مع كل يوم يمر من عمر الانقلاب العسكري تتزايد فاتورة بقائه، وتتراكم مفاسده وتتعاظم تبعاته على حاضر مصر ومستقبلها، وتتسع فجوة انحرافه، ويدفع الشعب مزيدًا من الأثمان الباهظة؛ نتيجة إجهاض المسار الديمقراطي وإدخال البلاد في نفق التبعية وفقدان السيادة.
لقد باتت الكوارث التي يتسبب فيها الانقلاب غير خافية على الشعب الذي استبانت له الحقائق واتضحت له الجرائم التي يرتكبها المفسدون، وانعكست على مزيد من معاناة المواطنين، حيث تم القضاء على مكتسبات ثورة يناير التي ستظل الحدث الوحيد الذي استعاد المصريون به كرامتهم، وحصدوا من خلاله تجربة ديمقراطية فريدة تجلَّت آثارها في انتخاب أول رئيس مدني في تاريخ مصر.
كما تم إغراق الشعب في موجات متلاحقة من التضخم وارتفاع الأسعار، وتزايد معدلات البطالة، وضعف مصادر الدخل، واتساع دائرة الفقر، وتراجع الخدمات، حتى ضاقت بالناس كل سُبُل الحياة الكريمة.
لقد كانت تلك المعاناة نتيجة الزجِّ بالاقتصاد في مستنقع الاستدانة حتى تجاوز الدين الخارجي نحو 163.9 مليار دولار، في حين بلغ الدين العام الداخلي نحو 15 تريليون جنيه، بما يعادل 284 مليار دولار، وأصبحت خدمة الدين تلتهم الموازنة العامة المعلنة، بينما تتوارى موارد البلد الحقيقية بعيدًا عن الأعين، لا يطلع عليها وزير مسؤول أو برلمان منتخب أو جهة رقابية؛حيث بات الجميع تحت سيطرة السلطة.
وفي الوقت نفسه يصطدم المصريون كل يوم بواقع تتزايد فيه القروض لتصل إلى عشرات المليارات التي يتم إنفاقها على مشروعات غير إنتاجية تفتقد التخطيط، ولا تحقق اكتفاء للشعب ولا توفر فرصًا للعمل، متزامنة مع تزايد محموم في بيع الأصول وتمليك الأجانب لمقدرات الوطن وممتلكاته الاستراتيجية، وتقييد البلاد باتفاقات مخزية مع العدو في مجال الغاز، بعد أن كانت مصر مصدِّرة للطاقة، إضافة إلى التراخي المريب في التعامل مع السد الأثيوبي، بما انعكس على مكانة مصر وأضعف فاعليتها وأدى إلى تراجع دورها وتقزيمها إقليميًّا ودوليًّا، وكانت آخر الشواهد- بعد غزة- ما حدث في الحرب الأمريكية الإيرانية.
أما القبضة الأمنية ودائرة المظالم فلم يعد تأثيرها اليوم قاصرًا على من يعلن رفضه للانقلاب، بل اتسعت دوائرها لتطال كثيرًا ممن أيَّدوا الانقلاب، أو سكتوا عنه أو مهدوا له أو وقعوا في شراكه؛ فزادت سطوة الاعتقالات، وتضاعف تكميم الأفواه وإغلاق المنابر الإعلامية، بل ومنابر المساجد التي تم تأميمها والسيطرة عليها تمامًا، ولم يعد يُسمح إلا بكلمات باهتة مكرورة.
إن جماعة "الإخوان المسلمون" وهي تدرك هذا الواقع الأليم الذي تمر به بلادنا الحبيبة، والأخطار التي تحيط بها، تمدُّ يدها لكل الشرفاء من أبناء مصر، ولجميع القوى والتيارات السياسية والاجتماعية لإطلاق حوار جاد وشامل حول مشروع جامع يسهم في تجاوز حالة الاستقطاب، يكون محوره الرئيسي تحوُّل مصر إلى دولة مدنية ديمقراطية حديثة يتمتع فيها الجميع بحقوق المواطنة الكاملة؛ ويُفتح مجال التعاون لاستنقاذ البلاد والحفاظ على مؤسساتها؛ ليسترد المجتمع عافيته ووحدته التي تجلت في ثورة يناير المباركة، التي أرست قيم الحرية وسيادة القانون والتداول السلمي للسلطة.
وإننا على يقين بأن صحوة الشعب المصري ووعيه كفيلان -بحول الله- بأن يحققا لمصر استقرارها، ويعيدا إليها ما فقدته من مكانة تستحقها.
{ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) } [سورة يوسف].
أ.د. محمود حسين
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة "الإخوان المسلمون"
الخميس 16 محرّم 1448 هـ - 2 يوليو 2026 م