لم تعد المأساة الإنسانية في قطاع غزة محصورة في نيران القصف الصهيوني واستهداف المدنيين، إذ باتت مياه الأمطار والبرد وانهيار المباني المتضررة تهدد حياة مئات آلاف الفلسطينيين الذين أنهكتهم أكثر من ثلاثة أعوام من حرب الإبادة والنزوح. وبينما تتواصل هجمات قوات الاحتلال الصهيوني في مناطق متفرقة من القطاع، جاء المنخفض الجوي الأخير ليكشف مجدداً حجم الكارثة التي يعيشها السكان، بعدما غمرت المياه نحو 70 ألف خيمة، وتضررت أوضاع قرابة 350 ألف نازح، في ظل غياب المأوى الآمن وشح الإمكانات اللازمة لمواجهة تداعيات الشتاء.
وتتداخل مشاهد القتل والدمار مع مشاهد الغرق والتشرد، في واقع يواجه فيه الفلسطينيون مخاطر متعددة؛ فمن ينجو من القصف لا يجد بالضرورة مكاناً آمناً يحتمي فيه من الأمطار، ومن اضطر إلى العودة إلى منزله المدمر هرباً من الخيام المتهالكة بات مهدداً بانهيار جدرانه وأسقفه بفعل الأمطار والرياح.
وخلال الفترة الممتدة من 5 إلى 7 نوفمبر الجاري، قتلت قوات الاحتلال خمسة فلسطينيين، بينهم طفلان وامرأة، فيما استشهد ثلاثة آخرون، بينهم طالبتان جامعيتان، متأثرين بإصابات سابقة جراء اعتداءات واستهدافات إسرائيلية متواصلة في مناطق مختلفة من القطاع، وفق توثيق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.
قصف صهيوني متواصل
لم يتوقف استهداف المدنيين مع تفاقم الأحوال الجوية، إذ شهدت مناطق متفرقة من القطاع هجمات إسرائيلية وإطلاقاً للنيران أسفرا عن تسجيل شهداء وجرحى، بينهم أطفال ونساء، فضلاً عن وفيات لاحقة لمصابين كانوا يتلقون العلاج في المستشفيات.
وفي أحدث هذه الحوادث، أعلنت المصادر الطبية، السبت، وفاة الطالبة بسملة عاطف شعبان السكسك، 20 عاماً، متأثرة بجراح أصيبت بها إثر استهداف طائرة مسيرة صهيونية خيمة داخل حرم الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية في منطقة المواصي غربي خان يونس، في الثالث من نوفمبر الجاري.
كما استشهدت الطالبة سارة حسن أبو جياب، 23 عاماً، متأثرة بإصابتها في استهداف إصهيوني سابق طال تجمعاً لطلاب داخل حرم الجامعة الإسلامية بمدينة غزة في 25 أكتوبر الماضي، وأسفر عن إصابة سبعة طلاب، بينهم طالبتان.
وفي سياق متصل، استشهد المواطن نبيل عطية حمد، 47 عاماً، متأثراً بجراح أصيب بها في قصف استهدف تجمعاً للمواطنين بمنطقة البلاخية في مخيم الشاطئ، غربي مدينة غزة، في 31 أكتوبر الماضي.
وشملت الاعتداءات إطلاق النار من الآليات والرافعات العسكرية الصهيونية المتمركزة في المناطق الواقعة خلف ما يعرف بالخط الأصفر، باتجاه مناطق سكنية وتجمعات للمدنيين. وأسفرت هذه الاعتداءات عن استشهاد الطفل محمد نضال بربخ، 15 عاماً، أثناء وجوده في ملعب أكاديمية النجمة لكرة القدم بمنطقة المواصي جنوبي غربي خان يونس، والطفل عدنان طارق القريناوي، 12 عاماً، في مخيم البريج وسط القطاع.
كما قتلت المواطنة نورة سليمان أبو عاذرة، 52 عاماً، برصاصة في الوجه أثناء عودتها إلى خيمتها قرب بئر 19 في المواصي، فيما استشهد المواطن محمد عطا القيشاوي، 36 عاماً، في استهداف تجمع للمواطنين بمحيط مخيم الشاطئ. وأصيب آخرون في هجمات متفرقة شمالي القطاع ووسطه وجنوبه.
وتعكس هذه الوقائع استمرار تعرض المدنيين لمخاطر القتل والإصابة، حتى في المناطق التي يلجؤون إليها بحثاً عن الأمان، بما فيها محيط الخيام ومراكز الإيواء والمنشآت التعليمية والتجمعات السكنية.
