بقلم: د. دحام إبراهيم الهسنياني*
من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في شهر رمضان إخراج زكاة الفطر، كما ثبت من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة.
وزكاة الفطر: هي الزكاة التي سببها الفطر من رمضان، وتسمى أيضًا صدقة الفطر، وهي صدقة معلومة بمقدار معلوم، من شخص مخصوص، بشروط مخصوصة، عن طائفة مخصوصة، لطائفة مخصوصة، تجب بالفطر من رمضان، طهرة للصائم: من اللغو، والرفث، وطعمة للمساكين.
قال الله تعالى: ]قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾. قال سعيد بن المسيب: المراد زكاة الفطر، وهي قدرٌ يسير مفروض على كل مسلم، ومعونة خفيفة عاجلة يؤديها إلى الفقير العاجز في مناسبة العيد الذي هو فرحة مشتركة ينبغي أن يحس بها أبناء الإسلام جميعاً.
أمر الله تعالى في هذا الشهر بإخراج زكاة الفطر، وقد فرضت في السنة الثانية من الهجرة، وأجمع أهل العلم: أن صدقة الفطر فرض.
ولا شك أن مشروعية زكاة الفطر لها حِكم كثيرة من أبرزها وأهمها الحكم الآتية:
1 – طُهرةٌ للصائم، من اللغو والرفث، فترفع خلل الصوم مما عسى أن يكون قد شاب صيامه من لغو ورفث، قلما يسلم منهما صائم، فهي لون من الجبر والتعويض، ليرفع بها الصيام، ويجبر بها الخلل، ويقاوم بها الفقر، ويسد بها العوز، ويستل بها من النفوس الأضغان والحسد.
فيجب على هذا الصائم أن يكون صومه كاملاً، ويتحقق هذا بصون لسانه وجوارحه عما نهى الله ورسوله عنه من قول أو فعل، فلا يتكلم بفحش القول ولغو الكلام، ولا ينطق إلا بما هو خير كما جاء في الحديث: «فليقل خيرًا أو ليصمت»، ولا يسمح لعينه أو ليده أو أذنه ورجله أن ترتكب محرمًا أو تقترف إثما؛ لأن الصوم ليس صومًا عن شهوتي البطن والفرج فحسب، وإنما هو صوم كامل عن جميع الشهوات حتى يحقق الفائدة المرجوة منه ويفوز الصائم في الدنيا والآخرة، فمن صام عن الأكل والشرب فقط ولم تصم جوارحه حيث ترك العنان للسانه في الكلام عن الناس، والسير بالنميمة، واستراق السمع، وسمع المحرم من القول، وسعي في الخراب والفساد، وارتكب المنكر بيده فمثل هذا ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش فقد ورد: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش».
والإنسان بحكم الضعف البشري الغالب فيه ليس معصوما عن ارتكاب إثم أو فعل محرم، وقلما يسلم صائم من مقارفة ذنب أو الإتيان بما يكدر صومه فجاءت زكاة الفطر تطهيرا له مما عساه أن يكون قد وقع فيه من وزر وتجبر ما في صيامه من قصور وما شابه من خلل؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات.
فزكاة الفطر تعمل عمل السنن الراتبة مع الصلوات الخمس المفروضة تجبر ما قد يحدث فيه من غفلة وما اعتراه من شائبة أو هي بمثابة سجدة السهو كما قال وكيع بن الجراح: زكاة الفطر لشهر رمضان كسجدة السهو للصلاة، وتجبر نقصان الصوم كما يجبر السجود نقصان الصلاة.
وإذا علم الصائم أن زكاة الفطر لها هذا الأثر العظيم من محو كل ما علق بالصوم من شائبة وطهرة من كل ما لحقه من ذنب فإنه -ولا شك- يسعد بهذا التطهير ويخرجها بنفس راضية ويبادر بإخراجها ويتمتع بعيده السعيد، ويقبل على الحياة بقلب مطمئن ونفس راضية، ويحنو على الفقير والضعيف، ويصبح الجميع بنعمة الله إخوانا، ويتوجه الجميع للعمل، ويعم الرخاء.
