عادت أزمة الغذاء في قطاع غزة للواجهة من جديد، مع اندلاع العدوان الأمريكي – الصهيوني على إيران، وعادت معها ذكريات الألم وتجددت مع تفاقم الأزمة الإنسانية وتصاعد الحديث عن عودة سياسة التجويع وتقليص إدخال البضائع.
ويخشى سكان القطاع ومنظمات إنسانية أن يؤدي تشديد القيود على المعابر وتراجع دخول المساعدات إلى تفاقم الوضع المعيشي وعودة خطر المجاعة الذي عاشه الناس بحذافيره في خلال مراحل سابقة من حرب الإبادة على قطاع غزة.
وبحسب تقارير ميدانية رسمية ومصادر إنسانية، شهدت الأيام الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في عدد الشاحنات المحملة بالمواد الغذائية والوقود التي تدخل إلى غزة، بعد تشديد القيود على المعابر الرئيسية، وعلى رأسها معبر كرم أبو سالم، الذي يُعد المنفذ التجاري الأساسي لدخول البضائع إلى القطاع.
في الوقت نفسه، لا يزال معبر رفح مغلقا بالكامل، ما حدّ من دخول المساعدات الإنسانية وخروج المرضى والجرحى للعلاج خارج القطاع.
أسواق تعاني وأزمات تتلاحق
ويؤكد عاملون في المجال الإنساني أن تقليص دخول البضائع بدأ ينعكس سريعًا على الأسواق المحلية، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية بشكل ملحوظ، خاصة الدقيق والأرز والزيوت، بالتزامن مع تراجع كميات الوقود وغاز الطهي.
ويقول تجار في غزة إن بعض السلع بدأت تختفي تدريجيًا من الأسواق، بينما يضطر السكان إلى شراء كميات محدودة من المواد الغذائية بسبب الارتفاع الكبير في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وتشير تقديرات منظمات الإغاثة إلى أن أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في قطاع غزة يعتمدون بدرجات متفاوتة على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الغذائية اليومية، وهو ما يجعل أي تراجع في تدفق المساعدات أو السلع الأساسية ينعكس مباشرة على الوضع الإنساني.
وحذرت هذه المنظمات من أن استمرار القيود الحالية قد يعيد القطاع إلى ظروف شبيهة بالمجاعة، خاصة في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة والفقر.
وفي السياق ذاته، تواجه المخابز في غزة خطر التوقف عن العمل نتيجة نقص الدقيق والوقود، وهو ما قد يؤدي إلى أزمة خبز حادة خلال فترة قصيرة.
ويقول مطلعون، إن مخزون الدقيق المتوفر في بعض المناطق لا يكفي سوى لأيام قليلة، بينما تعتمد غالبية الأسر في القطاع على الخبز كغذاء أساسي يومي.
ويهدد نقص الوقود بتعطيل خدمات أساسية حيوية، إذ تعتمد المستشفيات ومحطات تحلية المياه ومرافق الصرف الصحي على الوقود لتشغيل المولدات الكهربائية في ظل الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي.
ويحذر مختصون من أن توقف هذه المرافق قد يؤدي إلى تدهور إضافي في الأوضاع الصحية والبيئية، ويزيد من مخاطر انتشار الأمراض، خصوصًا في المناطق المكتظة بالسكان ومراكز الإيواء.
ويرى مراقبون أن التصعيد العسكري المرتبط بالحرب على إيران أسهم في تحويل جزء كبير من الاهتمام الدولي والإعلامي نحو المواجهة الإقليمية، ما أدى إلى تراجع التركيز على الأزمة الإنسانية في غزة. ويعتقد هؤلاء أن انشغال القوى الدولية بالتطورات العسكرية في المنطقة أضعف الضغوط السياسية المطالبة بتسهيل دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع.
كارثة إنسانية وشيكة
منظمات حقوقية وإنسانية أكدت مرارا، أن تقليص دخول البضائع والمساعدات إلى غزة في ظل الحرب على إيران قد يؤدي إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق، خاصة إذا استمرت لفترة طويلة، داعية إلى فتح المعابر بشكل عاجل والسماح بإدخال المساعدات والمواد الأساسية دون عوائق، بما في ذلك الغذاء والدواء والوقود.
وتشير تقديرات إنسانية إلى أن قطاع غزة يحتاج يوميًا إلى أكثر من 600 شاحنة من المواد الغذائية والدوائية والوقود لتلبية الحد الأدنى من احتياجات السكان، إلا أن الكميات التي تدخل حاليًا لا تزيد عن 40 % من هذا الرقم، ما يفاقم الأزمة ويزيد من معاناة السكان الذين يعيشون أصلًا تحت حصار طويل وظروف اقتصادية صعبة
وتكشف معطيات رسمية وأممية، أن نسبة الفقر في غزة بلغت نحو 81.5 في المائة، بعد أن أدت حرب الإبادة الصهيونية إلى تدمير واسع للبنية التحتية والأراضي الزراعية والمصانع، ما جعل الظروف المعيشية في القطاع شبه مستحيلة.
وفي يناير الماضي، تلقت 37 منظمة غير حكومية، من بينها "أطباء بلا حدود" و"منظمة إنقاذ الطفولة" و"أوكسفام" و"المجلس النرويجي للاجئين"، إشعاراً رسمياً من حكومة الاحتلال يفيد بإمكانية تعليق تراخيصها في مارس بذريعة "متطلبات الأمن والشفافية”.
وبعد تقديم التماس من قبل 17 وكالة إغاثة ضد القرار، أصدرت المحكمة العليا الصهيونية أمراً قضائياً مؤقتاً يسمح للمنظمات غير الحكومية بمواصلة معظم أنشطتها.
وفي بيان لها، قالت منظمة أطباء بلا حدود إن سلطات الاحتلال تواصل فرض قيود صارمة على توفير المياه والمأوى والرعاية الطبية، وتبقي السكان في ظروف معيشية قاسية، بينما يستمر العنف في قتل وإصابة الفلسطينيين يومياً.
وأضافت المنظمة أن حجم المساعدات الإنسانية التي تصل إلى غزة انخفض بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الأخيرة.
ومع استمرار التوتر الإقليمي وتصاعد المواجهة العسكرية في المنطقة، تبقى المخاوف قائمة من دخول غزة مرحلة جديدة من التدهور الإنساني الحاد ما يعني عودة المجاعة في ظل محدودية الموارد وتراجع تدفق المساعدات.