70 ألف خيمة تغرق و350 ألف نازح
وفي الوقت الذي تتواصل فيه الهجمات الإسرائيلية، ضرب منخفض جوي قطاع غزة اعتباراً من مساء الجمعة 6 نوفمبر، واستمر طوال السبت وحتى فجر الأحد، مصحوباً بأمطار غزيرة ورياح وانخفاض ملحوظ في درجات الحرارة، ليضاعف معاناة النازحين الذين يعيش معظمهم في خيام متهالكة تفتقر إلى أبسط مقومات الحماية من الظروف الجوية.
وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، غمرت مياه الأمطار نحو 70 ألف خيمة خلال الساعات الاثنتي عشرة الأولى من المنخفض، فيما تضرر نحو 350 ألف نازح، في مشهد يكشف هشاشة ظروف الإيواء التي يعيشها مئات آلاف الفلسطينيين بعد تدمير منازلهم وتهجيرهم من مناطق سكناهم.
وكانت الخيام المقامة في المناطق المنخفضة والأراضي الرملية والساحات المفتوحة الأكثر تضرراً، مع تسرب المياه إلى داخلها وتجمعها في أماكن النوم والمعيشة، ما أدى إلى ابتلال المراتب والأغطية والملابس والمقتنيات الشخصية، فضلاً عن تلف مواد غذائية ومستلزمات منزلية تمتلكها العائلات النازحة.
واضطرت أسر إلى محاولة تدعيم خيامها بوسائل بدائية باستخدام النايلون والشوادر والحبال، فيما لجأت أسر أخرى إلى الانتقال إلى أماكن مجاورة أو البقاء في العراء بعدما غمرت المياه أماكن إقامتها، دون أن تجد خيارات بديلة تتسع للأعداد المتضررة.
وتزداد قسوة المشهد مع محدودية توفر الخيام ومواد الإيواء ومستلزمات الشتاء، في ظل استمرار قيود الاحتلال على إدخال المساعدات والمواد الأساسية، ما يجعل مواجهة المنخفضات الجوية مهمة تفوق قدرات كثير من الأسر التي فقدت منازلها ومصادر دخلها وممتلكاتها.
أطفال ومرضى وكبار سن
لم تقتصر تداعيات المنخفض على الخسائر المادية، بل امتدت إلى الأوضاع الصحية، خصوصاً لدى الأطفال والرضع وكبار السن والمرضى والأشخاص ذوي الإعاقة، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة البرد والرطوبة دون أغطية أو ملابس شتوية أو وسائل تدفئة مناسبة.
ويزيد اضطرار العائلات إلى النوم على فرش مبتلة وارتداء ملابس غمرتها المياه من احتمالات الإصابة بالأمراض التنفسية والجلدية، في وقت يعاني فيه القطاع أصلاً من تدهور الأوضاع الصحية والمعيشية ونقص الإمكانات الطبية.
كما تسببت الأمطار في تجمع المياه داخل مراكز الإيواء والتجمعات السكنية ومحيطها، واختلاطها في بعض المناطق بمياه الصرف الصحي نتيجة تضرر شبكات التصريف وطفح المياه العادمة، الأمر الذي يرفع مخاطر انتشار الأمراض المعوية والجلدية، ويزيد صعوبة التنقل بين الخيام ومناطق الإيواء.
ولا تقف المخاطر عند النازحين في الخيام، إذ تواجه العائلات التي اضطرت إلى العودة لمنازلها المتضررة تهديدات إضافية، بعدما كشفت الأمطار والرياح هشاشة المباني التي تعرضت للقصف الصهيوني، وأثارت مخاوف من انهيار أجزاء منها فوق رءوس سكانها.
انهيارات المباني تكشف مخاطر العودة إلى المنازل المتضررة
وسجل قطاع غزة، السبت، ست حوادث لانهيار مبانٍ أو أجزاء منها، وفق توثيق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، في مؤشر على المخاطر التي تهدد السكان جراء الإقامة في منشآت تعرضت لأضرار إنشائية سابقة.
وشملت الحوادث إصابة مواطنين إثر انهيار جدار مبنى متضرر جراء القصف في بيت لاهيا شمالي القطاع، وإخلاء سكان مبنى تعرض لانهيار جزئي في مخيم النصيرات وسط القطاع، إلى جانب انهيار سقف عمارة القادسية المكونة من أربعة طوابق في محيط المحكمة الشرعية بحي الرمال بمدينة غزة.
