نواكشوط- وكالات الأنباء، القاهرة- حسين التلاوي

أغلقت مقار الاقتراع الموريتانية أبوابها في الجولة الثانية من الانتخابات المحلية والتشريعية اليوم الأحد 3/12/2006م في الساعة السابعة مساءً بالتوقيت المحلي وهو ذاته التوقيت الدولي لتعلن عن نهاية اقتراع هو الأول من نوعه منذ الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس معاوية ولد الطايع في أغسطس من العام 2005م.

 

وقد أدلى الموريتانيون اليوم بأصواتهم في 33 دائرةً انتخابيةً لاختيار 52 نائبًا من أصل 95 هم عدد أعضاء البرلمان الموريتاني، وتجدر الإشارة إلى أنَّ غالبيةَ المقاعد التي يجري التنافس عليها في جولةِ الإعادة تقع في مناطق ريفية أو صحراوية؛ حيث تمَّ حسم أغلب مقاعد المدن في الجولة الأولى، وقد أدَّى ذلك إلى تدني نسبة الإقبال في الفترات الأولى من النهار؛ نظرًا لصعوبة الظروف المناخية في المناطق الريفية والصحراوية إلا أنَّ نسبةَ الإقبال ارتفعت فيما بعد منتصف النهار.

 

وقد جرت الجولة الأولى من الانتخابات في أجواءٍ إيجابية أشاد بها المراقبون المحليون والأفارقة والدوليون الذين شاركوا في مراقبتها، وأسفرت عن فوز أحزاب المعارضة بـ29 مقعدًا من أصل 43 مقعدًا تمَّ حسم التنافس عليها، بينما حصل المستقلون على 10 مقاعد من بينها مقعدان لتجمع الإصلاحيين الوسطيين (إخوان موريتانيا) على واحد في العاصمة نواكشوط والآخر في الانتخاب النسبي ويخوض التجمع انتخابات الإعادة بعددٍ من المرشحين في 4 دوائر، كما أسفرت الجولة الأولى للانتخابات المحلية عن فوز تجمع الإصلاحيين الوسطيين بـ3 بلديات في العاصمة.

 

وكان رئيس تجمع الإصلاحيين الوسطيين محمد ولد منصور قد أكد أنَّ التجمعَ حقق نتائج مُشرِّفة في الجولة الأولى من الانتخاباتِ المحليةِ والتشريعية، مشيرًا إلى أنَّ هذه النتائج تؤكد الوجود السياسي للتجمع في البلاد، وأوضح أنه على الرغم من أنَّ نتائج التجمع جاءت أقل مما كان يأمل إلا أنه حقق مقاعد برلمانية أكثر "من الأحزاب السياسية المشكلة والقديمة في العمل السياسي".

 

كما انتقد نظام "الاحتساب النسبي" الذي تتبعه وزارة الداخلية لإعلان الفوز في المقاعد؛ حيث تسبب في عدم حصول الحزب على ما يستحقه من المقاعد البرلمانية مقارنةً بالحجمِ السياسي للتجمع الذي أكد ولد منصور أنه "يحتل المركز الثالث في نواكشوط وعلى المستوى الوطني".

 

وقد تقدَّم التجمع بـ64 لائحةً في الانتخابات المحلية و30 مرشحًا في الانتخابات التشريعية تحت صفة المستقلين بسبب تعسف القانون الموريتاني في منحِ الإسلاميين ترخيصًا قانونيًّا للعمل الحزبي، وهو ما أدَّى إلى دخولِ الإصلاحيين الوسطيين إلى الانتخابات تحت مظلة الحزب الوحدوي الديمقراطي الاشتراكي ذي التوجهات القومية البعثية إلا أنَّ التجمعَ احتفظ ببرنامجه الانتخابي.

 

وتصدرت قضايا رفض التطبيع مع الكيان الصهيوني والنية في التحرك لقطع العلاقات معه ودعم العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وإقامة علاقات متوازنة مع الأمريكيين أجندة التجمع بالنسبة للقضايا الخارجية، بينما جاء الإصلاح السياسي والإداري وتطبيق الشريعة الإسلامية كأبرز القضايا الداخلية التي يتبناها تجمع الإصلاحيين الوسطيين، ويشار في هذا السياق إلى أنَّ زعيمَ التجمع محمد جميل ولد منصور أكد أنَّ السلطات السياسية وحدها هي التي لها الحق في إصدار قرار تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

 

وتجري الانتخابات في موريتانيا بنظامي التنافس المباشر والقوائم النسبية معًا؛ الأمر الذي أربك الناخب الموريتاني وأدَّى إلى تزايد نسبة الأصوات الباطلة حتى وصلت إلى 13% من إجمالي عدد المشاركين في الاقتراع بالجولة الأولى إلا أنَّ الأمر اختلف في الجولة الثانية حيث تمَّ التصويت مباشرةً على المرشح.

