذا نحن لم نتَّهم النصرانية كدين ولا كل النصارى، بل نحدد التهمة فيمن فعلها وهذا هو الحق.
المهم أن من الواجب وقد كان من الواجب أن نعلم أولادنا وأجيالنا:
أ- أن الإذن بالحرب في الإسلام جاء لدفع الظلم وإثبات الوجود.
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ (الحج: 39).
وقارئ التاريخ يعلم أن غزوة بدر لم تكن من أجل العِير والمال، وإلا فما الداعي إليها بعد إفلات العير؟... إنها كانت لإثبات الوجود الإسلامي في مقابل الصلف القُرَشي آنذاك؛ ولذا شرح الرسول- صلى الله عليه وسلم- للمهاجرين والأنصار هذا الأمر واستشارهم، ثم سار على بركة الله.
كذلك كانت الفتوحات الإسلامية جَهدًا من أجل تقديم الخير الذي هو رحمة للعالمين، ولكل البشرية باعتبار أن الدين عند الله الإسلام، ولعل وصايا الأمراء للقواد تُبرز هذا، حيث يُوصُون: لا تقطعوا شجرة، لا تقتلوا شيخًا ولا طفلاً ولا امرأةً، ولا تهدموا معبدًا... هذا هو جانب الحرب ولا إرهاب فيه، فضلاً عما يُثار حوله من غبار.
ب- أن الدعوة إلى السلام في الإسلام جاءت بعد الدعوة إلى إعداد القوة، وبيان الهدف منها، وهو ضبط الأمور حتى لا يحدث استهتار بالوجود الإسلامي، وقد جاءت الآيات هكذا...﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ 61.وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنفال: 61).
أعني أن غياب هذا الفرق الدقيق- بين ما هو من حقيقة الإسلام وما يثيره المرجفون- مكَّن لأعداء الإسلام أن يروِّجوا كذبًا تحت مقولة السلام والتعايش ونحو هذا.
الأمر الذي يمكِن أن يكون وراء فتور البعض تجاه ما يقتضيه الموقف الحق من جهاد هؤلاء الأعداء بالنفس والمال: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: 41).
أما بالنسبة لغياب البيان الحق لطبيعة العدو:
فأقول: في الوقت الذي تتضافر فيه الحقائق التاريخية والنصوص المقدسة في التوراة نفسها وفي القرآن- لبيان طبيعة هؤلاء اليهود- نجد من يحاول تحسين صورتهم أو يحاول أن يدافع عن غدرهم.
وحسبي أن أُشير إلى نصٍّ في توراتهم (سفر الخروج 33/7): "وقال الرب لموسى رأيت هذا الشعب، وإذا هو شعب صلب الرقبة، فالآن اتركني ليحمى غضبي عليهم وأفنيهم"، وبقية النص تظهر أنهم ضلوا في تصورهم للإله، حيث أنزلوه من "عليائه المقدسة" فتضرع موسى أمام الرب، وقال: لماذا يا رب، يحمى غضبك على شعبك الذي أخرجته من أرض مصر بقوةٍ عظيمة ويدٍ شديدة، ارجع عن حمو غضبك، واندم على الشرّ، فندم الرب عن الشرّ"....، حسبك هذا مضافًا إلى ما قرره القرآن الكريم من:
أ- سبِّهم لله (سبحانه، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا)... ﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (آل عمران: 181) ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ (المائدة: 64).
ب- قتلهم للأنبياء وتكذيبهم لهم: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (البقرة: 87).
ج- ادعاؤهم أنهم شعب الله المختار...﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ﴾ (المائدة: 18).
خلاصة القول: إن غياب بيان طبيعة هؤلاء القوم كان له أثر في الفتور، حيث لبس الشيطان على البعض فأحسنوا الظن بمن أساء إلى ربه والأنبياء وجميع الناس.
وبعد: فهل نتدارك الأمر وتكون نتيجة التفاعل مع الأحداث تصرفات إيجابية، تظهر في التعليم والإعلام وكل المؤسسات الثقافية والدينية، فنتدارك الأمر قبل فوات الأوان؟ ونصلح ما أفسدته الأيدي الخبيثة حين رفعت من مناهج التعليم ما هو حقائق قرآنية تصور طبيعة هذا الشعب؟!.
----------
* أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، ورئيس قسم الدراسات الإسلامية بكلية الشريعة (جامعة الكويت)