عاشت قرية عابدين في منطقة حوض اليرموك بريف درعا الغربي في الجنوب السوري ساعات صعبة يوم الأحد الماضي، بعد توغل قوات صهيونية فيها، قبل أن تنسحب من تل المغر وأطراف القرية نحو الأراضي السورية المحتلة وثكنة الجزيرة، منهيةً عملية عسكرية هي الأوسع في المنطقة خلال الأشهر الأخيرة.

وبرغم هذا الانسحاب، تواصل تحليق المسيّرات الصهيونية، بينما انتشرت قوات الأمن السورية والشرطة العسكرية في محيط القرية، في وقت باشرت فيه فرق الدفاع المدني تأمين عودة العائلات التي نزحت بفعل القصف والتوغل.

وتعد المنطقة ذات أهمية استثنائية نظراً لمجاورتها الجولان السوري المحتل ووادي اليرموك والحدود الأردنية، فضلاً عن احتضانها سد عابدين، أحد أبرز مصادر الري في المنطقة الزراعية. وتكشف أحداث عابدين وحوض اليرموك عن مرحلة جديدة من التصعيد الصهيوني في الجنوب السوري، تتجاوز العمليات العسكرية المحدودة إلى محاولات فرض وقائع ميدانية جديدة قد يكون لها تأثير طويل الأمد على مستقبل المنطقة. في المقابل، تبدو دمشق أمام معادلة معقّدة، فهي مطالبة بالحفاظ على الاستقرار الداخلي، ومنع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة قد تكون ذات تكلفة عالية، مع السعي في الوقت نفسه إلى وقف التمدد الصهيوني عبر الأدوات الدبلوماسية والأمنية المتاحة.

ويأتي التصعيد الجديد في سياق سلسلة متواصلة من العمليات العسكرية الصهيونية في ريفي درعا والقنيطرة، شملت توغلات برية، وإقامة حواجز عسكرية جديدة، ومداهمات للمنازل، واعتقالات، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، الأمر الذي يعكس تحولاً ميدانياً يتجاوز الطابع الأمني المؤقت إلى سياسة ضغط مستمرة على المناطق الحدودية.

توغلات جديدة للاحتلال

وبدأت العملية في عابدين مع تثبيت قوات صهيونية خياماً عسكرية في منطقة تل المغر غربي القرية، قبل أن تتوسع لاحقاً عبر تقدم آليات عسكرية مدعومة بغطاء من المدفعية والطيران المروحي، الذي أطلق نيران رشاشاته باتجاه القرية ومحيطها، بالتزامن مع قصف مدفعي أدى إلى أضرار في الأراضي الزراعية والممتلكات، من دون تسجيل إصابات بشرية. كما أقامت القوات الصهيونية حاجزاً جديداً قرب بلدة جملة، ليصبح ثاني حاجز يقام خلال يومين فقط، فيما أطلقت النار باتجاه مزارعين حاولوا الوصول إلى أراضيهم، ومنعت آخرين من الحركة، ما أثار موجة نزوح محدودة للعائلات نحو القرى المجاورة. ووفق مصادر محلية، فإن القوات الصهيونية انسحبت من تل المغر بعد منتصف ليلة الإثنين، إلا أن الأهالي سارعوا إلى إغلاق الطرق بالحجارة تحسباً لأي محاولة توغل جديدة، بعد تعرضهم لإطلاق نار وقنابل مضيئة خلال العملية. وبينما عاد جزء من الأهالي إلى منازلهم بعد انسحاب القوات الصهيونية، فإن استمرار الطائرات المسيّرة في التحليق، وبقاء الحواجز العسكرية الجديدة، واستمرار القيود المفروضة على المزارعين، كلها مؤشرات إلى أن الهدوء الحالي قد يكون مؤقتاً، وأن الجنوب السوري، سواء في درعا أم محافظة القنيطرة المجاورة، مرشح لمزيد من التصعيد.