2 – طعمةٌ للمساكين، وإغناء لهم عن السؤال في يوم العيد، وإدخال السرور عليهم؛ ليكون العيد يوم فرح وسرور لجميع فئات المجتمع. وبهذا أراد الإسلام أن تعم فرحة العيد الواجد والمحرم والغني والفقير، ولا يكون عيد الموسرين وحدهم.
ولعل هذا هو السر في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عن الفقراء في يوم عيد الفطر: (أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم).
فالفقير إذا وجد الغني يهتم به ويعطف عليه ويعطيه مما عنده، فإن هذا يسعده أيما سعادة ويحب الخير لهذا الغني ويدعو له بالمزيد، ويزول الحقد من قلوب الفقراء على الأغنياء، فيتماسك المجتمع المسلم وتعم الفرحة والسرور، ويصبح العيد عيدا سعيدا على الجميع؛ لأنهم تعاونوا على البر والتقوى فقد شعر الضعيف باعتناء القوي له واهتمام به، كما شعر الفقير بأن الغني لم ينسه في هذه الأيام السعيدة.
أما إذا لم يجد الضعيف في يوم العيد معونة ولم يحصل الفقير والمحتاج على قوت هذا اليوم، وعاش الموسر القادر لنفسه ويتمتع بما تشتهيه الأنفس وتلذ به الأعين، فسوف يؤدي هذا إلى تصدع بنيان المجتمع. يحقد الفقراء على الأغنياء والضعفاء على الأقوياء، وتنتشر العداوة والبغضاء بين الناس، ويعم الظلم والفساد وتصبح الحياة جحيما لا يطاق، وينزل غضب الله سبحانه وتعالى ويكون الخسران المبين في الدنيا والآخرة.
من هنا فقد اقتضت حكمة الله أن يفرض في هذا اليوم ما يغني الفقير عن الحاجة وذل السؤال يوم العيد، مع قلة المقدار الواجب في زكاة الفطر حتى يسهل إخراجه ويكون من غالب قوت البلد أو قوته لنفسه حتى ينعم الجميع بالحب والمودة والرحمة.
3 – مواساةٌ للمسلمين: أغنيائهم، وفقرائهم ذلك اليوم، فيتفرغ الجميع لعبادة الله تعالى، والسرور والاغتباط بنعمه سبحانه وتعالى، وهذه الأمور تدخل في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين...).
فكان ينبغي اشتراك الصغير والكبير والغني والفقير والمأمور والأمير، في هذا الفرح وهذا الاغتباط، ولما كان في الأمة من هم فقراء معوزون ذوو حاجة غالبة إذا لم يتصدق عليهم فإنهم يظهرون للناس التكفف والاستجداء، ويسألونهم طعاماً وقوتاً وكسوة ونفقة، ومعلوم أن السؤال فيه شيء من الذل ومن الإهانة لأنفسهم، وفيه شيء من الصغار والإذلال، فأمر بأن يعطوا في هذا اليوم ما يكفيهم ذلك اليوم أو أياماً بعده، فيتصدق هؤلاء على هؤلاء حتى يستغنوا، ويخرجها الجميع.
4 – حصول الثواب والأجر العظيم بدفعها لمستحقيها في وقتها المحدد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس المشار إليه آنفاً: (فمن أدَّاها قبل الصلاة فهي صدقة مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)، فيصبح المسلم بأدائها سمير البذل والندى، بعيداً عن البخل والشح واللؤم، قد ارتدى جلباب الخير والسماحة وتحلّي بزينة الوفاء والصباحة، بذل الصدقة ابتغاء الأجر والرحمة، وطلب النقاء والطهرة، وإطعام الفقراء والضعفة، وشكر الرب سبحانه على الطاعة والقُربة.
5 – زكاة للبدن حيث أبقاه الله تعالى عاماً من الأعوام، وأنعم عليه سبحانه بالبقاء؛ ولأجله استوى فيه الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والغني والفقير، والحر والعبد، والكامل والناقص في مقدار الواجب: وهو الصاع.
6 – شكر نعم الله تعالى على الصائمين بإتمام الصيام، ولله حكم، وأسرار لا تصل إليها عقول العالمين.
أما حكم دفع القيمة في زكاة الفطر، فقد ذهب أكثر الأئمة إلى أنه لا يجوز إخراج القيمة في زكاة الفطر.. على حين يرى الحنفية أنه يجوز دفع قيمة الزكاة، لما في ذلك من التيسير على المزكي، وإعطاء الحرية للفقير حتى يتصرف في المال كيفما شاء.