كما شهد مخيم البريج انهيار سقف منزل، فيما سجل انهيار جزئي لمبنى في شارع الشهداء بمدينة غزة، وسقوط أجزاء من مبنى سكني في مخيم الشاطئ.
وتسلط هذه الحوادث الضوء على معضلة يواجهها السكان؛ فالبقاء في الخيام يعرضهم للغرق والبرد، بينما تمثل العودة إلى المنازل المتضررة خطراً على حياتهم في ظل غياب البدائل السكنية وعدم توفر الإمكانات اللازمة لإجراء تقييمات هندسية شاملة وتدعيم المباني الآيلة للسقوط.
وتزداد خطورة الوضع مع إعلان جهاز الدفاع المدني وجود أكثر من ألفي مبنى في قطاع غزة مهددة بالانهيار، ما يضع آلاف السكان أمام مخاطر متصاعدة، خصوصاً مع استمرار المنخفضات الجوية وهطول الأمطار.
إمكانات الطوارئ عاجزة أمام حجم الكارثة
وفي مواجهة تداعيات المنخفض، بدت قدرات فرق الدفاع المدني والبلديات والطوارئ محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات، نتيجة تضرر الآليات والمعدات والبنية التحتية، ونقص الوقود وقطع الغيار اللازمة لتشغيل مضخات شفط المياه وفتح قنوات التصريف.
وتكشف الأرقام التي أعلنها الدفاع المدني حجم الفجوة بين نداءات الاستغاثة والإمكانات المتاحة؛ إذ تلقى الجهاز 2166 نداءً من مواطنين تضررت خيامهم وغمرتها المياه، بينما لم تتمكن طواقمه من تلبية سوى 218 نداءً، ما يعكس اتساع نطاق الأضرار وصعوبة الوصول إلى جميع المناطق المتضررة.
وإلى جانب الأضرار التي لحقت بالخيام والممتلكات، فرض المنخفض أعباء مالية إضافية على الأسر، التي اضطرت إلى شراء النايلون والشوادر والحبال ومواد تثبيت الخيام، أو تحمل خسائر تلف الأغطية والفرش والملابس والمواد الغذائية. وتأتي هذه الأعباء في وقت فقدت فيه غالبية العائلات مصادر دخلها، وأصبحت عاجزة عن تعويض ما تفقده أو توفير احتياجاتها الأساسية.
غزة أمام كارثة إنسانية تتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً
وفي تعليقه على هذه التطورات، حمّل المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان الاحتلال الصهيوني مسئولية استمرار الاعتداءات وتفاقم الأوضاع الإنسانية، محذراً من أن تزامن الهجمات العسكرية مع مخاطر المنخفض الجوي يضاعف الأخطار التي تهدد حياة المدنيين، في ظل حرمان القطاع من الحد الأدنى من مقومات الاستجابة الإنسانية.
وطالب المركز المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لإلزام الاحتلال بوقف اعتداءاته وهجماته على المدنيين وتوفير الحماية لهم، والضغط من أجل رفع القيود المفروضة على إدخال المساعدات الإنسانية والمواد الأساسية ومستلزمات الإيواء.
كما دعا إلى السماح بإدخال الخيام والكرفانات ومواد البناء والمعدات الثقيلة والآليات وقطع الغيار والوقود، بما يضمن قدرة البلديات والدفاع المدني وفرق الطوارئ على الاستجابة لنداءات الاستغاثة، والتعامل مع تجمعات المياه وانتشال السكان من المباني المنهارة، وتقييم سلامة المنشآت المتضررة وتدعيم ما يمكن إصلاحه.
وشدد على ضرورة توفير مأوى آمن وملائم للنازحين، وضمان حصولهم على الغذاء والمياه والرعاية الصحية والملابس والأغطية ووسائل التدفئة، مع إيلاء اهتمام خاص بالأطفال والرضع والمرضى وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة.
وهكذا، يجد سكان غزة أنفسهم أمام وجهين متداخلين للكارثة؛ قصف صهيوني لا يتوقف عن حصد الأرواح، ومنخفضات جوية تحول الخيام إلى برك للمياه والمباني المتضررة إلى مصائد تهدد حياة قاطنيها. وبين القصف والغرق، لا تبدو المأساة مجرد تداعيات عابرة لطقس شتوي قاسٍ، بل امتداداً لأزمة إنسانية صنعتها الحرب والدمار والنزوح، وتتفاقم مع استمرار حرمان السكان من المأوى الآمن ومقومات الحياة الأساسية.