    وقال المتحدث باسم "تجمع أحرار حوران"، عامر الحوراني، لـ"العربي الجديد"، إن قوات الاحتلال حاولت أول من أمس الأحد التوغّل داخل بعض الأحياء السكنية في قرية عابدين، ما أثار حفيظة الأهالي وتخوفهم من إطباق حصار على القرية أو تثبيت نقطة للاحتلال الصهيوني في المنطقة، الأمر الذي استفز الأهالي، وعمد شبان وأطفال ويافعون من القرية إلى إغلاق الطرقات الرئيسية المؤدية لها بالحجارة، إضافة إلى رمي الحجارة على الدورية التي ردّت بإطلاق النيران من دون تسجيل إصابات. وأوضح أن إغلاق الطرقات بالحجارة من قبل الشبان وأهالي القرية تواصل حتى انسحاب الدورية نحو الساعة 11 ليلاً، مشيراً إلى أن جنود الاحتلال عمدوا إلى إطلاق النيران بشكل كثيف خلال انسحابهم، فضلاً عن استهداف القرية بالمدفعية والدبابات بأكثر من خمس قذائف واقتصرت الأضرار على الماديات. وأضاف حوراني أن المخاوف الأساسية لدى الأهالي تتمثل في احتمال تثبيت هذه النقاط العسكرية على نحو دائم، ما يؤدي إلى قطع الطرق بين القرى، ومنع السكان من الوصول إلى أراضيهم الزراعية، وفتح المجال أمام تنفيذ اعتقالات في أي وقت. وأشار إلى أن السلطات السورية أغلقت محيط المنطقة لمنع وصول مجموعات مسلحة غير منضبطة، خشية انزلاق الوضع إلى مواجهات غير محسوبة قد تؤدي إلى تصعيد أكبر.

من جهته، قال علي جمعة، وهو أحد أبناء المنطقة، إن التحرك الصهيوني لم يكن عشوائياً، بل ركّز على السيطرة على نقاط استراتيجية. وأوضح أن القوات الصهيونية نصبت خياماً واستقدمت آليات عسكرية في تل المغر وتقدّمت على محاور طرق رئيسية، مثل جملة ـ سيسون، معتبراً أن الهدف يتمثل في السيطرة على التلال الحاكمة والمرتفعات التي تمنح الجيش الصهيوني تفوقاً في الرصد البصري والإلكتروني، وتمكنه من مراقبة كامل منطقة حوض اليرموك وعمق ريف درعا الغربي.

أما محمد دحمان، وهو من سكان المنطقة، فرأى في حديث مع "العربي الجديد" أن البُعد العسكري ليس الدافع الرئيسي لهذه العمليات، معتبراً أن قوات العدو الصهيوني لا تحتاج عملياً إلى السيطرة على مزيد من المواقع في الجنوب السوري، لكنها تسعى إلى توجيه رسائل سياسية ونفسية للسكان والحكومة السورية، مفادها بأنها صاحبة اليد العليا في المنطقة وقادرة على التحرك متى شاءت من دون رادع.

وأضاف أن الهدف الأبعد يتمثل في تعويد السكان على رؤية قوات صهيونية وتحركاتها باعتبارها أمراً طبيعياً، في ظل غياب القوات الحكومية عن الشريط الحدودي، معتبراً أن الرد الصهيوني العنيف جاء عقاباً للأهالي بعد مقاومتهم التوغل عبر رشق الجنود بالحجارة وإغلاق الطرق.

وفي قراءة لهذا التطور، رأى الباحث في مركز جسور للدراسات رشيد حوراني أن التصعيد الصهيوني الحالي تقف وراءه مجموعة من الاعتبارات السياسية والعسكرية، وليس مجرد دوافع أمنية ميدانية. وقال لـ"العربي الجديد" إن "إسرائيل تسعى أولاً إلى خلق شعور دائم بعدم الاستقرار بين سكان الجنوب السوري لدفعهم إلى النزوح، بما يسهل توسيع نفوذها والسيطرة على مزيد من الأراضي".

وأضاف أن الهدف الثاني يتمثل في كسب أوراق تفاوضية يمكن استخدامها مستقبلاً في أي تسوية سياسية برعاية دولية، ولا سيما الولايات المتحدة، عبر الاحتفاظ بشريط أمني أوسع على الحدود.

كما ربط حوراني التصعيد بالرد الصهيوني على المواقف الدولية الأخيرة، وفي مقدمتها جلسة مجلس الأمن التي طالبت بوقف التوغلات داخل الأراضي السورية، إضافة إلى البيان الصادر عن اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يوم الخميس الماضي، والذي شدّد على وحدة الأراضي السورية.