والذي يبدو أن كلا من الرأيين يجوز العمل به -بلا حرج- إذ الغرض هو تحقيق المصلحة لمستحقي الزكاة، وهي تختلف باختلاف الظروف والبيئات، ومن ثم يترك الأمر لتقدير العلماء وحسب ظروف الناس أنفسهم.
والنصوص الواردة فيما يخرج في زكاة الفطر هي دالة على اعتبار الطعام المعتاد كحال البلد، والمقدار الواجب في زكاة الفطر عن كل فرد صاع واحد بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، ومقداره بالكيلو كيلوين ونصف تقريباً، أو ما يعادله من القيمة.
قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: يجوز إخراج القيمة، وقد روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري.
روى ابن أبي شيبة عن عون قال: سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز يقرأ إلى عدي بالبصرة (وعدى هو الوالي): (يؤخذ من أهل الديوان من أعطياتهم من كل إنسان نصف درهم).
قال التابعي أبو إسحاق السبيعي: (أدركتهم وهم يؤدون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام)، وعن الحسن قال: (لا بأس أن تعطى الدراهم في صدقة الفطر)، وعن عطاء: (أنه كان يعطي في صدقة الفطر ورقًا، دراهم فضية).
ومما يدل لهذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أغنوهم -يعنى المساكين- في هذا اليوم) والإغناء يتحقق بالقيمة، كما يتحقق بالطعام، وربما كانت القيمة أفضل، إذ كثرة الطعام عند الفقير تحوجه إلى بيعها، والقيمة تمكنه من شراء ما يلزمه من الأطعمة والملابس وسائر الحاجات.
وكثير من الفقراء يأخذ الطعام ويبيعه في يومه أو غده بأقل من ثمنه، فلا هو الذي انتفع بالطعام ولا هو الذي أخذ قيمة هذا الصاع بثمن المثل.
وهذا هو الأيسر بالنظر لعصرنا وخاصة في المناطق الصناعية التي لا يتعامل الناس فيها إلا بالنقود، وهو الأنفع للفقراء.
والرجل كان يفرح في السابق بهذه الحنطة وهذه الحبوب فيحملها إلى أهله حتى يصنعون منها الخبز بعد طحنها وإصلاحها، وأن هذا الأمر لم يعد معمولاً به في الوقت الحاضر، بل إن الفقراء يبيعون ما يحصلون عليه من زكاة الفطر كالأرز وغيره حتى يحصلوا على النقود، فالفقير يحتاج إلى كثير من الأشياء الضرورية التي ترهقه، ولا يستطيع تلبيتها من دون عون من الله ثم بما يقدمه له إخوانه المسلمون من زكاتهم المفروضة، إنه يفكر في سداد فاتورة الكهرباء والماء التي لا يقوم بها أحد سواه، وكذلك كسوة أبنائه وعائلته، ولوازمهم المدرسية التي تكلفه الكثير الكثير من المال عدا الأشياء الضرورية التي لا يستطيع التخلي عنها.
وخلاصة الأمر يكون المدار في الأفضلية على مدى انتفاع الفقير بما يدفع له، فإن كان انتفاعه بالطعام أكثر كان دفعه أفضل، كما في حالة المجاعة والشدة، وإن كان انتفاعه بالنقود أكثر، كان دفعها أفضل، وهذا يتوافق مع أصل التشريع فإن الطعام كان إخراجه أيسر في عهد الصحابة ومن الطعام الذي كان موجودًا ومتعارفًا عليه عندهم ولذلك فإن الفقهاء -حتى القائلين بعدم إخراج زكاة الفطر نقدًا- لا يُلزمون بإخراجها من نفس الأصناف الواردة في أحاديث زكاة الفطر وإنما يعبرون عن ذلك بقولهم قوت البلد، وهذا يدل على مراعاة المصلحة والحاجة، فكان من أعظم المصالح وأبلغ الحكم العدول عن المال النادر العسر إخراجه في ذلك الوقت إلى الطعام المتيسر إخراجه لكل الناس آنذاك. وأما الحال الآن فقد تغير فصارت النقود ميسرة والحاجة لها أكثر.
*عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين