مع أن نص الاتفاق الأمريكي - الإيراني غير معروف بعد، والتوقيع عليه مؤجل ليوم الجمعة المقبل، إلا أن طوفان الردود والتوقعات تدفق، منذ لحظة الإعلان عنه، بخصوص مضمونه وآفاقه واحتمالاته، وطبعاً حسابات الربح والخسارة فيه، كما حول انعكاساته الأمنية على المنطقة، مع حيز ملحوظ لتداعياته على العلاقات الأمريكية- الصهيونية، معظمها يتقاطع عند إدراج الاتفاق، في ضوء ما رشح عنه، في خانة "السيئ" بالنسبة لواشنطن، و"الجيد" لإيران، و"الكابح" لنتنياهو المصنف على أنه "الخاسر الأكبر" في هذا المشروع. وكأن "الصمود قبضَ والتفوق دفعَ"، والثمن "كبير"، سواء المالي أو الجيوسياسي. وهذا الأخير مرشح للتفاقم بعد أن تعذر تفكيك أزمة بحجم هرمز إلاّ بالتفاوض الذي نجحت إيران في هندسة مساره، وانتهى إلى اتفاق لا يشكل، في أحسن أحواله، سوى "تدبير للوضع وليس حلاً له" (ريتشارد هاس، الدبلوماسي العتيق ورئيس مجلس العلاقات الخارجية سابقاً).

بل إن هذا "التدبير"، أو "الصفقة"، لا يبدو أكثر من "جدول أعمال" لمفاوضات لا يتوقع المراقبون أن تؤتي ثمارها، إذا تيسر لها ذلك، خلال المدة المحددة (60 يوماً)، فالملف النووي لوحده يحتاج إلى "عدة أشهر، إن لم يكن لأكثر من سنة"، حسب ويندي شيرمن، كبيرة المفاوضين في اتفاق 2015.

الاعتقاد الراجح أن الصيغة، بشقيها (مذكرة التفاهم ومفاوضات الستين يوماً)، جرى حبكها لتمرير صفقة فتح المضيق مقابل فك الحصار البحري، إضافة إلى الإفراج عن جزء من الأرصدة المالية الإيرانية المجمدة. فك هرمز يفك ضيق الإدارة المحلي، وتحرير قسم من الأرصدة يفك ضيق إيران الاقتصادي. مبادلة تخدم الطرفين. الإدارة سبق وتعهدت بعدم قبول أي مقايضة من هذا القبيل، إذ شدد وزير الخارجية ماركو روبيو على هذا الموقف خلال إفادته الأسبوع الماضي أمام لجنة الشئون الخارجية في الكونجرس. لكن ضغط الوقت مع ضغط المضيق "مكّن إيران من كسب" جولة المفاوضات (المحلل دافيد رود). تشاركه في هذا التقييم جهات كثيرة. ولأن ورقة هرمز كانت فعالة، وتكاد تكون الأقوى بيدها، فهناك من لا يستبعد عودة إيران إليها لاحقاً من باب فرض رسوم عبور، بذريعة الحاجة إلى العائدات لإعادة الإعمار. وربما لاستباق مثل هذا الاحتمال، سارع الرئيس ترامب اليوم إلى تأكيد ضرورة فتح المضيق مجاناً وباستمرار. لكن لا يبدو أن المذكرة احتوت بنداً صريحاً بهذا الخصوص. كما أن هناك تساؤلات عما إذا كانت الأولوية فقط للملف النووي في مفاوضات الستين يوماً، إذ لوحظ في الآونة الأخيرة تركيز الإدارة على النووي من دون ذكر سيرة موضوعَي الصواريخ والوكلاء في المنطقة. الضبابية في الموقف تعزز الشكوك والارتباك في التقدير.

من ناحية، هناك ترحيب، وإن مريب، بوقف الحرب. ومن ناحية أخرى، هناك خشية من تجدد التورط، إذ لا يستبعد في النهاية أن يؤدي تعثر المفاوضات إلى "انقلاب مذكرة التفاهم إلى مذكرة عدم تفاهم" (آرون دافيد ميلر - خبير في شئون المنطقة). وتجدر الإشارة إلى أن بعض الجهات المقربة من الكيان الصهيوني قد تأثرت ردودها بعزل نتنياهو عن الطبخة. ومنها أصوات يهودية أمريكية ومقربة من الرئيس ترامب (مثل البودكستر الشهير مارك ليفين)، أعربت عن عدم ارتياحها في هذا الخصوص، وبما يشير إلى تحرك يهودي أمريكي لاستدراك المزيد من التوتر بين ترامب ونتنياهو، على قاعدة عدم ارتياح يهودي ضمني من طريقة تعامل الرئيس ترامب "غير المسبوق مع رئيس حكومة إسرائيل"، مع ما ينطوي عليه ذلك من قلق على العلاقات مع إسرائيل. ومع أن هذه الأخيرة قد شهدت في السابق بعض الاهتزازات مع واشنطن، لكن خصوصية الروابط جعلتها عابرة.

اليوم خرج الرئيس ترامب مبدئياً من حرب الاختيار إلى سلام الاضطرار. وبانتظار التوقيع وما بعده، يبقى التركيز على تنفيذ "تفاهم هش" تتوفر فيه فجوات للتخريب كما للتملص من الالتزامات.