ورأى أيضاً أن هناك قلقاً صهيونيا "من احتمال تغيّر مواقف دمشق تجاه حزب الله مستقبلاً، باتجاه التحالف بينهما ضدها"، فضلاً عن رغبة الصهاينة في إبقاء حالة الفوضى الأمنية في الجنوب لمنع الحكومة السورية من بناء منظومة أمنية مستقرة، وإعادة تنشيط شبكات التهريب بما يوفر مبرراً دائماً لاستمرار تدخلها العسكري. كما أشار إلى أن التصعيد قد يحمل رسالة إلى تركيا أيضاً، بعد تصاعد لهجة المسئولين الأتراك الرافضة للتوغلات الصهيونية واعتبارها تهديداً للأمن القومي التركي.

خيارات دمشق في الجنوب السوري

وحول كيفية تعامل الحكومة السورية مع هذا التصعيد، قال مصدر سوري مطلع على أجواء المؤسسة العسكرية لـ"العربي الجديد" أن الخيارات قد لا تقتصر على التحرك الدبلوماسي. وأوضح أن دمشق قد تعتمد على دعم الأهالي في المناطق الحدودية لمقاومة التوغّلات عبر وسائل احتجاج شعبية، مثل إغلاق الطرق ومنع تقدّم قوات العدو إلى جانب اتخاذ إجراءات أمنية وعسكرية غير معلنة تنفذها وزارة الدفاع والأجهزة الأمنية لمراقبة التحركات الصهيونية والاستعداد لأي مواجهة إذا اقتضت الظروف، وتوجيه ضربات موجعة لقوات الاحتلال في الوقت والمكان المناسبين.

وأضاف أن الحكومة السورية تراهن كذلك على المسار السياسي والدبلوماسي، مستفيدة من علاقاتها مع عدد من الدول الفاعلة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، خصوصاً في ضوء التقارب النسبي في بعض الملفات المرتبطة بمكافحة الإرهاب وتقليص النفوذ الإيراني في سورية، وهو ملف شهد تعاوناً سورياً ملحوظاً خلال الفترة الماضية.

ولا تقتصر تداعيات التصعيد على الجانب الأمني، إذ يؤكد سكان المنطقة أن حياتهم اليومية باتت تتأثر بصورة مباشرة. فقد فرضت القوات الصهيونية قيوداً على حركة المزارعين والرعاة، ومنعت الكثيرين من الوصول إلى الأراضي الزراعية ومناطق الرعي، فيما تسببت العمليات العسكرية السابقة بحرائق في حقول القمح والشعير نتيجة القصف المدفعي وإطلاق النار. كما انعكست هذه الإجراءات على النشاط الاقتصادي والزراعي، الذي يمثل المصدر الأساسي لدخل معظم سكان حوض اليرموك، في وقت تتزايد فيه المخاوف من خسارة الموسم الزراعي الحالي.

وأدانت وزارة الخارجية السورية التوغلات الصهيونية، ووصفتها بأنها انتهاك صارخ لسيادة سورية ووحدة أراضيها، وخرق لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 والقانون الدولي، مطالبة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي باتخاذ إجراءات عاجلة لوقف هذه الانتهاكات. كذلك صدرت مواقف إدانة عربية، أكدت جميعها دعمها وحدة الأراضي السورية ورفضها استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، إذ اعتبرت الخارجية القطرية في بيان أن هذا الاعتداء انتهاك صارخ لسيادة سورية، وخرق فاضح للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، داعيةً في بيان المجتمع الدولي إلى الاضطلاع بمسئولياته، وردع العدو الصهيوني وإلزامه بالامتثال للقانون الدولي، ومحاسبته على جرائمه واعتداءاته المتكررة. كذلك شددت الخارجية السعودية في بيان على أهمية وقف التعديات الصهيونية على سيادة الأراضي السورية، والالتزام باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 بما يحافظ على أمن واستقرار المنطقة، مجددةً دعم السعودية لسيادة الأراضي السورية ووحدتها. فيما أكد الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم محمد البديوي، في بيان، أن استمرار قوات الاحتلال في ارتكاب هذه الاعتداءات يمثل تصعيداً خطيراً من شأنه زيادة حدة التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة، كما يقوض الجهود الإقليمية والدولية الرامية للسلام.