 

وكان أهم نتائج الانتخابات في الجولة الأولى:

- تأكيد رغبة الشعب الموريتاني في المشاركة السياسية؛ حيث قدرت النسبة العامة للمشاركة في الجولة الأولى بـ73% وهي النسبة التي ارتفعت إلى 80% في بعض المناطق، ويعني ذلك أن الشعب الموريتاني- ومعه الشعوب العربية بصفة عامة- يريد الممارسة الديمقراطية السلمية بالفعل، ويقدر على أنَّ يقوم بها بعيدًا عن المزاعم التي كان يروجها النظام الموريتاني المخلوع بعدم قدرة الشعب على الممارسة السياسية وقد وصفت بعض المصادر المعنية بالملف الموريتاني هذا الإقبال العالي بأنه "جوعٌ إلى الديمقراطية" في تعبيرٍ يدل على حماسة الموريتانيين في التوجه نحو المشاركة السياسية الحقيقية.

 

- شعور الموريتانيين بالحاجة إلى التغيير؛ حيث حققت المعارضة تقدمًا كبيرًا جدًّا في الانتخابات عندما حصد ائتلاف قوى التغيير المعارض 29 مقعدًا من أصل 43 تمَّ التنافس عليها إلى جانب حصول المستقلين على 10 مقاعد مما يرفع عدد المقاعد التي حصلت عليها القوى غير المقربة من النظام السابق أو المجلس العسكري الحاكم حاليًا إلى 39 مقعدًا.

 

- تنم التجربة الانتخابية في موريتانيا عن إدراك مجلس الحكم العسكري وبخاصة رئيسه محمد ولد فال لأهمية الممارسة الديمقراطية وكونها الطريق الوحيد لتحقيق الاستقرار في البلاد بعيدًا عن السياسات الديكتاتورية القمعية؛ حيث نفَّذ المجلس تعهداته بالعملِ على إجراء انتقالٍ سلمي للسلطة خلال عامين ونفَّذ الخطوة بإجراء استفتاءٍ على تعديلاتٍ دستوريةٍ للحدِّ من سلطاتِ الرئيس في يونيو الماضي، وقد وافق الموريتانيون على التعديلات المقترحة، كما تمَّ تنفيذ الخطوة الثانية، وهي إجراء الانتخابات في أجواءٍ من النزاهة، وفيما يتعلق بالخطوة الثالثة والأخيرة وهي الانتخابات الرئاسية فقد أعلن ولد فال أنه لن يرشح نفسه في تلك الانتخابات التي ستجري في مارس من العام القادم من أجل تأكيد طابع نزاهة الانتخابات وعملية الانتقال الديمقراطي ككل.

 

وعلى الرغم من تشكيكِ بعض الأحزاب السياسية في نزاهة المجلس العسكري بالتأكيد على أنه دعا الكثير من الشخصيات السياسية والقبلية بالخروج من الأحزاب وتشكيل روابط مستقلة تخوض الانتخابات استعدادًا لتشكيل حزبٍ يسيطر على الحياة السياسية في الفترة التي تلي الانتخابات إلا أنَّ الممارسةَ الفعلية تُوضح أنَّ المجلسَ العسكري نجح في الوفاء بنسبةٍ كبيرةٍ من تعهداته الديمقراطية، وهو ما يعتبر دليلاً على إدراكه أنَّ الديمقراطيةَ هي الوسيلة الأفضل للتعامل مع الشعوب.

 

- برهنت التجربة الانتخابية في موريتانيا بنجاحها على قدرة الشعوب على صناعة الديمقراطية بعيدًا عن تدخل الولايات المتحدة بأجندتها التي تزعم أنها تريد الإصلاح الديمقراطي وتحسين أحوال حقوق الإنسان في المجتمعات العربية، حيث أسفرت النتائج التي جرت- في ظل مجلس حكم عسكري- عن فوز مرشحي المعارضة وشهدت نسبة إقبال واسعة في ظل بُعدٍ تام عن العامل الأمريكي مما يعني أنَّ كلَّ المواقف الأمريكية فيما يتعلق بنشر الديمقراطية تدلل على أمرين؛ الأول هو استهداف الأمريكيين مصالحهم الخاصة في عملية نشر الديمقراطية، والثاني هو أنَّ التدخلَ الأمريكي في التجارب الديمقراطية يؤدي إلى تعطيلها!!!
ومن الملامح السابقة للعملية الانتخابية يمكن إدراك أنَّ موريتانيا قد وضعت بالفعل قدمها على طريقِ الديمقراطية وبغض النظر عن هويةِ الفائز في الانتخابات فإنَّ الفائزَ الحقيقي هو الشعب الموريتاني الذي يستحق الجائزة الأكبر بسبب إصراره على نسيانِ الماضي الديكتاتوري بسرعة واندماجه في الممارسة الديمقراطية بصورةٍ سريعةٍ جعلته نموذجًا لعمليةِ الانتقال الديمقراطي بالعالم العربي.